العولمة.. تمازجات ثقافية غير مسبوقة - البيان

الكاتب الهندي رود رونيل غوش لـ«البيان»:

العولمة.. تمازجات ثقافية غير مسبوقة

على الرغم من تأثيراتها السلبية، تعرف «العولمة» في أحد جوانبها بأنها ذات وجوه متعددة؛ فليست هي بمجملها حروباً ومشكلات اقتصادية واجتماعية، بل يمكن رؤية أبعاد أخرى منها، لها علاقة بالقيم والثقافة والمعرفة والثورة «الرقمية» من جهة، ومن جهة أخرى يبدو واقعياً أن تتراوح تجاربنا في التعامل مع «العولمة» بين النجاح والفشل.

وفي خضم المشهد الكوني، فيما يدخل العالم اليوم مرحلة ما بعد «العولمة»، نلمح تجارب لافتة في مجال التعامل مع متطلبات المرحلة في طليعتها التجربة الهندية، النموذج الهادئ القائم على التعامل مع «العولمة» بكل وجوهها، ولربما كان للإرث التاريخي الروحاني اللاعنفي للهند علاقة كبيرة بذلك.

وفي حوار حول «العولمة» والنموذج الهندي، التقت «البيان» الكاتب الصحفي والناشر رود رونيل غوش من صحيفة «ذي تايمز أوف إنديا»، أثناء مشاركته في ندوة «ثم ماذا بعد العولمة؟» على هامش فعاليات مهرجان أصيلة الثقافي الدولي في المغرب، حيث أكد أن العولمة أنتجت تمازجات ثقافية غير مسبوقة في العالم.

ويجسد غوش تفكير وطموح الجيل الشاب من قادة الثقافة والمعرفة في بلاده الهند، وبنفس الأسلوب الهادئ في الطرح الذي اتسمت به مداخلته في الندوة، إذ يبادر بالإجابة عن أسئلة «البيان» في حوارها التالي معه حول رؤية الهند للعولمة بأشكالها المتعددة، لاسيما وجهها الثقافي، وحول التعاطي مع مستجداتها استناداً إلى رؤية «مختلفة» تتبناها بلاده.

شباب

في مجال الثقافة والإعلام، يلاحظ صعود الجيل الجديد من القادة الشباب الذين يطمحون إلى التغيير الثقافي والاجتماعي والاقتصادي في الهند، كيف تنظر إلى ذلك بوصفك جزءاً من هذه المنظومة؟

الحقيقة هي أنكم ستجدون هؤلاء في كل المجالات، ومنها الثقافية والاجتماعية والتربوية، وتجدون أنهم يتبوأون مناصب قيادية، هذا شيء طبيعي، وكما تعلمون أن ما يزيد على قرابة الأربعين أو الخمسين بالمئة من سكان الهند هم اليوم من فئة الشباب، أعمارهم تحت الخامسة والثلاثين. أعتقد أن من الطبيعي أن يشغل هؤلاء مناصب مهمة في مجالات منها الثقافة والاقتصاد على وجه التحديد.

وعندما تتحدثون عن التغيير فأنا بنفسي أقول بأن التغيير هو ما يتطلبه فكر هؤلاء الشباب، كما أنه أيضاً يعتمد على وجهة نظر كل فئة اجتماعية منهم؛ فحسب احتياجات كل شريحة أو طبقة اجتماعية يكون التغيير في أي مجال.

وأنتم تعرفون أننا في الهند لسنا بهذا التجانس سكانياً، وهو ما يتطلب الحذر في توفير احتياجات كل فئة اجتماعية من المواطنين، والحقيقة أنه باستمرار وعلى مستوى كل دول العالم فإن من الصعب تحديد ما يريده الشباب بشكل عام، إنها مطالب متعددة وربما مختلفة كذلك، لكن هم يعملون بمثابرة.

«عولمة»

أنت تشارك الآن في مهرجان أصيلة الثقافي الدولي، وهو مناخ ثقافي بامتياز، تحدثت فيه عن «العولمة»، ولاحظنا أنك طرحت وجهة نظر ثقافية، وجهة نظر هندية على وجه الخصوص، هذه أعجبتني كثيراً، وأتمنى أن تشرحها للقارئ؟

هذا سؤال مهم بالنسبة لي، إن مصطلح «العولمة»، و«العولمة» نفسها بدأت تتزايد وتتطور بصورة سريعة غير مسبوقة عبر كل هذه السنوات الأخيرة، مثال على ذلك أننا بدأنا نرى ازدياداً في الاختلاط بين الناس، من ناحية الثقافات، ويعود السبب في ذلك إلى ثورتين حقيقيتين غيرتا وجه العالم؛ هما ثورتا الاتصالات والنقل، حيث بدأ الناس بالسفر والتنقل بوسائل سريعة متغلبين على الحواجز الجغرافية بين البلدان، وهذا يحدث بشكل أكبر وبأعداد تتزايد سنوياً على نحو غير عادي.

وفي الهند على سبيل المثال، ترتفع أعداد السياح الوافدين إلينا سنوياً بصورة ملحوظة، وهنالك أيضاً مثال آخر هو الصين، البلد الآسيوي الذي تتدفق عليه أعداد مهولة من السياح من أنحاء العالم، إن لهذا بالتأكيد تأثيراً كبيراً على الناس الذين يحتكون ويختلطون، وبالتالي يجربون ويعايشون، ويتعرفون إلى ثقافات أخرى، ومن هنا فإن ثقافات جديدة تنشأ على هامش ما يحدث.

كما أتصور أن ثورة الاتصالات قد خلقت نوعاً من الثقافة العالمية الجديدة، بكل أدواتها من الهواتف الذكية إلى وسائل التواصل، التي تصل الناس وخاصة الشباب بعضهم ببعض، إننا نعرف بذلك ما الذي يحدث في أي مكان من العالم وبسهولة وعلى مدار الساعة متجاوزين الحدود الجغرافية، ولا تنسوا كذلك هذا التبادل، تبادل الآراء والأفكار ووجهات النظر أياً كانت إيجابية أم سلبية، وهي عملية مستمرة وتتم بيسر في كل ثانية.

تبادل

هذه وجهة نظرك أنت، ولكن ما وجهة نظر الهند، بمعنى تجربتها في التعامل مع «العولمة»، ونحن نعلم أن للهند في هذا المجال تجربة استثنائية؟

أجل، أولاً أقول بأن الثقافة الهندية كانت دائماً وباستمرار مفتوحة بطبعها على العالم، أعني لو نظرنا إلى تاريخ الهند، أي عدنا إلى الوراء آلاف السنين، فسنجد أن الهند قد اعتادت على استقبال آلاف مؤلفة من الوافدين من شتى بقاع العالم، وهم يفدون لأغراض التجارة والعلم والعلاج وغيرها، هؤلاء بلا شك كانوا وما زالوا يضيفون إلى ثقافتنا الهندية ويأخذون منها، وبالتالي فإن هذا النوع من «العولمة» الثقافية، وحتى غيره من أوجه العولمة ليس جديداً بالنسبة لبلد كالهند.

الآن، لو تحدثنا عن الهند الحديثة منذ استقلالها في سنة 1947 فستجدون أن الكثير من التغيرات قد طرأت على حياتنا، صحيح أننا مررنا قبلها بفترة انقطاع نوعاً ما عن العالم الخارجي، لن أسميها مرحلة الاستعمار الأجنبي والنضال من أجل الاستقلال، ولم نكن على يقين بأن ذلك سينتهي وإلى أين سيأخذنا، وكنا أقل انفتاحاً على العالم من حولنا، وكانت مبادئ القومية والحمائية هي التي تحكمنا في تلك المرحلة، إلا أنه ليس هناك فارق في التعامل مع العولمة في صورتها الثقافية والاقتصادية منذ ذلك الوقت إلى اليوم.

وفي تاريخ الهند الحديث لو نظرتم إلى سنة 1991 على سبيل المثال، رغم أننا كنا نواجه أزمة اقتصادية حادة في تلك الفترة، وكانت الظروف قاسية وضاغطة، إلا أنه لم يكن بإمكاننا أيضاً عزل أنفسنا عن العالم من حولنا، ولذا عندما تحررت التجارة واتبعت بلادنا نظام التجارة الحرة، اتسع نطاق التبادل التجاري بيننا وبين دول العالم، وكل ذلك كان له أثر كبير في تغيير الاقتصاد، ولهذا فأنتم اليوم تلاحظون ظهور هند جديدة أكثر ثقة وأكثر قوة اقتصادياً، وأكثر بروزاً على مستوى العالم. إن هذه الأمور كلها حدثت نتيجة الانفتاح على العالم.

أما على الصعيد الثقافي فإن الهند بلد مفتوح على العولمة، اعتدنا عليها منذ قرون وهو ما زاد في مرحلة لاحقة ما بعد سنة 1991، صحيح أنه لم تكن لدينا الثقة في هذا النظام الكوني كما نحن الآن، ولكن اليوم هناك انفتاح واستقبال على مستوى الشركات العالمية العاملة في الهند، التي تفد معها العمالة «وتكون لها هيمنة نوعاً ما، ما يشعرنا بشيء من القلق تجاه العولمة»، ولكن وبما أننا أجبرنا على ذلك فإن ما قمنا به هو قرار سليم مكننا من الدخول في منافسة على المستوى الثقافي عالمياً.

نماذج

معروف أن «العولمة» لم تتوقع على سبيل المثال أن تواجه منافسة اقتصادية وثقافية، وأن يقوم بذلك أحد في أي مكان من العالم، ولكن الهند وغيرها من الدول كالصين فعلت؟

سأحدثكم عن ذلك بالنسبة للهند، الحقيقة أنه بعد الحرب العالمية الثانية، بدأت «العولمة» بالهيمنة على العالم حين قامت الدول التي خرجت من الحرب منتصرة بهذه المهمة، والواقع أن العولمة كانت موجودة قبل سنة 1945، غير أنها لم تكن بهذه الحدة التي سعت فيها هذه الدول إلى الهيمنة على العالم. وبعد الحرب الباردة حدث شيء آخر، كان هنالك شعور بالغطرسة لدى الغرب؛ إذ كانوا يعتقدون أن لديهم نظاماً عالمياً وديمقراطية مثاليين وصامدين إلى الأبد، وبخاصة في أعقاب انهيار الاتحاد السوفييتي.

وقد ذكرت في مداخلتي في الندوة حول ما قاله «فوكو ياما» في كتاب «نهاية التاريخ» والحقيقة أن في ذلك ما يشبه القطع، الجزم بأن هذه هي الثورة الحقيقة الكبرى التي يمكن أن تحدث في العالم. إن هذا التباهي هو الذي لفت الغرب عن التوجه الصحيح، ولكن أنظر اليوم إلى الصين، إلى النموذج الصيني العالمي الصاعد بعد دخول الصين في منظمة التجارة العالمية.

لقد تمكنت الصين من القضاء على الفقر لدى أكثر من 300 مليون شخص يعيشون تحت خط الفقر، وهنالك نموذج آخر هو ماليزيا، التي كان لها دور الريادة في تأسيس نفسها اقتصادياً وثقافياً وهناك إندونيسيا.. الحقيقة هي أن الغرب ليست لديه القابلية لاستيعاب حقيقة أن أي بلد في العالم ليس غربياً ولا ينتمي للديمقراطية الغربية يمكنه أيضاً أن ينجح في العولمة، لا يستوعب أن بلداً كالصين لن ينهار بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، وما حدث في سنة 2001 هو دليل على أن دولاً ليست غربية يمكنها النهوض واللحاق بموكب «العولمة» بشكل أكثر قوة.

وما هو الحل من أجل الوصول إلى توازن في مسألة «العولمة»، من وجهة نظر مثقف؟

ثقافياً، أعتقد أن مشكلة أخلاقية واحدة هي ما يسبب أزمة بالنسبة للنموذج الغربي للعولمة، إن على الغرب أن يدفع ثمن غطرسته، ولو نظرنا إلى قضية الإرهاب التي تجتاح العالم لوجدنا أنها ناجمة عن تصرف خاطئ منذ البداية، شيء حدث في الماضي، غطرسة كانت موجودة لدى الغرب، وما لم يتوقف هذا السلوك فلن تتوقف هذه المشكلة الخطيرة التي تهدد العالم، إنه مطلب استراتيجي أن تتوقف الغطرسة.

ومن وجهة نظر، ثقافية فإن الحل يكمن في قوة التحمل واحترام الاختلافات الثقافية حول العالم، أي أن علينا أن نفهم أنه لا يجب علينا مطلقاً أن نفكر في فرض قيمنا الثقافية على الآخرين، ثم أن هنالك استراتيجية واحدة هي الحوار، ينبغي أن نعتمد أسلوب الحوار في تعاملنا مع الآخر، وهنالك الاحترام المتبادل، أما ما يتعلق بحقوق الإنسان التي يتحدثون عنها فلا ينبغي أن تقف وراءها دوافع أخرى.

«بروفايل»

رود رونيل غوش (32 عاماً)، كاتب وصحفي ورئيس التحرير المساعد لشؤون الرأي والعلاقات الدولية لدى صحيفة «ذي تايمز أوف إنديا» الهندية. حاصل على الشهادة العليا في التاريخ، والماجستير في الصحافة والعلاقات الدولية. عمل بعد تخرجه لدى صحيفة «ذي بايونير» الهندية قبل أن ينتقل للعمل لدى «ذي تايمز أوف إنديا». عضو فاعل في المؤتمرات والمحافل الدولية.

صرخة

غوش: علينا أن نصمم النموذج الملائم لنا من العولمة

أكد الكاتب الهندي الشاب رود رونيل غوش في حديثه مع "البيان" أن هنالك قادة جدداً للعولمة من حول العالم يقولون إن باستطاعتهم أن يهتموا بأنفسهم وبشعوبهم، وهنا أيضاً يأتي السؤال: لماذا لا يكون للهند أو أي دولة مشرقية أو أميركية لاتينية لها ثقافتها واقتصادها القوي مقعد دائم في الأمم المتحدة؟

وفي رده على ذلك، أجاب: "هذا هو عيب العولمة الغربية. إن ما نراه يحدث اليوم بالنسبة للعولمة هو أن الشرق يقول للغرب: كفى، إن لدينا القوة والطاقة اللازمة للاهتمام بأمورنا حسب ما نحتاج وما نرى أنه يساعد على تطورنا"، مضيفاً: "علينا أن نصمم النموذج الملائم لنا من العولمة، وليست هنالك حاجة لأن نستورد النموذج الغربي في العولمة لا ثقافياً ولا اجتماعياً أو اقتصادياً".

 قيم  

 دعوة لـ«جدية» التعددية الثقافية  في الأمم المتحدة

يرى الكاتب الهندي رود رونيل غوش أن ما يجب أن يضاف إلى مسألة «العولمة» كي تكون فاعلة حقاً، هو أن هنالك ما يسمى قيماً إنسانية كونية عالمية مشتركة، قيما جمالية، لماذا لا نعمل بها.

إننا إلى اليوم لا نتبع إلا المفهوم الذي يفرضه الآخرون للقيم متخلين عن مبادئ وأخلاقيات عليا تخصنا، لماذا لا يكون هناك إجماع على الأخذ بمفهوم التعددية الثقافية بصورة جادة في الأمم المتحدة، تعريف مناسب لهذه القيم... ما هي القيم الإنسانية؟ وبعد ذلك نحترمها، وننفذها في حياتنا ونتعامل بها عوضاً عن الغطرسة.

إننا في الحقيقة نعيش في زمن أصبح فيه من السهل أن نلتقي بعضنا البعض وندخل في حوار ونقاش إيجابي بوجود هذا التطور والتقدم التكنولوجي. إن الفهم الأكبر والاشتغال الأكبر على هذه القيم كفيل بأن يصنع في النهاية توافقاً إنسانياً حولها.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات