تحدث لـ « البيان » بمناسبة انطلاق الدورة 41 لموسم أصيلة الثقافي الدولي

محمد بن عيسى: الثقافة مورد للتنمية كالذهب والنفط

بكل أمل وثقة، ينظر محمد بن عيسى، الأمين العام لمنتدى أصيلة، إلى المستقبل، عشية الافتتاح الرسمي للدورة الحادية والأربعين لموسم أصيلة الثقافي الدولي مساء اليوم.

هذه التظاهرة الثقافية التي انطلقت في هذه المدينة المغربية الساحرة الواقعة على شواطئ المحيط الأطلسي، ازدادت رسوخاً في ذاكرة أهل المغرب، ولدى كل من تابعها من المبدعين والمفكرين في مختلف بقاع الأرض.

محمد بن عيسى وزير الخارجية والتعاون الدولي ووزير الثقافة الأسبق في المغرب، الدبلوماسي والمفكر ورئيس المجلس البلدي لمدينة أصيلة، كان صريحاً خلال حديثه مع «البيان» عن الموسم والتحديات التي واجهته، لكنه في المقابل كان متفائلاً بالغد المشرق لمدينته ومنتداها الغني، مراهناً على الأجيال الجديدة في بلورة الأفكار والرؤى، من أجل موسم ثقافي متجدد وتنمية مستدامة.

ينطلق موسم أصيلة في نسخته الحادية والأربعين فعلياً، بعد أن دارت أحاديث في وسائل الإعلام والأوساط الثقافية والفكرية، عقب ختام نسخة الموسم الماضي، بأن هذه التظاهرة مهددة بالتوقف، حتى أنتم صرحتم بأنكم لستم متيقنين من إقامة النسخة الحالية. ما الذي أعاد الأمور إلى نصابها؟

الأمر يعود حقيقةً إلى حجم التعاطف وأشكال الدعم التلقائي التي جعلتنا نثق بأنفسنا في ضرورة الاستمرار، وقد أعرب عنها أفاضل كثيرون من داخل المملكة المغربية وخارجها، ولكن الدعم الأكبر كما في كل موسم من مواسم أصيلة كان من جلالة الملك محمد السادس الذي يحفزنا دائماً، ويشجعنا وينعم علينا عطفه. ولما تحدثت عن الأمر العام الماضي، كان السبب واضحاً وهو أن الأحوال المادية محدودة، والجميع يعرف عدد المهرجانات في سائر أنحاء المغرب المدعومة من الدولة، وأن المساهمين في الدعم هم من مصارف وشركات ورجال أعمال.

طبعاً لم نطرح الأمر أمام الرأي العام، إلا بعد أن أدركنا عدم استطاعتنا تحمل عبء الموسم الذي يكلفنا الكثير.. وكان هذا التعاطف الجلي كان السبب الذي دعانا إلى مواصلة هذا الطريق، آملين أن تستمر عليه الأجيال الجديدة في أصيلة من بعدنا.

ليس مجرد مهرجان

لا شك أن هذا القرار بالاستمرار قد أسعد أبناء المدينة أولاً وأساساً، ثم سائر المهتمين بقضايا الفكر والمجالين الثقافي والفني؟

بالطبع، وهذا عائد إلى ما تحقق خلال 41 سنة، لا سيما على صعيد الحياة الثقافية وبناء مكتبات وقاعات للمنتديات والاحتفالات الفنية، ومشاريع بناء متحف وأكاديمية للفنون وغيرها، لكن في اعتقادي أن أكبر مشروع يمكن أن نحصره في الإنسان، فهناك جيل كامل من شباب أصيلة ترعرعوا في هذا الجو من الثقافة والإبداع والحرية.

ما يسر الناس أيضاً أن أصيلة مقبلة على نهضة اقتصادية، وهناك منطقة صناعية في طريق البناء ستوفر في حال إنجازها فرص عمل كبيرة للشباب، وبخاصة خريجي الجامعات من أبناء أصيلة. وبالتأكيد، فإن كل الذي تحقق هو حصيلة العمل الذي قام به أبناء وبنات أصيلة بتفانٍ والتزام على مدى المواسم الثقافية الأربعين السابقة حتى اليوم.

وغني عن القول إن موسم أصيلة هو مشروع، وليس مهرجاناً أو احتفالاً عابراً فقط. نحن منذ انطلاقة الموسم قبل 41 عاماً، تبنينا تصوراً واضحاً، يتمثل بتوظيف الثقافة والفن مورداً كالذهب أو النفط لتحفيز الناس، واستقطاب سبل الاستثمار في هذين المجالين لتطويرالبيئة الاجتماعية والاقتصادية في المدينة. نحن نتحدث عن مدينة كانت قبل 41 عاماً عبارة عن «خرابة»، مدينة قديمة، وكانت ظروف المعيشة قد وصلت فيها إلى حدود لا تليق بكرامة الإنسان وعيشه الطبيعي.

الكهرباء لم تكن كما يجب، والماء الصالح للشرب كان نادراً، ولا ميناء لتيسير عمل الصيادين، فقلت لماذا لا نستثمر بالطفل لينمو بمخيلة غنية وبفكر مصقول ويتولى هو تنمية نفسه، هذا قد يبدو نظرياً، إلا أن الواقع أثبت ذلك.

نحن بعد 41 سنة نرى أن أصيلة تغيرت لأنه من خلال هذه المواسم وإبراز أرضية التحاور والتفاهم بين النخب المختلفة والمبدعين من جميع أنحاء العالم، استطعنا أن نجذب إلى المدينة كثيراً من المرافق عن طريق الدولة والبلدية، ومساعدات صناديق التنمية في الدول الخليجية الشقيقة.

نهضة تنموية

بموازاة الموسم الثقافي، تشهد أصيلة نهضة على مستوى المشاريع الاقتصادية والتنموية، نود منكم الإضاءة على أبرزها؟

لقد أسهمت مساعدات الأشقاء في دول مجلس التعاون الخليجي في دعم استمرارية المنتدى، وتطوير البنية التحتية، وترميم التراث الثقافي في المدينة، فمثلاً، مركز الحسن الثاني للملتقيات الدولية هو هبة من جلالة السلطان قابوس، بينما اعتمد جلالة ملك البحرين حمد بن عيسى آل خليفة دعماً سنوياً لمدينة أصيلة، ولدينا «مكتبة بندر بن سلطان» هي هبة من الأمير بندر بن سلطان بن عبد العزيز آل سعود، وهناك مدرستان إعدادية وثانوية وثلاث ابتدائية نقوم ببنائها حالياً هي هبة من صندوق التنمية في المملكة العربية السعودية.

الكويت شيّدت دار الصباح للتضامن، وتسهم كذلك في دعم فعاليات الموسم الثقافي، كما بنينا 600 شقة لإيواء الساكنين في بيوت الصفيح، مولتها دولة الإمارات، نبني حالياً متحفاً وأكاديمية للفنون الجميلة والتصميم بتمويل من صندوق أبوظبي للتنمية، الذي تولى أيضاً تمويل المحطة الطرقية المقرر افتتاحها خلال الشهر المقبل، بينما المتحف والأكاديمية سيفتتحان في العام 2020.

كل هذه المشاريع التي ذكرتها تشهد بأن الأشقاء العرب في صدارة من أسهموا وقدموا الهبات، إضافة إلى الدولة المغربية والقطاع الخاص.

من كلامك نلحظ مدى التناغم بين انشغالك الثقافي والفكري، وانخراطك في العمل التنموي والاجتماعي، لكونك تجمع بين موقعي الأمين العام لمنتدى أصيلة ورئيس البلدية في آن واحد؟

هذا صحيح، كما قلت لك إن مشروع أصيلة ظاهره ثقافي وفني، يقصده الباحثون والمفكرون والسياسيون والمبدعون والإعلاميون، ولكن في الوقت ذاته، هو مصدر من مصادر التنمية في المدينة.

نحن في مؤسسة منتدى أصيلة من خلال هذا الريع، نرعى كثيراً من القضايا التي تهم السكان البسطاء، نقدم منحاً تعليمية لأطفال أصيلة الفقراء، حتى إنهاء دراستهم الجامعية. كذلك علاج الحالات الصعبة وتمويل عمليات جراحية، كما نسهم في مناسبات رمضانية واجتماعية، وكل ذلك طبعاً بدعم من الأصدقاء في المغرب والأشقاء العرب.

برلمان شعبي

هناك من يتساءل: هل ما زال الدعم من الداخل والخارج قائماً، وبالتالي، هل يؤثر ذلك في استقلالية الموسم وتوجهاته؟

نحن منذ عام 1978، أي منذ انطلاق الدورة الأولى للموسم، رأينا بوضوح بأننا لا نخضع لتأثير أي كان.

ولعل فضيلة الحرية وعدم الانتماء إلى توجّه محدد كانت دائماً العمود الفقري لكل المواسم والأنشطة الثقافية التي تقام في أصيلة طوال العام..بهذا المعنى، مدينة أصيلة باتت عبارة عن برلمان شعبي يأتيها الناس من كل حدب وصوب، ويتحدث كل واحد كما يشاء بكامل الحرية والمسؤولية.

والحرية طبعاً ينبغي أن تكون في نطاق المسؤولية.

ونحن في مواسم أصيلة نتفادى أن تتحول ندواتنا إلى محاكم تصدر أحكامها ضد هذا أو ذاك من الأنظمة أو الأفراد.

بطبيعة الحال، كنا نتلقى مساعدات وخاصة حين تكون الدولة ضيف شرف، كما حصل مع سائر دول مجلس التعاون الخليجي، كلهم أسهموا في رعاية وتمويل عدد من الأنشطة، و في تكاليف السفر والإقامة والترجمة والإقامة وغير ذلك.ولا أخفيك سراً أن التمويل نتلقاه حالياً من داخل المغرب، وفي المقدمة منها وزارتي السياحة والثقافة، إضافة إلى المصارف والمؤسسات المالية في المملكة.

تفاؤل بالمستقبل

ختاماً، كيف ترى إلى مستقبل موسم أصيلة، وما شروط الاستمرارية التي تطرحها على المهتمين بالشأن الفكري والثقافي ورعاته وداعميه؟

مستقبل أصيلة مقرون بمستقبل البلاد، أنعم الله علينا بملك شجاع متبصر فتح الأبواب في مجالات مختلفة تتعلق بحقوق الإنسان، ومدوّنة المرأة، وإعطاء الفرص لتدعيم وتشجيع مؤسسات المجتمع المدني. تلك هي الضمانة التي تجعلنا نستمر في تجديد ما نقوم به في أصيلة.

وإنني الآن أتمنى أن يكون هناك ريع خاص ومستمر بموسم أصيلة كما يحدث في دول الغرب، وإلا ستساورنا الشكوك كل عام، بأن الموسم يكون أو لا يكون، ونأمل من المفكرين والمثقفين أن يكونوا رسلاً لهذه الغاية، هذه التظاهرة الثقافية تكبر باستمرار، وهي باتت منتدى لجميع المفكرين العرب وغير العرب، وهي أرض للتعارف لتبادل المعرفة، لذا سيكون جميلاً أن يواكبنا المفكرون في دعم هذا الحدث واستدامته لخدمة الأجيال القادمة.

جديد الموسم

عن الأبرز في برنامج موسم أصيلة الثقافي الدولي هذا العام، قال محمد بن عيسى: طبعاً العمود الفقري الذي بدأنا به مواسم أصيلة هو الفن التشكيلي، ومشاغل الفنون التي يشارك فيها فنانون من مختلف أنحاء العالم، العنصر الثاني هو جامعة المعتمد بن عباد الصيفية التي أطلقناها إلى جانب الموسم وهي عبارة عن برنامج بحثي، يحمل كل عام هموم القضايا الراهنة في بلدان ما يسمى «الجنوب».

وهناك سهرات موسيقية أفريقية، وأمسيات لشعراء عرب كبار ومن الجيل الجديد.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات