في حوار خاص مع الباحث الإماراتي

صلاح البنا: الأرشيف البريطاني عن الإمارات هو الأهم

الدكتور صلاح قاسم سلطان البنا، المهتم بالتاريخ السياسي لدولة الإمارات، نال الدكتوراه، رغم ما ألم به من وعكة صحية قاسية، ولم ييأس ليتجاوز مرضه وترحاله الطبي الاستشفائي، مستمراً في كتابة الأطروحة في إنجلترا، التي كانت في مراحلها الأخيرة، مجاوراً مكتبته الواسعة والمميزة التي ساعدته على رسالته التي غطت مرحلة ما بين (1952 ــ 1971)، وعن تلك الفترة، كان لنا معه هذا الحوار:

صلاح البنا، الابن الأكبر لقاسم سلطان رئيس بلدية دبي السابق، كيف خرجت من جلباب أبيك، ومن طموح وظيفة حكومية متدرجة إلى باحث في التاريخ؟

تأثرت بوالدي بدرجة ما، لكن هناك اختلاف في الموضوعين اختلاف جذري، فشهرة الوالد شهرة إدارية، وجزئياً كان له دور من خلال مكتبته التي بدأت أنفتح من خلالها على مواضيع مختلفة، ومن هنا، بدأت أقتنع بأن الوظيفة الحكومية لا تناسبني.

 

صف لي مكتبة الوالد، وكيف تأسست؟

هي في منزل والدي، ومنذ بدايات السبعينيات، لأنني لاحظتها، ولأول مرة عام 1975 م، ووالدي هو من أسسها، وهو قارئ في التاريخ والرواية وكتب متنوعة.. وما في مكتبته من كتب منحني إياها لأبني عليها في ما بعد مكتبتي الخاصة.


رحلة الدكتوراه

معاناتك الصحية أخرت دراستك لسنوات، لكنك لم تستسلم وقاومت، حدثنا عن هذه الفترة؟

للأسف، عطلني المرض لخمس سنوات، حيث بدأت دراستي عام 2007، وكان من المفترض أن أنتهي عام 2011، لكنني تحديداً في هذا العام مرضت وتعطلت طويلاً، لأنني دخلت في غيبوبة، لأسباب طبية محيرة وشاقة على البدن والتنفس، ولكنني حاولت جاهداً العودة في 2013 فلم أستطع، لأنني أصبت بنكسة الزكام التي كانت سبباً في هبوط الأوكسجين لأدنى مستوى، وهكذا حتى سنة 2015، حيث غيرت المشرف على رسالتي... ولكن دون أن أيأس، حتى أكملت الأطروحة.

بعض التواريخ في الماضي حيوية ومثيرة للاهتمام، خاصة في يومنا هذا عصر المعلومات والرقميات، فما الجديد لديك في مبحثك التاريخي، وفي درجة الدكتوراه التي انتهيت منها؟ وماذا عن مصادرك؟

رسالتي للدكتوراه منتهية، وسأقول لكِ شيئاً بخصوص المصادر، أغلب الدراسات عن منطقة الخليج والإمارات، هي من مصادر بريطانية، فنحن نعتمد بنسبة 80 % عليها، ومن ثم تأتي المصادر الخليجية من سعودية ومحلية، أما المصادر الفارسية، فلم نغص فيها كثيراً، ولكن علينا معرفة المصادر الأخرى للاطلاع على وجهة نظرهم، كما يفعلون هم مع مصادرنا.

 

الهواة

أين المصادر القوية والمحكمة برأيك؟

المصادر البريطانية هي الأهم، وأكثرها تتبع التقارير الحكومية. أما المصادر المحلية، فهي من الهواة، أي ليست لديهم درجة أكاديمية، فمثلاً في سلطنة عمان، هناك نور الدين السالمي، ومؤلفته «تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان»، وأيضاً سرحان بن سعيد بن سرحان الأزكوي، وكتابه «كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة»، وهناك حميد بن زريق، صاحب كتاب «الفتح المبين في سيرة السادة البو سعيديين»، وأيضاً عثمان بن بشر، وكتابه «عنوان المجد في تاريخ نجد»، وهؤلاء نسميهم الهواة، لأنهم يقلدون المؤرخين المسلمين التقليديين، الذين قليلاً ما يشيرون إلى النص وصاحب النص، فيقولون مثلاً: «.. وحسب ما قال لنا الرواة الثقاة»، فنجد أنهم يأخذون من بعضهم، ولكن لا يشيرون لبعضهم، ويبدو أن ذلك كان مقبولاً حينها، أما الأكاديمي فيشير إلى المصدر، وفي بريطانيا مثلاً هناك «لوريمر»، و«وليم لويس» و«بروز»... وغيرهم.

من الأدوات التي يحتاجها الباحث كمصدر للبيانات والمعلومات، السجل الشفهي، لكن هذه المقابلات باتت شاقة، هل احتجتها في دراستك البحثية؟

نعم ولا، أي نعم احتجت، لأنني أريد أن أثبت الدقة في المعلومة، ولا، لأنني اكتشفت أن الناس لا تريد أن تتكلم، وبالتالي، استعضت عنها في جزء اجتماعي بكتاب «فنجان قهوة» بأجزائه الثلاثة، الذي قام به الباحث عبد الله عبد الرحمن، ومقابلاته مع أحدهم يدعى البسطي، وكتاب آخر لعبد الله الطابور تاريخ الإمارات «الجزء الثاني»، فاعتمدتُّ على المواد التي أتى بها من مقابلات ومعلومات لهذه الكتب.

 

أرشيف

على أي أرشيف اعتمدت في بحثك؟

اعتمدت على الأرشيف البريطاني، وبشكل غير مباشر الأرشيف الهولندي، وبشكل أوضح، اعتمدت على كتابات مؤرخين هولنديين، لأنهم اعتمدوا أصلاً على الأرشيف الهولندي في بعض الأمور. ولكن يمكننا أن نرى أن هذا المصدر الهولندي محايد وغير محايد، محايد، لأنه لا يتدخل في الصراع، وغير محايد، لأنه الغريم التقليدي أو المنافس، في تلك الفترة التي نبحث فيها، للقوة البريطانية، ولكن برغم ذلك تساعدني هذه المصادر كباحث، في إلقاء النظر على أمور غير موجود، لتجدها لدى الآخر.

 

المكتبة الخاصة

حدثنا عن مكتبتك الخاصة.

مكتبتي مقسمة لأكثر من قسم، تبدأ بالموسوعات والقواميس، ثم كتب عن العلوم الطبيعية، وقسم للإعلام، وقسم صغير للأمور العسكرية، ومن ثم المذكرات والرحلات وكتب عن أشخاص، والفلسفة والآداب بأنواعها، وكتب السير الذاتية، وكتب أخرى عن التاريخ والاجتماع والاقتصاد، ثم تأتي الأنثروبولوجيا والسياسة، ثم أقسام أخرى حسب القارات، مثل أمريكا الشمالية ثم أوروبا وحسب دولها، إلى العالم الثالث، وأستراليا، وأمريكا الجنوبية، والعالم العربي، والشرق الأوسط العام مع تركيا وإيران وفلسطين وإسرائيل، ودول الخليج، وأخيراً دولة الإمارات وهو القسم الأكبر وباللغتين العربية والإنجليزية.

 

وماذا عن بحثك؟

بحثي يدور بين عامي 1952 و1971، لا قبل ذلك، لأنني أتحدث عن دولة، وبشكل بسيط، فأجهزة الدولة لم تتشكل بعد.

بالنسبة لأطروحتي في الدكتوراه، فهي تنقسم إلى مقدمة وخاتمة، وأربعة فصول، الفصل الأول يتعامل مع الواقع الاقتصادي والثقافي والاجتماعي قبل تشكيل دولة الإمارات (1750 ـ 1971)، أما الفصول الثلاثة الباقية، فهي ذات طابع سياسي، فالفصل الثاني يتعامل مع كيفية تشكيل كل إمارة على حدة 1971)، أما الفصل الثالث، فيتحدث عن دور بريطانيا في تشكيل الأجهزة الإدارية (1902 ــ 1961)، وأخيراً الفصل الرابع، الذي أتتبع فيه خطوات مفاوضات تشكيل الاتحاد منذ (1935 ــ 1971).


هل يضع الباحث وجهة نظره في البحث؟

ممكن في النهاية أي في الخاتمة، وإذا أراد، وممكن بشكل مباشر وغير مباشر.

 

الجمعية التاريخية

برأيك، لماذا لم نؤسس في الإمارات حتى الآن الجمعية التاريخية الإماراتية، نظير الجمعية التاريخية الكويتية والسعودية والبحرينية... وكذلك الجمعية التاريخية الشفهية، كوسيلة لجمع وتفسير الذاكرة على أرضنا الحبيبة؟ وماذا عن جمعية المؤرخين الإماراتيين، والتي من الممكن من خلالها لملمة الأعضاء والناشطين لدينا للتعاون في ما بينهم بصورة منظمة وبناءة؟

هذا يجيبك عليه من هم في قسم التاريخ بالجامعة، أما أنا فباحث، لكن، وكما سمعت من أحدهم، أنهم بصدد تنفيذ هذا الأمر.

 

ما مدى قوة مصادرنا التاريخية، في دولة الإمارات؟

حسب معرفتي، لدينا ثلاثة أشخاص كتبوا قبل عام 1971، عبد الله بن صالح المطوع، لديه «الجواهر واللآلئ في تاريخ عمان الشمالي»، و«عقود الجمان في أيام آل سعود في عمان»، وكتاب سياسي وعقائدي، وهناك حميد بن سلطان الشامسي، تأليفه «نقل الأخبار في وفيات المشايخ وحوادث هذه الديار»، وهذان الكتابان للمؤلفين اللذين تم ذكرهما، فهما من تحقيق فالح حنظل، ولكن لا يتوفران في المكتبات، وأخيراً، سعيد بن غباش، كتب «كتاب الفوائد تاريخ الإمارات والعوابد»، حققه فالح حنظل ولم ينشر، وتحقيق آخر لنفس الكتاب أنجزه بلال البدور، وتم نشره، كان بعنوان «الفوائد»، وهؤلاء الكتاب الثلاثة توفوا جميعاً.

 

ما الباقي من أطروحة الدكتوراه؟

انتهيتُ من الأطروحة، لكنني الآن أعمل على تحويل الأطروحة إلى كتاب، فتوقفت في نقطة بالفصل الأول عن الفلكلور، لأرتبه، الذي يحتوي على الجانب السياسي والاقتصادي والاجتماعي، التي ذكرت عنها بأنها منسجمة، لا أشكاليات حينها إلا في الجانب السياسي، والنقاش الفيدرالي.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات