محمد العربي الفائز بجائزة بلند الحيدري للشعراء الشباب لـ«البيان»:

أكتب واقع الحياة وإنْ شابته المرارة

احتفلت «جائزة بلند الحيدري للشعراء العرب الشباب» في دورتها السادسة التي أقيمت أخيراً ضمن فعاليات برنامج موسم أصيلة الثقافي الدولي الأربعين في مدينة أصيلة شمال المغرب، بفوز كل من الشاعر التونسي محمد العربي، والشاعرة المغربية نسيمة الراوي بالجائزة مناصفة.

وفي حوار له أعقب مراسم الاحتفاء مباشرة وخص به صحيفة «البيان» أعرب العربي عن سروره وفخره بالحصول على الجائزة باعتبارها تحمل اسم الشاعر العراقي بلند الحيدري، أحد أهم مؤسسي الحداثة في الحركة الشعرية العربية، وأكد أن تخصيص جائزة أدبية بهذا المستوى للشباب العربي هو بمثابة التحريض للمبدعين منهم لكي يتطلعوا نحو ما يحتاجه منهم المستقبل. كما تحدث في اللقاء عن تجربته الشعرية، وشرح التفاصيل المتعلقة بتجربتيه في كتابة الشعر والسرد القصصي، ومشاريعه الإبداعية المقبلة.

في البرية...

خلف قطيع الماعز أحلام برائحة الوبر

أطفال ككلاب الصيد تسابق الريح

خلف الريح تدور نواعير أحلامهم

يصدق بعضهم أنه قد يطير

بساطة وعمق

اقتبسنا لك هذا المقطع من قصيدة بديوان «حتى لا يجرحك العطر» الذي قرأت منه أمام الحضور، وفيه هذه البساطة والعمق اللذان يميزان شعرك، نحن نهنئك على فوزك بجائزة «بلند الحيدري للشعراء العرب الشباب» وبالتأكيد فإن حصولك على هذه الجائزة يعني لك الكثير؟

الحقيقة أن لجائزة بلند الحيدري للشعراء العرب الشباب أهمية كبرى لهم كشباب، كجيل يتطلع إلى ما وصل إليه الحيدري وغيره من الشعراء العرب المتميزين، كما أن الفوز يحملك على النظر إلى المستقبل، والإجابة عن سؤال: ماذا بعد؟ ولقد شعرت بالغبطة، نظراً لأنها ليست جائزة مخطوط أو كتاب شعري، بل هي احتفاء بتجربة شعرية برزت في السنوات الأخيرة، أي إن قيمتها تكمن في اختيارها لتجربتين شعريتين حققتا إضافة نوعية وحضوراً لافتاً في المشهد الشعري العربي الراهن.

إن ما يهتم له الشاعر هو أن تصل نصوصه وتجربته أبعد من مدينته أو بلده وأن يُقرأ عربياً وعالمياً، هذه هي الأهمية. كما أننا لا ننسى أن هذه الجائزة التي حملت اسم الشاعر العراقي الكبير بلند الحيدري، هي مكسب في حد ذاته، مكسب حقيقي للمشهد الشعري العربي، لأنها تعّرف بالتجارب الشعرية العربية الجديدة الشابة على وجه التحديد.

وأعتبر تتويجي بها في موسم أصيلة لسنة 2018 تتويجاً للشعر التونسي العربي، الذي يشهد منذ سنوات تغيّراً كاملاً في مستوى الأداء الشعري فنياً وجمالياً، حيث بدأت تبرز في الساحة الإبداعية الشعرية عديد الأسماء والتجارب الشعرية الشابة التي لها خصوصيتها وتفردها وتحمل مشاريع شعرية حقيقية. لقد قلت دائماً إنني سعيد بتتويجي بهذه الجائزة، التي تدفعني نحو مواصلة مشروعي الشعري بثقة أكبر

الشاعر بالتأكيد لا ينبغي أن يكتب من أجل الجوائز، ولكن مثل هذه المبادرات النبيلة ومنها جائزة بلند الحيدري هي في غاية الأهمية، لأنها تقف إلى جانب المبدع العربي وتدفع به إلى الأمام. ولأن الشعر ككل الفنون الإبداعية فهو اليوم بحاجة لمؤسسات حقيقية تدعمه وتسانده ليصل إلى القراء في أي مكان من العالم، خاصة وأن التواصل بين الناس وبين الثقافات أصبح يسيراً للغاية.

خيبة أمل

تعبر نصوصك الشعرية بقوة عن حالة التشظي والقلق وشيء من خيبة الأمل، وبخاصة عندما تطرح فكرة الموت، مثلما في قولك: لم لا أموت وأريحني من هذا الوحل.. هل هو الشيء الوحيد الذي تراه في هذا العالم؟

نعم توصف نصوصي بالقلق الدائم والتشظي وخيبة الأمل، وهذا هو في الواقع ما يعيشه العالم بأسره اليوم، وأعتقد جازماً أن الإنسان أضحى يعيش اليوم حالة من عدم الثقة بالآخر وبنفسه، فلقد تم اصطياده ووضعه في متحف. إن الإنسان كما يبدو لي هو الفريسة اليوم، هذه الفريسة المهددة بالانقراض في ظل كل الحراب والبنادق والمدافع الموجهة صوبه مباشرة.

إن مما أريد أن أقوله هو أنه لا يمكنني أن أكتب دون أن أحمل في داخلي هذا القلق، وهذه الأسئلة، وأن أغمض عينيّ عما يفعله الإنسان بالإنسان في عالمنا اليوم، بل عما يفعله الإنسان بنفسه.

فعلاً، أسئلة الموت حاضرة بقوة في نصوصي، لكن ليس الموت كمفهوم مباشر، فهو كما الحياة حق وحقيقة. أنا أتحدث عن الأشياء التي تموت فينا، وتجعلنا نخرج عن الروحية الإنسانية التي تجعلنا أوفياء لإنسانيتنا.

في كتابي الشــعري الثاني الذي عنوانه «القتلة مازالوا هنا» نشر عن دار أروقة للنشر والتوزيع 2015 بالقاهرة، كتبت عن كل هذا الدمار والخـــراب الذي يحل بنا كبشر، إنه كتاب ضدّ القتلة والقتل بجميع أنواعه ومفاهيمه، وأدواته وتصوراته، فالإرهاب أضحى سوسة تنخر المجتمع الإنساني ويئد الحضارة التي ينبغي الحفاظ عليها بالحياة لا بالقتل والإرهاب. تحضر أسئلة الموت أيضاً في كتابي الشعري الأول الفائز بجائزة بيت الشعر التونسي 2014 بعنوان «حتى لا يجرحك العطر».

هذه الأسئلة هي أسئلة الإنسان المعاصر في كل مكان من هذا العالم اليوم، ولا تخلو أربعة مخطوطات شعرية ستصدر لي تباعاً من هذه الأسئلة، وهذا دور الشعر كما أراه، أن يكون قلقاً على الدوام، وأن يطرح مزيداً من الأسئلة محاولاً تفكيك هذه المنظومة القاتلة، ووقف بل وفضح الأيادي الإرهابية التي تلطخت بالدماء.

حياة أفضل

الهاجس اليومي، الذي تحبه أنت، يبدو هو الأقرب إليك، أليس كذلك؟

الحقيقة أنني لا أرى انفصالاً بين الشخصي والعام بعد أن تحول العالم إلى مقاطعة واحدة، أي إن أي حدث يقع في مدينة ما سيؤثر في يومي، ولا أكتب اليومي وتفاصيله هروباً من الواقع، بل إنني أحاول أن أبني واقعاً جديداً. هذا الواقع الجديد يدع الإنسان سالماً، ويعترف بحقه في الحياة لا بنصيبه في الموت. أتمنى واقعاً أفضل لكل البشرية دون أي تمييز وفي كل مكان. وأظن أن هذا دور الفنون عامة أن تدفع الإنسان إلى الحلم وإلى عيش حياة أفضل.

إذاً، هو استبدال للعام بالشخصي من أجل الرغبة في الانعتاق من واقع ما؟

أياً كان فالإنسان ينشد الانعتاق.

لعبة الكتابة

توصف لغتك، وهي كذلك فعلاً، بأنها بسيطة، وهي تتجسد كثيراً في مجموعة «القتلة مازالوا هنا» الشعرية، صف لنا أنت ذلك، كيف تكتب بهذه اللغة الجميلة الممتنعة أحياناً؟

أعتقد أن على أي شاعر إذا أراد أن يصل نصه لكل الناس، أن يدرك أن ما عليه ليس أكثر من أن يتحدث بلغة بسيطة وعميقة في آن واحد، ولكن عليه أن يعي جيداً، أن بإمكان هذه اللغة أن تقع في السذاجة والمباشراتية إذا لم يتفطن الشاعر إلى خطورة لعبته، أي لعبة الكتابة. إن اللغة تختلف من كاتب إلى آخر وهو ما يخلق أسلوباً جديداً، وروحاً أخرى للنص.

نحن نكتب لقُراء، وهم قلة في الحقيقة. والقارئ أصبح اليوم كسولاً بطبعه، أي إنه يبحث عن التكثيف والإيجاز في كل شيء. قارئ هذا العصر، الذي يعيش على هامش السهولة واليسر في الحصول على كل شيء عن طريق التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي، ليس لديه الوقت ولا الطاقة ولا حتى الرغبة في فتح معجم المعاني، ليفهم قصيدة محمد العربي أو أي شاعر آخر.

تصـــنف أيضاً كتـــجريبي، سواء فــي كــتابتك الشعرية أو القصصية، أين أنت من ذلك؟

الصحيح أن التوقف عن التجريب هو موت بطيء، هو توقف عن الحياة لا فقط عن الشعر والكتابة وأتصور أن هذا الشيء لا يقتصر علي أنا فقط، بل إنه كذلك بالنسبة لأي كاتب. نحن نحيا بتجاربنا وتجريبنا الدائم، نثق في الحياة وفي العالم ونُخذل في كل مرة، وعلى الرغم من ذلك لا نتوقف عن الأمل وعن المحاولة وتكرار ومواصلة الكتابة، إننا إذا توقفنا عن ذلك سنتحول إلى أصنام لا حياة فيها.

فلسفة

أعمالك لا تخلو من هذا العمق في الحقيقة، ولا تخلو كذلك من الفلسفة والروحانية، ماذا تقول عن هذه التفاصيل؟

الفلسفة نعم، هــي مـــن صميم كـــتابتي، وأنا أتصور بأنه «ليــس هــنالك تميز أو فرق بين الفلسفة والأدب» كما يقـــول المفكر وعالم اللغة جاك دريــدا ؛ إنهما يقفان على نفس المسافة ممـــا حدث ومما يحدث، يقذفان تلك البرك الآسنة بالأسئلة المقلقة لكل عقل جامد، وكل فكرة تدعي أنــها الحــقيقة المطلقة.

لقد تناول الأديب الكبير طه حسين في كتابه «قادة الفكر» 1925 هذه المهمة الشاقة التاريخية التي قام بها الفلاسفة والشعراء وقادة الفكر، هو كتاب مهم تناول فيه تأثير الحضارة اليونانية في الفكر الأوروبي والإنسانية عموماً، بداية من «هوميروس وسقراط» وصولاً إلى «الإسكندر»، وعن جدل هذه القيادة وانتقالها من الشعراء إلى الفلاسفة، ذلك أن الفلسفة لا تعتمد على الخيال شأن الشعر، بل هي مظهر الحياة العقلية القوية على حد تعبير طه حسين.

ربما المجال هنا لا يكفينا عن الحديث عن العلاقة الوطيدة بين الشعر والفلسفة، لكني قرأت مرة جملة عميقة في حوار مع الشاعر والفيلسوف التونسي فتحي المسكيني يقول فيها «الشعر أكثر تفلسفاً من الفلسفة نفسها؛ فالشعراء والفلاسفة يقفون حيث لا يمكن لعالم أن يرنو ببصره». لذلك لا بد للفلسفة أن تكون حاضرة في نصوصي، إنهما «الشعر والفلسفة» يحركان معاً تلك البركة الآسنة.

عصارة

وأنت تكتب القصة بنفس النفس؟

سأقول لكم، إن القصة القصيرة من أكثر الأجناس الأدبية صعوبة في اعتقادي، حيث لا مجال لك للثرثرة مثلما هو متاح لبقية الأجناس الأدبية الإبداعية الأخرى، في الرواية أو الكتابة المسرحية أو المقال أو غيره مثلاً. وأنا أخبركم كذلك بأن لدي مجموعة قصصية جاهزة للنشر، وعلى الرغم من ذلك أعود في كل مرة للاشتغال عليها من جديد.

إنها في الواقع مجموعة يمكن أن تطلق عليها صفة التجريب بامتياز، إنها في هذا الفن الذي أحبه وأقرأه بلهفة. وفي هذا الإطار قرأت نصوصاً سردية كثيرة في الرواية وفي القصة القصيرة، لكتاب هم شعراء في الأصل، وأظن أن الشاعر حين يكتب السرد يكون أكثر مغامرة وتجريبية.

الوضوح والغموض

يرى الأديب التونسي محمد العربي أن اللغة وإن كانت واضحة وبسيطة لتكون جاهزة للوصول إلى نفس القارئ، غير أنه يعتقد أن على الشاعر أن يكون واضحاً وغامضاً في الآن نفسه، بسيطاً وعميقاً، أن يكون فناناً. وهي مفارقة صعبة وتتطلب أن تكون شاعراً في الحياة، قبل تكون شاعراً في النص، أي إن إقامتك في اليومي هي إقامة شاعر وكاتب فلا شيء، يحدث مصادفة حتى في تفاصيلنا اليومية الصغيرة.

الشعراء أبناء المستقبل وليس الحاضر

يقول محمد العربي: «إن الزمن يترك فينا أثره في كل لحظة يمر علينا فيها، وكذلك حال الشعر يتقدم ويتجدد بالشعراء، الذين لا يطمئنون إلى تجاربهم ويكررونها لتصبح أفضل، ولا يثقون في حاضرهم.. إنهم أبناء المستقبل وهذا التطور في كل شيء بما في ذلك التجربة الإبداعية، فعلى الشاعر ألا يطمئن لمنجزه، فلحظة اطمئنانه هي لحظة موته، وموت التجربة»

ويصف العربي تجربته مع الشعر بقوله: «التجربة الشعرية كالحياة لا بد لها من أن تجدد مياهها وينابيعها، وأن تجدد خلاياها ودماءها باستمرار»، موضحاً ذلك بحديثه «نحن لسنا نحن في كل يوم، ولا الحجر الملقى على حافة الطريق هو نفسه مع كل يوم يمر عليه، ولا الشجرة هي الشجرة بعد أن استقبلت عصفوراً جديداً أو قُنِص من على غصنها طير».

سيرة

الشاعر والقاص التونسي محمد العربي من مواليد مدينة «نابل» الواقعة شمال شرقي تونس عام 1985. تخرج من المعهد العالي للعلوم الإنسانية بتونس، وهو أستاذ لغة عربية، يعمل في وزارة الثقافة التونسية. ينشر نصوصاً شعرية وقصصية، ومقالات في صحف ومجلات تونسية وعربية.

شارك في مهرجانات وملتقيات أدبية عديدة كان أهمها في المغرب والجزائر ومصر. وترجمت نصوصه إلى الفرنسية والإنجليزية والفارسية والكردية. حاصل على العديد من الجوائز في الشعر والقصة القصيرة.

كما صدر له: ديوان «حتى لا يجرحك العطر» الفائز بجائزة «بيت الشعر التونسي» عام 2014، وديوان «القتلة ما زالوا هنا» عام 2015 بالقاهرة، ومن المنتظر أن يصدر له قريباً 3 مخطوطات شعرية، ومخطوطة في القصة القصيرة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات