تارة يُقال إن هذا المنزل مسكون وإن روح صاحبه لم تفارقه بعد، ويُحكى أن الأنوار تُضاء وتُطفأ بين الحين والآخر، وتارة أخرى يُحكى أن أحواض الزرع الموجودة على شرفاته تظهر مرة خضراء ومرة يابسة.. والأهم يبقى ألا أحد يجرؤ على الاقتراب منه أو الدخول الى هذا المنزل القائم في محلّة زقاق البلاط في بيروت.
وفي صميم هذه المرويّات المفزِعة تكمن الحكاية.. فالمنزل كان يقطنه سليم موسى العشّي، المعروف بـ«الدكتور داهش»، والذي توفي في نيويورك عام 1984، تاركاً خلفه تساؤلات وحكايا ما زالت تعشّش خلف الماورائيات، إذ كان بـ«ستّ أرواح» على حدّ زعم أتباعه، أي «الداهشيّين» المنتشرين في لبنان والعالم، و«مشعوذاً» حسب رأي رافضي أفكاره الفلسفيّة والماورائيّة التي ما زالت تدرّس في الجامعات الأميركية، وهي موزّعة بين طيّات أكثر من 300 كتاب و500 لوحة في دار نشر خاصة بطباعة كتبه (دار النسر المحلِّق ).
وبين هذا وذاك، ما زال منزله مادة دسمة لمرويّات تشبه (الفزّاعة) ، والتي تتخطّى حدود واقع كونه كان مهجوراً لفترة قصيرة خلال الحرب الأهلية، ومن ثمّ عادت ملكيته لعائلة حداد، وتحديداً للرسامة زينة حداد التي ما زالت تسكن بداخله، وحيدة لا تستطيع الحراك والتحدّث بسبب مرضها وكبر سنها (93 عاماً).
وكانت عينا «الدكتور داهش» أبصرتا النور في مدينة بيت لحم في فلسطين، عام 1909، وبعدها بثلاث سنوات انتقل أهله إلى بيروت. وعندما بلغ سنّ العشرين، أطلق على نفسه اسم (داهش) لأن خوارقه فاقت الطبيعة والمعقول، وتمّ الإعتراف في فرنسا بقدراته الهائلة على تخطّي الطبيعة المادية وعلى خرق قوانين الطبيعة، فمنحه معهد «ساج» في باريس شهادة دكتوراه فخرية في الأبحاث النفسية وذلك عام 1930.
تعرّض للاضطهاد والملاحقة والتعذيب، لا سيما من قبل رئيس الجمهورية الراحل بشارة الخوري الذي جرّده من جنسيته اللبنانية وطرده من البلاد بعدما اعتنقت شقيقة زوجته الأديبة المعروفة ماري شيحا حدّاد المذهب الداهشي، واعترفت بأن جميع الأديان هي واحدة، مصدرها السماء والربّ الواحد، الأمر الذي لم يرق لمعظم رجال الدين، ودفع بالخوري إلى الحكم عليه بالسجن ثم النفي خارج البلاد.
وبعد الحكم عليه بالنفي، سافر «داهش» مع بعض أتباعه إلى أذربيجان، عام 1948، وهناك أعدِمت واحدة من شخصيات داهش الستة رمياً بالرصاص، في حين كان داهش ما زال موجوداً بلحمه وعظمه في مكان آخر من العالم، وكل هذه الحقائق موثّقة بالصور والصحف التي صدرت في تلك الحقبة، والتي انفردت بنشر مقالات وأخبار عن إعدام داهش الذي بقي حياً في مكان ما في العالم.
وكان لداهش، بحسب أتباعه، ستّ شخصيات روحية مختلفة، وكان العديد يتهافتون الى منزله في محلة زقاق البلاط يومياً لتتاح لهم فرصة مشاهدة ظاهرته الروحية.. علماً أن المذهب الداهشي هو مزيج روحي ونتاج فكري من نبع الأديان التي تقرّ بسلطة الله العليا وبوحدانيّة الكتب السماوية والاعتراف بجميع الأنبياء، من دون تفرقة بين مذهب وآخر.
