الباحث العماني علي بن محاش:

ظفار لوحة كاملة لها أبجديتها الخاصة

يقودنا هذا الحوار الشائق المختلف مع الباحث العماني علي بن أحمد بن محاش الشحري، المنتمي إلى ريف ظفار، إلى حكايات ممتلئة بالأسفار والأسرار التي حفظها ووثّقها من خلال نقوشها الكهفية الزاخرة بالأبجديات، لينطلق بنا إلى «أرض اللبان» في عُمان ويحدثنا عنها بدهشة، وعن ينابيع الفكرة الأولى في أرضه ببلاد الشحر الواقعة بين اليمن وعمان التي وُضعت في أول خريطة رُسمت للعالم، وهي «خريطة الإدريسي». الباحث بن محاش الذي يجب أن يُسلَّط عليه الضوء عالمياً هو من أرض البخور وأشجار الدموع الجالبة للخيرات، فبعد أن كتب كثيراً في المجلات العلمية المحكّمة العالمية وألّف عدة كتب، كان لنا معه هذا الحوار:

 

حقيقة الشحر

# هلَّا حدَّثت القارئ العربي المعاصر عن تاريخ بلاد الشحر في جنوب سلطنة عمان ومكانها ومكانتها؟

بلاد الشحر اسم أتى بعد اسم بلاد الأحقاف، وحدود بلاد الشحر من حضرموت شرقاً إلى رأس الحد في شرقية عمان، ويمتد شمالاً إلى وسط صحراء الربع الخالي، وتسمى أيضاً «شحر عمان»، ولدي في مكتبتي الصغيرة أكثر من 100 كتاب تتحدث عن هذه المناطق. وهذه المنطقة هي أرض اللبان التي تعاملت معها كل الحضارات العربية (السامية) منذ 8000 سنة، وتكونت فيها حضارة عاد، ومنها انتشرت العرب بقصد التوسع والاستحواذ، لتتكون كل الحضارات التي عُرفت فيما بعد بـ«الحضارات السامية»، وبقيت قبائل الشحرة في أرضها الأم، وتعود تسمية الشحرة إلى جدهم الشحري، وكذلك حملت لغتهم اسمه.


أقدم النصوص

#أمام كل هذا الغنى في جزيرة العرب، هل لك أن تذكر لنا أقدم النصوص المكتوبة عن بلاد الشحر؟

ذكر الفراعنة والروم والإغريق هذه الأرض بأسماء عدة مثل «بونت وسافار» و«ساكلان» و«ساخاليت»، وكذلك ملوك هذه المنطقة منذ 3500 عام من الآن، ونجد ذلك في كتاب سليم حسن «موسوعة مصر القديمة الجزء الرابع عن بعثة ملكة حتشبسوت إلى ظفار قبل 3400 عام من الآن»، حيث ورد فيه أن ملك أرض اللبان «أرض بونت» هو الملك «برحو» في خور روري، والواقع أن القبائل الشحرية الشرقية من خور روري وشرق تسمى قبائل بني بارح أو بيرح.

وكذلك في كتاب «الطواف حول البحر الأرثيري (البحر الأحمر)»، ترجمة د. أحمد إيبش، الصادر عن هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة (مشروع كلمة) الطبعة الأولى 2014. وكانت للشحرة ممالك وملوك ومدن وبحرية، كما وصلت سفنهم إلى بيرو بأمريكا اللاتينية قبل 4500 عام من الآن.

وفي كتاب «الرحلات البحرية للمورمن»، أكد الكاتب أن بني بارح وبني أوفير (قبائل شحرية) ذهبت في 8 سفن إلى بيرو قبل 4500 سنة، وأن أهل بيرو يقولون إلى اليوم إنهم من بني بارح وبني أوفير، ويسمون أرض بيرو باسم «بلاد أوفير»، أما أسماء ملوك ظفار الذين ذكرتهم الكتب أعلاه فهم: «برحو - إليازلييت - جوسس - غويسوس»، كما تضمنت تلك الكتب العديد من الإشارات لملوك آخرين دون ذكر أسمائهم في قائمة طويلة.

 

لغة عاد

#لغتك هي الشحرية، وهي عربية قديمة جداً، وبالتالي هي ثروة عربية نادرة، لكن كونك باحثاً، ماذا أنجزتَ لهذه اللغة بشكل مادي وعلمي؟

الجهد فردي، وقد تجاوز عمري الآن 70 عاماً، وكان اهتمامي بالبحث عن النقوش والكتابات والحضارة المكتوبة وأي معالم أثرية أجدها أثناء بحثي، وعندها وجدت أن ظفار عبارة عن لوحة كاملة من الكتابات والنقوش، ولها أبجديتها الخاصة التي لم يتم تفسيرها حتى الآن، ووصلت كتابات ظفار إلى أمريكا، وقد ألح عليَّ العلماء بضرورة فك رموز هذه الكتابة، وقالوا إنني الشخص الوحيد المؤهل لفك رموز هذه الكتابة، ولكنني بعد تفكير عميق قررتُ أن أتجه إلى توثيق ما تبقى من اللغة الشحرية قبل زوال الكبار في السن وزوال الكلمات المهمة والقديمة معهم، لكوني أؤمن بأن هذه الكتابات هي باللغة الشحرية التي أعتقد أنها لغة «قوم عاد»، والشحرية لغة عربية عادية (نسبة إلى عاد)، والعرب عاديون، وعليه بدأتُ أدوِّن الشحرية حتى يجد من يأتي من بعدي كلمات وأسماء وقواعد ومعلومات عن هذه اللغة والأرض، يتم من خلالها فك رموز هذه الكتابات، والآن لديَّ 9 كتب تكفلت حكومة السلطنة بطباعتها.

 

ظفار وكولورادو

#بمناسبة حديثك عن أمريكا، ما تفسيرك كباحث بعد اكتشاف كتابات في ولاية «كولورادو» بالولايات المتحدة عمرها 2400 سنة تشبه حروف الأبجدية الشحرية في جزيرة العرب بظفار، من حيث العدد والشكل؟

تفسيري أنه بعد حصر الحروف الشحرية وجدنا أنها هي ذاتها في الأبجدية العربية لكن تمتاز الشحرية بـ(6) حروف صوتية خاصة بها، فقمتُ بحصر عدد الحروف المرسومة في الكهوف وعلى الأحجار، وكانت الحروف المختلفة عن بعضها (33)، واتضح أن عدد حروف كولورادو مساوية للعدد في الأبجدية الشحرية، وتطابق العدد وشكل الحروف وطريقة الرسم في كلٍ من ظفار وكولورادو، وبهذا أصبحت كتابات كولورادو هي كتابات من ظفار. طبعاً التفسير الذي أقره العلماء والمنطق هو أن من كتب كتابات كولورادو هم عرب من جنوب عمان (ظفار)، وأن تلك الكتابات هي كتابات العرب (سامية)، وأن القارة الأمريكية ليس بها هذه الأنواع من الكتابات في السابق، بل أثبتت الدراسات الجينية أن 80% من سكان أمريكا الأصليين لهم جينات عربية (سامية). وقد أكدت المجلة العلمية التي تم إصدارها بواسطة الأمريكان تحت اسم «بري كولومبيانا» ذلك. وقد شاركتُ بنفسي في كتابة بحث فيها.

 

أين بلاد بونت؟

#دعنا نذهب إلى الأبحاث التي ذكرت أن بلاد بونت المكتوبة على معابد الفراعنة هي أرض اللبان في الصومال، وليس ظفار، فماذا تقول عن هذا الأمر؟

هذا غير صحيح؛ لأن الفراعنة والروم والإغريق تعاملوا مع موانئ وملوك وقوانين ملكية تبادلوا الهدايا بين البعثات الفرعونية والتجار، كما أن شعوب هذه الأرض والفراعنة والروم ذكروا أسماء ملوك ومناطق تعود كلها إلى ظفار اليوم، كما أنهم حددوا أسماء المناطق في ظفار، أما الصومال فليس بها لا ملوك ولا موانئ كبيرة، ناهيك عن أن السواد الأعظم من علماء الآثار والتاريخ يؤكدون أن أرض «بُنت» هي ظفار، وكذلك تؤكد نقوش الأكاديين والفينيقيين أنهم من هذه الأرض.

 

قبور الجان

#يجد السائح في صلالة الكثير من القبور، منها للأنبياء ومنها للأقدمين، لكن أن تحتوي أيضاً على قبور للجان، فلا نجد تفسيراً لذلك؟

يقال في الأساطير الشحرية القديمة إن الشحرة الأحياء على صلة بأمواتهم، وكذلك مع الجن في أرضهم، بل كل قبيلة شحرية في أرضها، وبالتالي يستطيعون استنهاض أمواتها، ويطلبون ذلك من جن أرضها للمساعدة عند الحاجة، وإن استنهضت جنها ضد جن آخرين لأمرٍ ما، فبلا شك تحدث معركة بين الجن العدو والصديق ليلاً، وفي ليلة وضحاها نجد في الصباح مقبرة كبيرة وبها قبور طويلة، لتعرف باسم مقبرة أو قبور الجان.

 

تشابه واختلاف

# في بلادي الإمارات اكتشفنا منذ 60 عاماً حتى اليوم قبوراً دائرية في أم النار بأبوظبي، وفي منطقة مليحة الأثرية بالشارقة وغيرها، وهي محاطة بأحجار، ولاحظت وجود قبور دائرية في ظفار مشابهة تماماً، فهل يوجد حسب تصورك ارتباط حضاري؟

بلا شك، فالحضارة والشعوب العربية العادية (نسبة لقوم عاد) واحدة وموروثها وشعائرها الدينية ومعبوداتها وطقوسها الدينية والجنائزية واحدة.

 

# ماذا عن قبور الأنبياء التي عليها إقبال هائل من السياح، كقبر النبي عمران في صلالة بظفار، الذي يبلغ طوله 30 متراً، وبالتالي يعد أطول قبر في العالم، ماذا تقول لنا كباحث علمي عن هذا الأمر؟

الأنبياء الذين ذكرهم القرآن هم 25 نبياً فقط، وعمران ليس من بينهم، وهناك المئات من القبور التي على شكل هرم أو قبور لآخرين ويُطلق عليها في الشحرية «نبيء والجمع أنبييت»، وتعني نبياً وأنبياء، ويتسمون باسم المنطقة التي يقعون فيها، وقد ذكرتُ ذلك في كتابي «لغة عاد».

 

الكتب المقدسة

# ألا تتفق معي على أن الكتب المقدسة لا تُعدّ مصدراً في البحث التاريخي، وأيضاً ما تم سرده من الباحثين الكلاسيكيين العرب، فلماذا استند إليها علي بن محاش ووضعها ضمن مصادره؟

فلنسأل العرب لماذا استندوا في أنسابهم إلى التوراة والإنجيل، وأضافوا إلى ما ذُكر فيها من أسماء ما لم يذكرها أي مصدر ديني ولا أثري، ثم اليوم العرب يتقاتلون على أنساب الهمداني وغيره الذين أدعوا زوراً أنهم عرفوا أنساب آدم ونوح وعاد، ولم يهتموا بقوم عاد الذين نجوا مع هود؟ ثم هل النسابون العرب الذين تحدثوا عن أنساب العرب وخرافات لا يقبلها العقل السليم استندوا إلى أي مصدر ديني أو أثري؟ وكيف نصدقهم؟ نحن نحاول أن نقدم ما يقبله العقل والمنطق بخلاف خرافة شداد بن عاد الذي طوله مئات الأذرع وبنى قصوراً من اللؤلؤ والمرجان والذهب، واحتل نصف الكرة الأرضية، وتزوج 1000 امرأة، وكذلك خرافة سد مأرب الذي كل الأُمة العربية ليس لها مسكن إلا حوله، وبمجرد انهياره انهارت كل الأُمة العربية، وهو سد لا يتعدى طوله وعرضه بضع كيلومترات، فلماذا كل العرب صدّقوا ذلك؟ أما لماذا استندتُ إلى تلك المصادر، فالمطروح يؤخذ أفضله، والغائب في علم الغيب، أما الحقيقة فمن يخبرنا عنها وهل من يدلنا عليها؟

 

جبل القمر

#يوجد في ظفار جبل صلوت، وجبل القمر، وأسماء لجبالكم بقيت كما هي منذ آلاف السنين، هل من تفسير لهذه الأسماء، وهل من أمر يخص العبادة والتقديس؟

العرب كانوا يعبدون الأجرام السماوية كالشمس والقمر ونجمي المساء والصباح، وكانت قبلة العرب هي الشرق، حيث جهة الصلاة، وكنا قديماً وإلى اليوم نسمي المنطقة الشرقية من ظفار باسم «صولوت»، وتعني الصلاة، أي حيث القبلة وحيث نصلي. أما جبل القمر فهذا ليس اسمه بالشحرية، بل «أقيار»، وهو نسبة إلى ملكية الأرض العائدة إلى شخص اسمه «إقييري»، وليس إلى القمر، بل كل أراضي ظفار قُسمت بين قبائل الشحرة وبأسماء مالكيها، وهي موجودة في كتابي «لغة عاد».

طباعة Email
تعليقات

تعليقات