أزياؤنا التقليدية تتحدى الزمن

جمعة بن ثالث: صلة «الأنا» و«الآخر» يحددها فهم التراث وإحياؤه

الموروث وتكويناته، كان ولا يزال مجالاً خصباً لذاكرةِ وحاضر الباحث الإماراتي جمعة خليفة أحمد بن ثالث الحميري؛ لقد تناول بشغف العديد من مجالات التراث بالبحث والتوثيق. وهو برغم ذلك، ليس أسير النظرة العاطفية في التعامل مع موضوعه، بل ينطلق في شغفه من قناعته أن التراث الشعبي يشكل مخزوناً جوهرياً لا ينضب للهوية المجتمعية لدولة الإمارات، ويرى أنه يتجلى بخصوصية التقاليد والعادات الشعبية ما يمثل أداة معرفية ومجتمعية للحفاظ على الخصوصية الثقافية والهوية الوطنية، في ظروف مواكبة التطور الحضاري السريع الذي يمر به العالم اليوم دون استثناء، كما يشكل فرصة لتحاشي أخطار ضياع ملامح الهوية الوطنية في ظل تأثيرات العولمة.

واجب وطني

يقول جمعة بن ثالث: «إن الصلة بين «الأنا» و«الآخر» لا يمكن تحديدها دون فهم التراث وإحيائه. كما أن السعي إلى ذلك بالنسبة لي هو واجب وطني لنشر ثقافتنا وتقاليدنا عبر التوثيق والرصد. لذلك، التحقت بعد تقاعدي عام 2006 بجمعية الإمارات للغوص. ولدى اقتراحهم تقديم كتاب عن الغوص واللؤلؤ لم أتردد. خاصة أنني كنت أجمع وأدوّن عبر السنين الكثير من المعلومات عنهما».

ويضيف: «فتح لي الكتاب الأول محيطاً واسعاً أبحرت فيه عبر التراث بحماس وعشق جعلاني أدرك أنه مساري الذي كنت أنشده في الحياة. وأنا اليوم أشعر بالرضى والفخر بعد صدور كتابي الثالث عشر «الأزياء الشعبية في دولة الإمارات العربية المتحدة الجزء الأول»، بعد سلسلة تضمنت 12 كتاباً من ضمنها «موسوعة الإمارات البحرية»، «دبي واللؤلؤ»، «موسوعة الإمارات التراثية»، «صناعة السفن الخشبية في دولة الإمارات العربية المتحدة»، وجاءت بالتعاون مع هيئة المعرفة والتنمية البشرية بدبي وضمن منشوراتها المعتمدة».

سلوك حضاري

يؤكد بن ثالث إن «معرفة التراث واستلهامه تاريخياً وسلوكاً وحضارة يقوي من كيان الفرد، ويزيد من تمسكه بجذوره، ويوضح علاقته بماضيه وحاضره ومستقبله». «إنها مسألة حضارية مرتبطة بتقدم الوعي لدى الفرد ومقدار تطوره». يواصل بن ثالث، «وهنالك وسائل كثيرة لإثبات ذلك. ولكن يبقى التراث وامتداد جذوره فينا تاريخاً ورؤية، هو الوسيلة التي تعنينا في تحقيق ذلك.. فإذا عرفنا من نحن، تمكنا من أن نتبوأ المكانة التي تليق بنا في المساهمة الحضارية بمسيرة الإنسانية؛ لذا كانت دعوتي الأولى هي إعادة قراءة التراث، والتمسك به، لأن شعباً بلا هوية هو شعب بلا وجود».

روافد ثقافية

وحول التحديات التي يواجهها التراث الشعبي عموماً، والأزياء الشعبية الإماراتية على وجه الخصوص، يقول بن ثالث: «يواجه الموروث مشكلات كثيرة، وتحدِّيات خطيرة، تكمن أهمها في إهمال الكثير من صنوفه وفروعه، وإمكانية تعرضها للضياع والاندثار. يحدث هذا في خضم ما يعيشه العالم من تطورات وتبدلات، وبتأثير العولمة الثقافية التي قد تحلَّ بديلاً عن الثقافات الأصيلة، أو أن تُحيّدها، بشكل أو بآخر. وفي الوقت نفسه، إذا أُحسن استغلال هذا التطوّر، وتخليص العولمة من عدائيتها تجاه الثقافات التقليدية والمحلية فإن النتائج ستكون إيجابية حتماً، إذ إن التراث، بغناه وتنوِّعه، يشكِّل لبنة هامةً في حضارة الإنسان، ورافداً أساسياً من روافد ثقافة الشعوب والأمم. لذا وجُب التنقيب في مكوناته، وجمعه وتصنيفه، وحفظه وتدوينه، ثم غربلته وانتقاء المناسب والملائم منه».

سد الفجوة

وفيما يتعلق بكتابه المتخصص في مجال الأزياء الشعبية الإماراتية، يوضح بن ثالث: «المكتبة الإماراتية والعربية تفتقر لمرجع متخصص في هذا الموضوع، فجاء هذا الكتاب ليسد ثغرة، ويشرح الكثير من الأمور والتفاصيل المتعلقة بالأزياء، التي كانت سائدة في الإمارات خلال فترة معينة، ويوضح ارتباطها بالثقافة والفن والاقتصاد والسياسة. وذلك في سياق مدعم بصور فوتوغرافية، تلقي الضوء على تفاصيل الأزياء الرجالية والنسائية وأنواع الأقمشة وألوانها. إلى جانب العطور والحناء، وعلاقة أنواع الحلي الذهبية والمهن والحرف اليدوية بعناصر المشهد الفولكلوري والثقافي الإماراتي، ومن ضمنه الأعراس في الماضي. وقد سمح لي هذا التنوع بتدوين الكثير من المعلومات التي لم تعد متداولة حتى في الكتب المتخصصة، واستنهاضها من الذاكرة وتسجيلها قبل أن تمحى وتتلاشى، فضلاً عن الذهاب إلى مصادر ذات علاقة لم تنتبه لها البحوث السابقة».

تأثيرات بيئة

يشير بن ثالث أن ما يعزز أهمية هذا الكتاب، المكون من عشرة أبواب، أنه يضم باباً كاملاً حول مصطلحات الأزياء والحلي الذهبية والأمثال الشعبية في الزي والملابس ذات التأثيرات بدول الجوار بفعل حركة الملاحة والتجارة، وساهمت في النهوض بهوية تلك الأزياء المنبثقة من التراث الشعبي، الذي هو ابن البيئة، ومفرداته مستقاة من تفكيرها وأهلها. مضيفاً: «بهذا يمكننا معرفة أصل المثل أو الحكاية أو الحكمة أو اللغز من خلال معناها وما تدعو إليه. وقديماً قيل: «الكلام صفة المتكلم». وجاز لنا أن نقول إن التراث هو صفة الشعوب. لذلك يكون التوثيق للأزياء الشعبية في جزئه الأول خلال أربع سنوات مضت، هو مشروعي الكبير الذي يحفظ حق الأجيال القادمة في المعرفة وابتكار تصاميم عصرية مستوحاة من الماضي. إلى جانب المعرفة اللغوية بمسميات اللهجة المحلية التي تصف هذا الكم الهائل من التصاميم والقطع التي كانت سائدة في المجتمع الإماراتي. وما زال بعضها يحظى باهتمام الأمهات والجدات».

عفوية التصميم

ويشير بن ثالث إلى أن المرأة الإماراتية فنانة بالفطرة، إذ ابتكرت أساليب تضفي لمسة جمالية على ملابسها. كان التطريز الذي تعددت أشكاله وأساليبه، أبرزها. إلى جانب قدرتها على حسن استخدام ما توافر في بيئتها، فقد برعت في الغزل والقصّ والحياكة والخياطة، وفي اختيار الخامات والألوان والزخارف. ونجحت إلى حدّ بعيد وبشكل عفوي، في توظيف الخامات المتاحة والمتمثلة في الصوف والقطن، وابتكرت بذوقها الفطري، أساليب عديدة في الزخرفة والزينة على الرغم من شح الوسائل والأدوات.

إرث متناقل

ويعتقد بن ثالث إن صعوبة البحث في التراث، الذي قد يستغرق من الباحث سنوات لإنجازه في مشروع متكامل، تكمن في كونها ممتدة منذ زمن قديم ومتناقلة عبر الأجيال؛ فالباحث يجد صعوبة في تتبع الأشياء التي لها تاريخ قديم ومتابعتها حتى الجذور، فكيف الحال يكون مع أشياء أكل الدهر عليها وشرب. الأشياء لا زالت متناثرة هنا وهناك محفوظة في صدور الحفاظ الذين اقتربوا من النسيان والخلط بين الأشياء لكبر السن، وتداخل المعلومات. وهذا أمر لا يجوز إغفاله لا سيما حينما يكون ذلك التراث مشرفاً ومبدعاً ومتميزاً على مستوى الإنسانية. والمسألة برمتها تحتاج إلى نزاهة الباحث في التراث ومصداقيته وحياديته، إضافة إلى معرفته الدقيقة بالمورث وجزئياته التي يبحث عنها. وقد يكون البحث في التراث الشعبي محلياً وعربياً أكثر يسراً لوضوحه وخلوده وتلازمه مع سلوكيات الفرد العربي وتمثيله للبيئة أصدق تمثيل.

سيرة باحث

جمعة بن خليفة أحمد بن ثالث الحميري، نشأ وترعرع في إمارة دبي التي تفخر بشواطئها الساحرة، فألهمه عشقه للبحر وما يزخر به من كنوز، ليغدو ناشطاً ومؤلفاً معروفاً في مجالات الغوص واللؤلؤ والتراث البحري والشؤون البيئية، وقد أهلته أعماله للحصول خلال مسيرته على 220 شهادة تقدير. كما تم اختياره في عام 2011 كمستشار للهوية الوطنية في مركز الإحصاء التابع لحكومة دبي، وحصل على المركز الأول على مستوى الدولة عن كتابة «موسوعة الإمارات البحرية» في جائزة سلطان العويس للإبداع.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات