قاد أول فرقة «كورال» للأطفال قبل الاتحاد

محمود آل رضا..الموسيقي الإماراتي الذي لم نعرفه

يعود بنا الحوار اليوم إلى مرحلة زمنية مختلفة، بوصفه شهادة لأيام توصف بالطيبة النادرة، إنها الخمسينيات والستينيات من القرن الفائت، في دبي تحديداً، حيث مضت تلك الحقبة ولم يبق منها سوى صور بالأبيض والأسود. حوارنا مع صاحب المواهب المتعددة التي تبرز منها الموسيقى، محمود ابن المرحوم د. محمد حبيب آل رضا، والمشهور بـ«ابن حبيب»، الطبيب الخاص بالقصر في دبي، والذي ذاع صيته في الإمارة حينها.

رفض الأسرة

عشقت الموسيقى منذ السابعة من عمرك، وأصبحت موسيقياً إلى جانب أعمالك، لتخرج الموهبة بشغف عال، وتصبح مؤلفاً.. كيف أخذتك الحياة نحو التأليف الموسيقي، وكم عدد مؤلفاتك الشعرية وماذا فعلت تجاه رفض والدك؟

أخذتني الحياة نحو التأليف الموسيقي كوني إنساناً يعيش حب الأصوات الجميلة بغض النظر عن مصادرها، سواء كانت من حنجرة إنسان أو من آلة أو من الطبيعة التي تحيط بنا وحتى من نسمات الهواء البارد أو من الأجواء الهادئة تماماً، بل (غناء وموسيقى على اختلاف أنواعها) ما دفعني نحو التأليف وهذا نتاج طبيعي.

مؤلفاتي في الشعر نحو 30 قصيدة، وقد كتبت الشعر متأخراً فلم أتمكن من التأليف قبل عام 2000، وأول من أطلق عليّ لقب شاعر هو صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، على إثر قصيدة تحت عنوان «الفاتنة والفارس» مكونة من 26 بيتاً.

«ماركات» المذياع

هل كنت مستمعاً جيداً للموسيقى من خلال المذياع القديم في الستينيات؟ وما أنواع المذياع التي كانت في حوزتكم؟

كنت أستمع للكثير، والكثير كان يجري في دواخلي من سن السابعة من علاقات سمعية وأخرى صورية وثالثة حسية، أما السمعية فمن المذياع ولم يكن هناك تلفاز في ذلك الوقت بل كان الاعتماد على المذياع (الراديو) مثل ماركة «بوش» الإنجليزي و«فلبس» الهولندي وما زال يعيش بيننا بتفوق، و«ماركوني» الإنجليزية و«باي لت» الإنجليزية و«نورماندي» الإنجليزية، و«زنت» أمريكية الصنع وأخيراً ماركة «مرفي» التي لا أذكر بلد صنعها.

مجلات «أم الدنيا»

كنت تشاهد صورة الآلات الموسيقية في المجلات المصرية التي تصل دبي في الخمسينيات والستينيات، وكنت مغرماً بآلة العود تحديداً.. هلا حدثتنا عن هذه العلاقة الصورية وما كان يجري في دواخلك وأنت تشاهدها دون بلوغها؟

أما العلاقة الصورية فكانت من بطون المجلات المختلفة التي تأتينا من مختلف البلدان العربية وبالأخص من «أم الدنيا» مصر، مثل مجلة «آخر ساعة» ومجلة «المصور» ومجلة «الاثنين» ومجلة «الجمهورية» و«الكواكب» التي كانت تعرض صوراً للفنانين العرب والممثلين والموسيقيين والمطربين.. والكثير من المجلات الأخرى التي لا أتذكرها.. تابعت الراديو والمجلات، ولكن هناك مصدراً رابعاً كنت أعشقه تمثل في نوع من الحلوى للصغار يباع في الأسواق، كان يحتوي على لبان مستطيل الشكل مقاسه 9 سم طولاً و8 سم عرضاً، مغلف بورق شفاف مرفقة به صورة لفنانين مثل فريد شوقي، ومحمود المليجي، وفريد الأطرش الذي كنت متأثراً به في طفولتي، وأنا الآن أجيد ألحانه ويعرفني الأصدقاء بذلك.

وكان اللحن المفضل لدى الأولاد في الحارة، ونتباهى بما نحصل عليه من صور ورقية للفنانين على الحلوى.

كنتُ مولعاً بالحد الأقصى في علاقاتي مع من ذكرت سابقاً... وكنت ألصق في غرفتي صوراً للعود والآلات الموسيقية وأنظر إليها طوال الوقت، وكم هي القصص كثيرة وظريفة عن هذا الشغف الذي ازداد يوماً بعد يوم.

أول فرقة

أول فرقة أطفال موسيقية تقودها أنت مع الأطفال وفي تاريخ زقاق دبي القديمة، كنت صغيراً ولم تتجاوز العاشرة.. حدثنا عن هذا الأمر؟

كنت بين السابعة والثامنة تقريباً، وأتذكر أنه لم تمر عليّ دقيقة دون أن أقرأ بصوت أو أغني أو أدندن بيني وبين نفسي وبلا توقف، وأولاد الحارة مثل أحمد حسين أبودبس، إسماعيل علي جاسم، وإخوته حسين وعقيل رحمهما الله، وعلي محسن بركات، رحمه الله، وحسن علي الصايغ، رحمه الله، وبعض من إخوته ومجموعة أخرى وصل عددها إلى نحو 20.. أقودهم في الأزقة من الفريج وأنا أرتل القرآن أو الأذان أو أغني بالعربي، بالفارسي وبالهندي المكسر وبصوت عال والأولاد يرددون ما أقوله وهكذا طوال النهار وأحياناً أجمعهم في البيت، وهذه بمثابة أول فرقة «كورالية» من الصغار تتشكل في تاريخ الإمارات.

نادي الشعلة

نادي الشعلة الثقافي الذي كان قائماً في الستينيات بالإمارة مقابل متحف دبي.. حدثنا عما كان يحصل من لقاءات في هذا النادي وأنت تتردد كل حين عليه مع الفرقة وكيف كان التنظيم؟ ومن هي هذه الشخصيات؟

جزء صغير من الحلم قد تحقق في نادي الشعلة في أن أقود فيه فرقتي الموسيقية على العود أو على آلة القانون، وقدمت مع الفرقة عدة حفلات، وأتذكر معظم أسماء الفرقة منهم محمود قاسم (عود) وأخوه عبداللطيف قاسم (طبلة) وعبدالجبار الشيباني (آلة الكمان)، ومن عجمان كان أحد الأخوة يدعى محمد، لا أتذكر اسم والده، لكننا كنا نطلق عليه محمد «العيماني» نسبة إلى عجمان (آلة الكمان)، وهناك عبدالله الموسى ولم يكن عضواً دائماً (عود) وإبراهيم منان (عود) وحسين قائد (صوت)، وأنا.

كم استمرت هذه الفرقة؟

استمررنا في النادي حتى عام 1964 وقد خفت أقدامنا عن المواظبة على النادي فقط في المرحلة الدراسية الثانوية العامة، حتى بدأ الفراق الموسيقي بيننا إلى بداية عام 2000، حينها بدأ الحنين إلى الموسيقى من جديد وكانت العودة والإنتاج لي.

عرس ومطرب وعود

حدثنا عن منطقتك السكنية، وعن عرس أخيك آنذاك حين جلب والدك احتفاء به مطرباً بحرينياً يدعى (يوسف حسين) مع آلة العود ومن معه من مرافقين للعزف في منزلكم.. وأنت مغرم بهذه الآلة وتراها لأول مرة؟

بين عامي 1952 و1953، كان موعد زواج أحد إخوتي، وموقع بيتنا كان من بداية شارع الفلاح والممتد إلى البنك المركزي، وجيراننا كانوا عدة منازل مثل منزل خان صاحب، ومنزل عبدالله وعيسى القرق، ومحمد شريف الملقب بـ«الأرباب»، وجرت العادة في تلك الأيام على دعوة أحد المطربين لإحياء 3 ليال من السمر احتفاء بالعرس، فجلبنا من البحرين المطرب يوسف حسين الذي سكن بيتنا، وبيتنا كانت به أكثر من 23 غرفة، أسكناه في غرفة بعيدة، وضع فيها عوده ليعزف عليه ليلاً في السمرة (السمرة تطلق على جلسة العود ليلة إحياء الحفل)، وكان ذلك اليوم هو أول يوم أشاهد فيه عوداً حقيقياً وعلى الطبيعة ولم أصدق نفسي في البداية.

ينام المطرب نهاراً ليعوض سهر الليل وكان يخفض عوده في نافذة الغرفة حتى قررت أن أتسلل إلى غرفته أثناء نومه، وجدت العود معلقاً عالياً ولم أطله. كان نائماً ولم أتمكن من الوصول إلى العود حتى أحضرت كرسياً وركبت عليه، فما وجدت نفسي إلا مرمياً على الأرض، أصرخ من الألم لكسر في يدي، أخذوني عند المجبر في «الشندغة» عند سيدة من قوم الرئيس جبرتها لي.

رفض التخصص

لماذا منعك والدك الطبيب «ابن حبيب» من ممارسة الموسيقى؟

لم يمنعني والدي من ممارسة العزف في نطاق البيت، لكن ليس خارجه.. كما لم يكن قابلاً أن أدرس الموسيقى كتخصص، ما سبب لي صدمة لا يمكنني نسيانها على اعتبار أنه حال بيني وبين تحقيق أمنيتي بقيادة أوركسترا ضخمة، ومن أجل إسعاد الناس بأعمال راقية، لكني لم أتمكن من مخالفته في حياته وحتى بعد رحيله رحمه الله.

كيف سجلت هذه الأيام النوتة الموسيقية وأنت لم تدرس الموسيقى ولم تتعلم كيف تكتبها؟ وما لاحظته أنك سجلت قطعة موسيقية كلاسيكية غاية في الجمال؟

من خلال الصوت، كنت أُلحن بصوتي وأرسلها إلى الموزع الموسيقي الذي ينفذها على الآلة، ويتم ذلك بإشرافي، فتقنية الصوت الفطرية كفيلة بإيصال ما سجلته من الألحان، ومعظمها من النوع الكلاسيكي أي التخت الشرقي، وأخيراً سجلت مقطوعة موسيقية قبل أشهر تحت اسم «شجن»، ومقطوعة أخرى أشبه بالسمفونية «آلاتِيَّة» فقط، أي من دون صوت بشري ومدتها 15 دقيقة، تحت اسم «شموخ»، تجمع الروح الشرقية مع الغربية.

بطاقة شخصية

Ⅶ محمود محمد بن حبيب آل رضا

Ⅶ مواليد دبي في 1 أكتوبر 1943

Ⅶ تخرج بدبلوم عالٍ في شؤون التجارة من المملكة المتحدة عام 1971 بعد أن أنهى دراسته الثانوية في مدرسة «ثانوية دبي» 1964

Ⅶ عمل معلماً في بداية السبعينيات حتى أصبح مديراً للمدرسة، ثم انتقل إلى وزارة التربية منذ عام 1979 مديراً لإدارة الخدمات العامة والأبنية المدرسية حتى عام 1990، بعدها عمل معاراً في مؤسسة الإمارات العامة للنقل والخدمات التي كانت تسمى «الأمرتاس»

محمود آل رضا:

Ⅶ صنعتُ عودي وأنا طفل ومن أدوات بسيطة

Ⅶ ألفتُّ مقطوعة موسيقية تحت اسم «شجن»، وهي من النوع الكلاسيك «تخت شرقي»

Ⅶ جزء صغير من الحلم تحقق في نادي الشعلة في الستينيات بدبي لأقود فرقتي الموسيقية على العود وآلة القانون

طباعة Email
تعليقات

تعليقات