سلمى المري لـ«البيان»:

لوحاتي تحفز منابت الخير والقوة في المرأة

يقودني هذا الحوار في رحلة مميزة إلى الألوان، حيث «غاليري» الفنانة التشكيلية الإماراتية سلمى المري، وفي مصاحبة إبداعية لأسرار أشكالها ولوحاتها، لتحكي لنا بانتصار ما قامت به لتفتح أبواب ونوافذ الحكايات القديمة وقصص التاريخ في أرض الإمارات، عبر إبداعاتها الفنية، وليختلط المتخيل بالواقع وننتشي مع الألوان ونبتهج بالقصص الرحبة والمنتمية لتروض الذاكرة البعيدة وتجعلها قريبة وبين يديها المعجونة بأصباغٍ من عاطفة، وهي في سطور حوارها مع "البيان"، تركز على أهمية دور المرأة في لوحاتها وما ترمز إليه من شموخ بوصفها صانعة الرجال ومولدة الحضارات، مشددة على أن المرأة كائن روحاني يوقد شعلة الخير والقوة والمحبة ..وهو ما جسدته الأساطير بجلاء، فالزباء (زنوبيا)..بين الأسطورة والتاريخ هي تلك المرأة القائدة الجسورة وشديدة البأس في وجه الحياة.. ومن عبق تلك الكلمات نمهد لهذا الحوار مع الفنانة التشكيلية الإماراتية سلمى المري.

 

جدارية

لوحاتك فيها جهد واضح وبحث كثيف عن كل ما مر على أرض الدولة من حضارات، وخرج بعد عقود من التنقيبات، آثار وعملات وأشكال... لتشكليها وتعنوني جداريتك «مجموعة من حكايا الأرض» عبر رجل يحكي لهدهد، والهدهد رمز البصيرة... حدثينا عن هذا الإنجاز المختلف.

جمعت في هذه الجدارية 38 قطعة لتعطي إحساساً بالمواقع الأثرية؛ فهي مستمدة من التاريخ على اتساع جغرافية الإمارات، تحتوي على نماذج من الآثار التي اكتشفت من مختلف الحقب التاريخية من العصر الحجري الأول مروراً بالحديدي والبرونزي وفترة ما قبل الإسلام وبعده، وأخرى هي قطع من تراث المساكن وزخارفها، لمدن الدولة، قبل فترة قيام الاتحاد، ومن ثم قطع تعود إلى مرحلة البدايات في تأسيس اتحاد دولة الإمارات العربية المتحدة. وقد بدت العملات التذكارية التي وضحتْ من خلالها أهمية الاهتمام بالبيئة ومفرداتها، مما يشير إلى الوعي والتقدير بمكونات البيئة والحرص عليها، كل ذلك يصبح ممتداً ليكوّن نسيجاً واحداً لهوية الإمارات.

أما الرجل في العمل، فهو برأس ثور ذي روح عتيقة نسبة إلى الربط بينه وبين أقدم الرسوم التي وجدت على الكهوف في العالم؛ للإشارة إلى نسيج تربة العالم متوحدة الطين، وجعلتُه يرتدي الزِّي المحلي البسيط فهو الملبس الشائع بين رجال المنطقة في الخليج العربي، من بحار ومزارع، وصياد وفالق المحار، ويتقلد شعار إكسبو 2020 المستمد من حلية ذهبية تم اكتشافها في موقع ساروق الحديد بمنطقة المرموم بدبي، الذي يعود إلى ما يزيد على 4000 عام، ويتسامر مع الهدهد كاستشراف للمستقبل، كأن يسر له حكاية أرض ووطن فيه من العبق والتاريخ ما لا يزال يحمل كنوزاً من المعرفة والحضارات المتوارية تحت طبقات الأرض، وسيغدو بأبعاده التاريخية ونهضته الحديثة ليشار إليه بالبنان.

جدارية حكايا الأرض "تفصيل"

 

 

الأسطورة

الرسام عادة وقبل الشروع بالرسم، يجري نحو أمكنة طبيعية تتزاوج ألوانها الراقصة مع مزاجه في مسارات بين النور والظلمة... فهل سلمى تحب زيارات البراري عبر الصحراء والبحر لتحصل على فهم أعمق، أم أنها تكتفي بالبحث بين الكتب؟

كجمل يحمل الماء في سنامه لأيام العطش والاعتكاف، أحمل أرض الإمارات بصحرائها وجبالها ووديانها وسهولها في روحي، وكلما تعبت استظللت تحت سمرة مغروسة في أعماقي، أتشارك مع النحل رحيق الظل، يبدو أن هناك شيئاً عتيقاً داخلي. وفي مشروعي «حكايا الأرض» مثلاً، استرجعت رحلتنا ونحن صغار (لا أتجاوز التاسعة) مع جدتي لأبي (الريم بنت زيد) إلى أعالي الجبال في رأس الخيمة، حيث أخذتنا إلى زيارة بعض المعالم ومنها قصر الزبّاء، وما كان «المندوس» و«السحارة» إلا مصدر إلهام نحو الزخارف المتوارثة في الحلي والخشب، حتى الحصير الممدد على الأرض وما تركه على قدمي الحافيتين قد لعب دوراً بارزاً في البحث في الملمس الذي تميز به عملي الفني.

أما الكتب ونحن صغار، كما يبدو، فإننا تعرفنا عليها ككتب مسموعة من حكايات الكبار على (المنامة) مما أثَّر في حصيلتي في التعبير عن الأسطورة... هذا في البدايات، ولكن يظل هاجس البحث عن المعرفة بشكل أعمق حافزاً على زيارة الآثار والمتاحف، والتزود بأمهات الكتب والمعلومات البرمجية المعتمدة عالمياً، وهو أمر دأبت عليه...

 

مقدمة

في مقدمةٍ كتبها عنكِ الأديب محمد المر، بأنكِ موهبة إماراتية فنية مميزة، هضمت العديد من التجارب الفنية العربية والمدارس العالمية شكلاً ومضموناً... وأنكِ أغنيتِ الحياة التشكيلية الإماراتية، فما مصدر إلهامك أثناء الطلاء، وأين يكمن إبداع سلمى المري؟

تقودني الحالة إلى العمل، ينسلُّ إليّ كالضوء، أكون منقادة للغوص فيه، والإمساك بتلابيب الحالة إلى أن أنتهي، وعندها أكون قد بنيت العمل الفني وشرعت في التفاصيل كتقسيمات جمالية على ما بين يدي، وغالباً ما تأتي أعمالي في حزمة مترابطة؛ فعلى سبيل المثال، هناك مجموعة أهازيج وجدانية أخذتني الحالة معها في تفاصيل لقطات من حياة الأسرة الإماراتية، حيث وعيت لقطات من مشاهدات طفولتي ما بين عشق حكايات الحب والمودة بين أمي وأبي، ومرايا العيد، الحِلِّ والترحال بين بيوت الصيف والشتاء، ونسيج السعف بين أصابع الجدة، وهناك مجموعة حضور، حيث يكشف الفقد عن شاهق روحانياته بحضور الشخوص في تجليات السلام وكان ذاك إبان رحيل زوجي، وهكذا تتوالى المثيرات ولو أنها في أماكن ما موجعة للعظم.

التوثيق التاريخي جزء في أهم أعمالك، كالعملات التي مرت على الإمارات، وكذلك الأحداث من خلال لوحة «فانتازيا مرحلة» عن «الثورات العربية» وكأنها فانتازيا غريبة... حدثينا عن فكرة هذه اللوحة وتقنيتها اللونية.

عمل (فانتازيا مرحلة)، وقد فاز العمل بالجائزة الكبرى في بينالي الخرافي بالكويت عام 2012، نفذته أثناء امتداد «الثورات العربية»، بطريق غير مباشر، فكانت هناك عشوائية وضبابية وغرائبية، وكأننا على خشبة مسرح تحته مرجل..الحدث شحذ وجداني عن الفكرة، أتت ألوان العمل بين البرتقالي القاني متمثلة في الشخص، وفي طائر غريب الأطوار ينقر أصابع الشخص المستلقي في استرخاء كسلطان بملامحه المتنافرة، ألوان الطائر باردة متمثله في الأزرق المائل للاخضرار، محملاً بأبنائه على ظهره، وفي نهايات الريش رؤوس، أما تقنية الألوان فهي ألوان تيبست من فرط الانتظار فأتت بارزة تارة وغائرة تارة أخرى في تضاد واضح، ومما قادني إلى هذه التقنية، ألواني التي تيبَّست في العلب وبلتات الألوان عند انشغالي بالمهام الوظيفية، يبدو أنه كان كاعتذار رسمي مني إليها، بعودتها إلى العطاء مرة أخرى في تقنية تفردت بها أعمالي، أعطيتها فأعطتني وأخذتُ منها الأكثر.

لوحة «فانتازيا مرحلة» "تفصيل"

 

 

حدثينا عن مدى تأثيرك في حقل التوعية بأهمية البيئة وحفظها.. مقابل تأثيرك الأكاديمي لكونك خريجة الفنون الجميلة في القاهرة ولأنكِ رأيتِ وقرأتِ أولئك الكبار من الفنانين المبدعين والمغيرين في الفن؟

عندما ذهبت إلى الدراسة في مصر في الثمانينيات كنت قد عرفت أن هذا التخصص ما أردته وأخبرتني به روحي، لم أجدني غريبة على البيئة المصرية، انخرطت في أحياء الحسين ومصر القديمة تتمازج بين «اسكتشاتي» مع دروب مزارع أبي وشاطئ المعيريض في رأس الخيمة وبوابة بيتنا الزرقاء العتيقة، ودراسة تاريخ الفن علمتني السمفونية الأولى بالفصل بين الرسام والفنان، وتكوين الهوية الفنية يحتاج إلى مثابرته وتجارب متواصلة لكي يكتشف الفنان خيوط لعبته الفنية، وما حرض الأمر عندي عودة الفنان الدكتور حامد ندا من مهجره وعودته للتدريس في كلية الفنون الجميلة، فرأينا نحن طلبة الرسم والتصوير في منتصف السنة الرابعة أن ننضم إليه في القسم الجديد الذي أسسه وهو التصوير الجداري..وقد أفادني ذلك كثيراً في إمدادي بخبرات إضافية.. أما فان غوخ، فجعلني في حيرة لتحليل أعماله المتدفقة والمتوهجة بالضوء..ويأتي ذلك العبقري بيكاسو ليحطم القيود، ويأخذ الفن إلى أبعد مدى، ومزاجية السريالية عند سلفادور دالي أيقظت الأحلام على ملحمة إبداع عارمة، كل هذه الأمور تداخلت فكونت الذائقة الفنية وكثفت وأغنت الناحية البصرية لدى محبي الفن ودارسيه ومتذوقيه.

 

لوحتان أسطوريتان

بين لوحة «أم الدويس» المدهشة، ولوحة الزباء الملونة والفارهة، هل ثمة رسالة خاصة للمرأة الحاضرة في يومنا هذا؟

أدعو المرأة إلى أن تقرأ ما بين السطور في الأساطير التي حيكت حول النساء، وتستلهم منها القوة والعِبر، فما وجدت النساء إلا لتركض مع الذئاب، والثبات شعيرتها السرمدية لكي تمنح القوة لذريتها (كلارسيا بنكولا) فالمرأة في الأسطورة بالنسبة لي، كائن روحاني ملهم لمنابت القوة والخير، فالزباء (زنوبيا) بين الأسطورة والتاريخ هي تلك المرأة القائدة الجسورة وشديدة البأس في وجه الحياة والسيدة المحلية القابعة في أعالي الجبال تحرس الوادي والساحل، وأم الدويس انتصرت فيها كفنانة إلى حكاية المرأة المسنة التي سردت الحكاية بشكل مغاير وقالت إنها المرأة العاشقة الضاربة بعرض الصحراء والبحر الطبقية والعنصرية، مولية اهتماماً قوياً لثقافتها وإرثها الحضاري الإنساني متمثلاً ذلك بحوارها مع عناصر من الآثار التي كشفت عنها على أرض الدولة.

 

متحف دائم

أين ترين نفسك بعد عشر سنوات؟

بالنسبة لي سأظل أنتج فناً من روحي إلى ما شاء الله، ولكنني بالدرجة الأولى أتوقع حال المنتج الفني المحلي بعد عشر سنوات، فإنني أناشد المعنيين لإيلاء اهتمام أكبر للفن بشكل عام.. ولفناني هذه الأرض من التشكيليين بشكل خاص، ستكون الأمور تحت اهتمام مجموعة من الشباب المتخصصين في تاريخ الفن ليعوا دور الفن الحقيقي وتأكيد هويتنا وبصمة أبنائنا، وإنني لأرى نصب عيني متحفاً وطنياً دائماً يضم أعمال الفنانين الإماراتيين بقاعاته المتعددة ومجالات صالاته المتخصصة، وأراه على خارطة الثقافة والسياحة الدولية.

عبق الطلاء

تحكي سلمى المري عن طقوسها الإبداعية في مرسمها وفي طبيعة اشتغالها اليومي: الدخول إلى المرسم يحتاج مني إلى روتين محبب إلى نفسي، لألتقط مزاجي، فهناك شركاء في الحياة حول المرسم لهم إيقاع محفز لبدء صباح جديد، أملأ أوعية الماء، أنثر حباً لحمام الراعبي والصفاصيف (اليمام والعصافير) وزوجين من السلاحف تشرب برؤوسها الصغيرة من تحت التراب أثناء مناداتها، وصفائح الألوان اليابسة في العلب والبتلات تنتظر أن تعلن حضورها ونتوءها المختلف على قماش الرسم، تبدو بعد ذلك كأنها دخلت في أحماض من دون أن تتعرض للتحميض. ثم الانتقال إلى سنيار غاليري، كالدخول إلى عالم يضم المنجز ويُستقبل الرواد إليه، ويشي بفوضى الفنانين الجميلة.

 

تطوير

ميل نحو الوجدانيات وسبر أغوار الذات

طوّرت الفنانة سلمى المري الكثير في مفردات عملها وسياقات تجاربها في عوالم الفن، وذلك من خلال الاستناد إلى موضوع وجوانب التاريخ والتراث اللذين احتلا وشغلا كبرى لوحاتها، فرسوماتها بحثية ومهمة للغاية..في مجملها، إذ تركز على عكس مجموعة من القضايا التاريخية والتراثية والفكرية المجتمعية، ذلك مثل عملها "حكايا الأرض". وتقول الفنانة في ما يخص مضامين وموضوعات أعمالها الجديدة وتوجهاتها الحالية في الحقل: أجدني الآن في أعمالي الأخيرة أتجه نحو الوجدانيات، والبحث في جوهر الأشياء، والمشاعر وسبر أغوار الذات، والعمل على تأكيد أسلوبي الخاص والأخذ به قدماً والإضافة إليه. وتظل مهمة الفنان رفيعة المنزلة.. فهو تفصيل محوري من تاريخ مجتمعه وأرضه.

وتشرح أساس فكرة العمل لديها: هناك سبب لكل موقف أو حدث أو عمل نقوم به بشكل عام، فما بالك بالعمل الإبداعي، بالنسبة لي أقف مشدوهة أمام موقف بإمكانه أن ينبش ما بداخلي، ويدفعني ويحفزني حول تأويل السبب والالتفاف حوله إبداعياً، حتى لو كان السبب هائلاً، فإنني بعد فترة أجعل العمل الفني الوسيلة لمساعدتي نحو الاستشفاء، وأتقبل الأمر بإيمان وسلام.

 

نهج

أعطيتُ حباً فنلت طاقة إبداعية ثرية

تسرد الفنانة الإماراتية سلمى المري مراحل عملها وتطور خبراتها.. والمسؤوليات الوظيفية التي شغلتها.. ومن ثم تفرغها للفن:

إبان تخرجي، عملت في تدريس الفنون وتدرجت وظيفياً حتى بلغت درجة موجه أول فنون وزارة "التربية"، وعملت بموسوعة منهج الفنون، كنت مؤمنة بدوري بهذه الوظيفة، فكان للبحث وتقديم الورش والدورات التدريبية النصيب الأكبر من وقتي وجهدي وطاقتي، وكأي أم وزوجة تؤمن برسالتها، أعطيتُ حباً فأخذت محبة، وعندما قررت التقاعد مبكراً .. شعرت بأنني أتيت على ذاتي كثيراً، ولكني انتصرت على ذلك بالتفرغ للفن.. فوصلت الليل بالنهار لأعمل بمرسمي..وكنت بحالة تجلٍّ تساندني بها أسرتي بقوة، ولم يكن ذلك الاستنزاف إلا مراحل لبناء ما وصلت إليه على كل المستويات.

وتبين سلمى المري، أنها بعد فترة من العمل خلال مسيرتها، لاحظت أن ألوانها تخبو وتغفو في تجليات ألوان الأرض ومكوناتها، وقد اندمجت بعروقها في التراب. وتضيف: وكأنها تعرضت للتنقيب وخرجت يشوبها شيء من عائدات الأزمنة لتنسج مفردات اللوحة بين ألوان النحاس الضاربة نحو الأكسدة، وما بينهما من تمازجات التعتيق، وغالباً ما تترافق معي موسيقى (الفوندو) للجزائري العلا البشاري، يأخذ بنفسي وروحي إلى عوالم لا أحقية للكلمات والهواجس فيها.

تعليقات

تعليقات