اعتبر الكتابة اقتحاماً للمجهول ومغامرة مع اللغة والحياة

الشاعر جاسم الصحيّح: لا نجاة في الشعر

لقاؤنا اليوم مع شاعر مميز تحمل إجاباته رؤى متخيلة هدفها الأسمى الانتصار للشاعر بشفافية عالية، يطرح ما لديه في إجابات أنيقة اللغة وردود بليغة المعنى، تحمل بين مفرداتها بهجة إبداعية لا تنسى. الشاعر السعودي المهندس جاسم الصحيّح، نتحدث إليه عن خبايا الشعر ومكابدته وممارسته بوعي لحظة الكتابة... حتى يتسنى لنا التعرف على فكره ومجاهيل الكتابة الإبداعية.

ماذا تحتاج القصيدة أكثر؛ الفكرة المدهشة التي صنعتها التساؤلات والتأملات، أم قراءات لنصوص تاريخية وفلسفية فكرية؟

كلُّ قصيدة عبارة عن شبكة من العلامات والدلالات، والعبارات والإشارات، يأخذ بعضها بأعناق بعض، كي تقدِّم تأويلاً لفكرة من أفكار الوجود حولنا، وكلُّ عنصر من عناصر القصيدة يجب أن يمثِّل جمالية تشارك في بناء القصيدة بناءً جمالياً. فالقصيدة تحتاج إلى كلِّ المعارف والتأملات والتساؤلات التي تتفاعل مع بعضها في المختبر الشعري حتى ينقدح برقُ الدهشة والجمال.

مكيدة القصيدة

الكتابة الشعرية مخاطرتها عميقة، لكونها تُعَري الكثير من أمور الحياة الحسية، فيعتبرها البعض مأزقاً للشاعر، فكيف تنجو بنفسك من مكيدة القصيدة؟

توظيف الرمز والمجاز قد يخفِّف من غُلواء المأزق، ويساعد على الهروب من الورطة، ولكنَّ الكتابة في كلِّ أشكالها الإبداعية هي عبارة عن اقتحام المجهول ومحاولة المغامرة مع اللغة والحياة في آنٍ واحد. ولا توجد نجاة في الشعر، فعندما ينجو الشاعر، تهلك القصيدة، والعكس صحيح.

زيارة

يقال إن القصيدة باب له قفل سري، فأين يجد أو يبحث جاسم الصحيح مفتاحه؟

القصيدة تزورنا في البداية عبر بيتها الأول أو عبر انبثاقتها المشرقة في مخيِّلة الشاعر، ثمَّ نردُّ لها الزيارة في بقيَّة الأبيات. كما يمكن القول إنَّ البيت الأول هو دعوة من القصيدة لزيارتها، ولا يمكن أن يرفضها المزاجُ، إلا قليلاً، وأعتقد أنَّهُ في إشراقةِ البيت الأول تكمن اللحظة التي تربطنا بالأبد، أمَّا كيف تأتي القصيدة، فهي تأتي من أحد طريقين: طريق الحياة؛ حيث نرتطم بمشاهد إنسانية فنتأثر بها وتدعونا إلى تدوينها، أو طريق الفن؛ حيث نقرأ ونتأثر بما نقرأ فيدعونا إلى منافسته أو إعادة إنتاج الجمال بشكلٍ أرقى.

تشبيه

هل تعتبر القصيدة امرأة تخون المواعيد لتستفيد من حضورها، أم أنها امرأة تأتي مشرقة ثم ترحل سريعاً بلغتها المستحيلة؟

لا أعتقد أنَّ هذا التشبيه خاطئ أبداً، فالقصيدة والمرأة تنتميان إلى جوهر الجمال والمشاعر والحب؛ إذْ يمكن القول إنَّ المرأة قصيدة من لحم ودم ومشاعر، بينما القصيدة امرأة من حروفٍ وجماليَّات لغوية، وعلاقة الشاعر بالقصيدة تشبه في جوهرها علاقته بالحبيبة؛ فهي في صميمها تقوم على الشغف والعاطفة، وما عدا ذلك لا يحتلُّ سوى منطقة الهوامش من العلاقة فقط. بناءً على ذلك، فالموعد مع القصيدة هو انزياحٌ إبداعيٌّ للموعد مع الحبيبة في الواقع.

إرث مشترك

يصر بعض الشعراء على ترجمة قصائدهم، فهل تنظر إلى ترجمة الشعر العربي إلى اللغات الأخرى بأنه أمر لا بد منه؟

الثقافة هي إرث مشترك لجميع الحضارات، ولا يقتصر على الحضارة التي أنتجته، والشعر هو جزء من الثقافة العالمية التي يجب أن تنتقل من حضارة لأخرى لبناء العالم. لقد قرأنا «بود لير» كما قرأنا «امرأ القيس»، واستمتعنا بشعر «بابلو نيرودا» كما استمتعنا بشعر المتنبي، فترجمة الشعر حديث ذو شجون؛ وإنَّ ترجمة الفكر تشبه نقل الدم من جسد إلى جسد، أمَّا ترجمة الشعر فهو شبيه بنقل الروح من جسد إلى جسد، وهذا تعبيرٌ مجازي عن صعوبة ترجمة الشعر بأمانة تامة، وإنما مساحة الخيانة للنص تكبر في الترجمة الشعرية التي لا بدَّ منها بكلِّ تأكيد.

نقد الشعر

كيف وجدت علاقة النقد بشعرك؟

النقد هو أداة لتطوير الحياة، وليس وقفاً على تطوير الكتابة الإبداعية، وأرى أنَّ كثيراً من النقد الذي قرأته عن شعري استطاع أن يضيء مسيرتي الشعرية، بسبب علاقة المحبة التي تربطني بالنقَّاد، إذ أعتقد أنَّ العلاقة القائمة على الحبّ بين الشاعر والناقد تمنح للناقد الحرية الكاملة للتعبير عن آرائه دون مواربة ولا مجاملة، وهذا ما يجعل النقد يفي بغرضه تمام الوفاء.

أسرار

العلاقة بين الإبداع والجنون علاقة شائكة، وبالتالي لا يعترف الشاعر بطبيعة الزمان والمكان أثناء إبداعه وهو في حالة الاضطراب، فكيف يكون طقس شعرك زماناً ومكاناً؟

الجنون هو سرُّ الأسرار في الكتابة الشعرية، والجنون هو طقسي الأكثر حرارة في محراب الشعر؛ حيث يأتي على صعد عدَّة، منها الصعيد اللغوي ومنها الحياتي، ومنها الخيالي... وغيرها الجنون المتمثِّل في كسر الألفة مع المفردات والواقع والعقل، والخروج منها جميعاً إلى ما وراءها. إنَّهُ الجنون الذي يتمرَّد على قيود الزمان والمكان والقواميس، وينطلق عبر الخيال إلى سماءٍ خارج المنطق والفكر المباشر لاقتطاف الوحي من سدرته العالية جدّاً، ولكنَّها كسدرة المنتهى دانية القطوف.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات