الباحث لؤي الشريف: البئر الداوودي في حتا تجربة فريدة لم يسبقنا إليها أحد

يهتم الباحث السعودي لؤي الشريف باللغات واللهجات العربية القديمة، ويسعى في تحليله إلى معرفة أصولها من حيث المكان والانتشار، وكشف أصول لهجاتنا العربية التي تكاد تكون منسية في جذورها وتاريخها، وإنعاش الذاكرة القديمة أمام المعطيات العصرية المتشابهة.. يعبر الشريف بأسئلتنا إلى فترة وجوده في دبي، وأثناء بحثه في البئر الداوودية بمدينة حتا، ليحدثنا عنها وعن غيرها من المباحث التاريخية.

5 مواقع

أتيتَ إلى دبي بدعوة من حكومة دبي، وبالتعاون معها، فما المواقع الأثرية التي بحثت عنها وغطيتها مع تلك البعثات العلمية؟

تشرفت بالتعاون مع المكتب الإعلامي لحكومة دبي لعمل هذا المشروع العظيم الذي يتناول تاريخ بقعة مهمة في تاريخنا العربي القديم. المواقع التي قمنا بزيارتها هي الصفوح وحتَّا والعشوش والقصيص وساروق الحديد الذي اكتشفه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، عام 2002، وهذه المواقع الخمسة هي المواقع التي تعود إلى تاريخ ما قبل الميلاد، إلا أن الجدير بالقول إن دبي فيها مواقع أخرى إسلامية، ومواقع مما بعد الميلاد، لكن تركيزنا كان على فترة ما قبل الميلاد.

الفلج الداوودي

رأيناك تهبط الفلج الداوودي في «حتا»، على الرغم من عمقه البالغ 12 متراً، والممشى في البئر قديم جداً، فما الجنس الإنساني باعتقادك الذي بنى هذه التقنية في البئر قبل 3 آلاف سنة؟ وحدثنا أيضاً عما وصلتم إليه بأبحاثكم في الأفلاج الداوودية.

كانت هذه التجربة فريدة جداً، إذ لا أعتقد أن هناك من سبقنا إلى توثيقها، وأعود وأشكر المكتب الإعلامي لحكومة دبي على هذه التسهيلات والتصاريح اللازمة. تحديد الجنس البشري الذي بنى هذه الأفلاج وسكنها أمر لا يمكن البت فيه حتى الآن، إلى أن يتم عمل فحص للحمض النووي للجثث الموجودة في مواقع دبي الأثرية، فيُمكن عن طريق «المقاربة» أن نعرف تقريباً من الذي بنى وسكن هذه المنطقة، ولكن من التراث الشفهي المتناقل لأهل المنطقة يُقال إن الذي بناها عرب أخذوا التقنية من فلسطين، في فترة حُكم الملك داود عليه السلام، تحديداً في القرن العاشر قبل الميلاد، أي قبل 3000 سنة، ولهذا تُسمى الأفلاج «الداوودية»، وما زال هذا الموضوع محيراً ويحتاج إلى كثير من البحث، وفكرتنا هي تسليط الضوء عليه وشحذ الباحثين لاستنتاجات أكثر.

لهجات «هُذيل»

خاطبنا القرآن الكريم في سورة «الحاقة» بلهجة مملكة اللحيان في شمال جزيرة العرب: «فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (19) إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (20)»، فهم من العرب الذين يُبرزون الحروف في أول المفردة وآخرها، فيقولون مثلاً «هالبيت» «هالمكان» هاء وليس هذا، وكذلك الألف في نهاية الكلمة، كما في لهجة أهل الإمارات الكلاسيكية «أمايا» بدل أمي، و«بيتيا» بدل بيتي و«غاليتيا» بدل غاليتي.. فهل تعتقد أن لهجة أهل الإمارات وعُمان لحيانية الأصل؟

بلا شك، وعلى الرغم من أن هذا الموضوع حساس أو تأخذه بعض القبائل بحساسية، فإنني لا أؤمن بالحساسيات في النقاش العلمي، فعند العرب قلب الجيم إلى ياء يعرف بلغة «تميم» القبيلة العربية، التي يتكلمها أهل البحرين، وما ذكرتم من تعريف للأسماء وأدوات النداء التي يستخدمها الإماراتيون والعمانيون اليوم هي لا شك لسان «هُذيل».

العدنانية

15 لهجة عربية في جزيرة العرب قبل الإسلام، حدثنا أين هذه اللهجات العدنانية الآن؟

حين نقول اللهجة العدنانية فإننا نشير إلى العربية القريبة من عربيتنا الحالية (الفُصحى) التي كانت منتشرة في الحجاز بامتداده شمالاً حتى تبوك وجنوباً حتى الباحة. نستطيع أن نقول إن هذه اللهجات موجودة لليوم بين البدو والقبائل الذين لم يختلطوا كثيراً بالحضر، فهم يحتفظون بكثير من الأمور التي سُتذهل القارئ إن عرفها، من طريقة اللباس إلى ترويض الإبل والمواشي وحتى اللسان.

أسرار تاريخية

إحياء اللهجات جزء من تراثنا، وعدم إهمالها يعني إحياء أسرار تاريخية، والكثير عن تراثنا.. هل من الممكن الآن وبعد وعينا بذلك أن نبدأ توثيق هذه اللهجات كتابة وصوتاً، ونقوم بعدها بأبحاث جديدة من خلالها؟

نعم، وهذا ما نقوم به، وهو يحتاج إلى مجالسة ومخالطة أهل هذه اللغات بشكل مكثف ومقرب، من الاستيقاظ من النوم حتى انتهاء اليوم، وكتابة الكلام كلمة كلمة، وتدوين القواميس بهذا الشكل، ومقاربة الألفاظ بالمشترك اللفظي في اللغات السامية، هناك لغات على وشك أن تنقرض خاصة في عُمان، مثل «البطحرية» و«الحرسوسية» وغيرها، ومن هذا المنبر أناشد كل مهتم أن يشاركنا هذا الجُهد للحفاظ على لغات العرب القديمة، التي هي جزء لا يتجزأ من تراثنا العتيق.

رؤوس الجبال

لدينا في المنطقة الشمالية الشرقية، حيث جبل جيس في رأس الخيمة وجبال مسندم في سلطنة عمان، لهجة متفردة، وهي «الشحية» التي تنبع منها لهجات مختلفة، لتشترك مع الكثير من المفردات الكنعانية والآرامية.. هل تفكر في الذهاب إلى هناك خاصة أنك مهتم باللغات القديمة؟

نعم، وأرجو أن أجد من العائلات من يهمه أمر حفظ هذه اللغة.

«الأكدية»

يقول الباحثون إن الأبجدية السومرية عربية وكانت تُكتب بلغة الشيفرة.. ماذا تقول في ذلك؟ خاصة أن أكثر من 350 كلمة سومرية ينطقها العرب إلى الآن كما هي؟

إذا كنت سأقول أكثر لغة ينطقها العرب من اللغات القديمة كما هي فهي لا شك «الأكدية»، والبحث في أصل اللغات مهمة مستمرة ويصعب الوصول إلى نتائج حاسمة فيها.

استقراء اللغات

ليست هناك دلالات أثرية على قدم اللغة العربية، لكن عن طريق الاستقراء نستطيع أن نُلمّ بعمر اللغة؟ هل تستخدم الاستقراء بعد أن تطرح الأسئلة؟

نعم، وأعتقد أن عُمر اللغة العربية 3700 سنة فقط، وتبلورت بشكل بارز في القرن 10 قبل الميلاد ثم وصلت إلى ذروتها القرن الرابع الميلادي.

نبذة

لؤي الشريف باحث من المملكة العربية السعودية من مواليد 1982، هاوٍ للغات واللهجات القديمة، فهو يتقن 4 لغات هي العربية والإنجليزية والفرنسية والعبرية، إضافةً إلى لغات قديمة، كما يُقدّم برنامجاً بعنوان «فلّمها» على «يوتيوب» يناقش من خلاله اللهجات العربية وأصولها، ومفرداتها المتشابهة مع اللغات القديمة والمندثرة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات