#هلا_بالصين - الأسبوع الإماراتي الصيني

حمد بن صراي لـ «البيان»: أحمد ثاني مغامر سبق زمنه

حمد بن صراي

من عالم صناعة السلاح التقليدي القديم الذي اشتهرت به أسرته (جده)، يخرج الدكتور حمد محمد بن صراي متخصصاً ومتبحراً في التوثيق وعلم السابقين وتاريخ الأوائل.. إذ يعد من القامات العلمية والأكاديمية الرائدة على المستوى المحلي والعربي.

وقد أغنى المكتبة العربية والبحثية بمؤلفات وأبحاث وآراء أثرت النتاج الفكري التاريخي، وأماطت اللثام عن كثير من غوامض وخفايا الزمان. فبحوثه ودراساته ومؤلفاته في التاريخ والتراث العربي والإماراتي القديم، مهمة ومتنوعة.

وكان لـ «البيان» حوار خاص معه سلط الضوء على نهجه وآرائه العديدة، وتركز بشكل بارز على كتابه «أحمد راشد ثاني بين التاريخ والتراث..رؤية نقدية»، للوقوف على تفاصيل هذه الدراسة النقدية، التي تسعى إلى تغطية جهود الشاعر والكاتب الراحل البحثية، إذ يوضح أنه كان كاتباً مسكوناً بحب المغامرة وروح المخاطرة في الكتابة.. وحتى إن حياته كلها كانت مغامرة.

 

في مطلع الحوار سألنا حمد بن صراي إن كان يرغب في التحدث عن نفسه، فقال:

نحن في الواقع نتبع أقدارنا، لقد عشت في أسرة حرفية، ومن هذه الأسرة، عرفت قيمة الحياة، إذ لم تمنع أفرادها مهنهم القاسية التي تتعامل مع الحديد والرصاص والبارود والموت، من الحرص على أن أتم تعليمي، كان جدي يجبرني على الذهاب إلى المدرسة، ولم يكن يرغب بأن أرث صناعة السلاح مطلقاً.

وفي الجامعة، كانت أول مادة درستها هي التاريخ «تاريخ الدولة الأموية»، فبذلت فيها مجهوداً، تمثل في إنجاز بحث عن الخليفة الوليد بن عبد الملك، أعجب به أستاذي، على الرغم من أنني كنت أدرس بكلية التربية، وهو ما حمله على تحريضي على مغادرة كلية التربية إلى كلية الآداب، قسم التاريخ، كما أسدى إلي نصيحة، وهي أن أكمل دراستي في التاريخ، حتى أحصل على الدكتوراه.

وقد تبعت نصيحته إلى أن تسلمني أستاذ التاريخ البريطاني جون هيلي، الذي علمني كذلك خمس لغات مهمة لدراسة التاريخ القديم، منها: اللاتينية واليونانية والتدمرية، ثم أشرف على رسالة الماجستير التي قدمتها في جامعة مانشستر، وقد احتضنني جون هيلي حتى لحظة حصولي على الدكتوراه في التاريخ. لقد عشت حياة مليئة بالحب والعطاء والحياة، ولم تمنعني صناعة السلاح من الحصول على هذه الحياة.

 

تُلمَح في دراستك للشاعر والباحث والكاتب «أحمد راشد ثاني بين التاريخ والتراث..رؤية نقدية» 2017، إلى علاقة ذات مستويات عدة، عملياً، ربطتكما.. وأنتما تتشابهان في الاهتمام بالتاريخ والتراث، ولكن شخصياً، ثمة علاقة جميلة، رغم غرابتها، تجمع بينكما، وهي التي دفعتك إلى تأليف هذا الكتاب (علاقة قد يدركها قارئ كتاب «أحمد راشد ثاني بين التاريخ والتراث»)، ماذا تقول في هذا الشأن؟

كان المرحوم أحمد راشد ثاني قد سبقني إلى الالتحاق بجامعة الإمارات، حينها كانت الجامعة أكثر حيوية، وكان جزء من ذلك، يعود إلى النشاط الطلابي والتنافس في ما بين الطلبة، كما كان «اتحاد الطلاب» هو المنبر الذي احتضن كل ذلك النشاط بفاعلية. وحينما بدأت تعليمي الجامعي هناك، قابلت أحمد راشد ثاني، وبشكل صريح، لم أكن قد ارتحت له في البداية، إذ كنت أشعر بنفور فكري تجاهه، كذلك كنت أستغرب حتى من مظهره، واستمرت تلك النظرة حتى تخرجت وسافرت إلى الخارج للدراسة، وأعترف بأنني كذلك لم أقرأ له في تلك الأثناء.

ما حدث صدفة، هو أنني بعد تخرجي في بريطانيا ومواظبتي على حضور جانب من الأنشطة الثقافية في الإمارات، التقيت بأحمد راشد ثاني عدة مرات، وفي كل مرة كنت أستغرب، إذ كان يستقبلني بالأحضان!، كان يشعرني بقربه مني، وهكذا نشأت في ما بيننا علاقة أخرى وطيدة، حتى إنني، وإلى اليوم، لم أتوقف عن سؤال نفسي: «ما هذا الإنسان الذي اختلفت معه ذلك الاختلاف، ثم يأتي ليحتضنني ويهديني ذات مرة كتابه «رحلة إلى الصير»، ولست أذكر السنة التي أهداني فيها الكتاب، ربما كانت 2009. ومن هنا، أعترف لنفسي بأنني قد بخست أحمد راشد ثاني حقه، ولم أقرأ له أو أعترف باجتهاده، لقد وجدت فيه عالماً آخر، كان لا بد من الإشارة إليه، والكتابة عنه بموضوعية.

 

أهمية الحفظ

في ما يتعلق بالتراث الشفاهي، تحدث الدكتور يوسف عيدابي عن المرحلة الأولى من البحث في تاريخ وتراث الإمارات، وكذلك الدكتور غسان الحسن، مع التلميح إلى أنها بحاجة إلى الاشتغال الكافي، فهل تجاوزنا تلك المرحلة، أم لا تزال بحاجة إلى المزيد إلى يومنا؟

الحقيقة أن كلاً من د. يوسف عيدابي ود. غسان الحسن، من الأشخاص الذين لهم جهود مشكورة في الإضافة إلى الثقافة الإماراتية، وما كانا يشيران إليه، هو تلك البدايات الأولى من البحث في تراث الإمارات، الآن، وبعد 45 سنة، استجدت أمور كثيرة، وللدقة، فإن الاهتمام بالتاريخ الشفاهي قد بدأ بشكل علمي جاد في سنة 2009، وأذكر أن جزءاً من ذلك كان في جامعة الإمارات، فقد بدأنا منذ ذلك العام بجمع والتحضير لدراسة التاريخ الشفوي، وبدأنا بمقابلة كبار السن. لقد كنا بالفعل مغرمين بهذا التاريخ، وقد اكتشفنا حقيقة مهمة للغاية، وهي أن الموجود في الكتب ليس هو الأساس، وإنما ما هو حفظ في الصدور وتناقلته الشفاه، ليعطي المعلومة المطلوبة.

وبالنسبة لي، فقد حمسني ذلك كثيراً على الانهماك في دراسة التاريخ الشفاهي، وقد بدأت بتدريس مادة جديدة، هي «التاريخ العمراني لدولة الإمارات»، ولو لاحظتم، فإن جزءاً من هذه الدراسة يوجد في البحث المترجم «أبراج رأس الخيمة» (ترجمة حنان سالم فدعق الهاشمي).

كما أضيف إلى ما سبق، أنني قد استفدت من هذه الجهود التي بذلتها مع طلابي في دراسة أعمال أحمد راشد ثاني في التراث الشفاهي السردي، وأنتم تعرفون بحوثه في الرواية الشعبية «دردميس» و«حصاة الصبر» و«إلا جمل حمدان في الظل بارك».. لقد حرضتني على القيام بدراسة نقدية لها. لقد كان، رحمه الله، شخصية متميزة فريدة في مجال البحث، وللعلم، فإن إنتاجه لم تكتمل دراسته والبحث فيه بعد، وأوضح أيضاً أنه قد أبدع في جوانب، كما أخفق في جوانب أخرى، وهذه حقيقة كل باحث وكل مشتغل.

قل لنا بموضوعية، ما الذي تجده كان ينقص أحمد راشد ثاني كباحث؟

لقد كان كاتباً مبدعاً و«مخترقاً» مغامراً وأوّلياً، بمعنى أنه أول من يكتب في أي موضوع يرغب في الكتابة عنه، هذا بالطبع ينطبق على كل أشكال الكتابة التي أبدع فيها، وليس التاريخ والتراث فقط، فالمغامرة وروح المخاطرة في الكتابة، كانت ديدنه، حتى إن حياته كلها كانت مغامرة، لدرجة أنني أطلق عليه اسم (الرجل ذو الحياة العريضة)، فقد كان عمره قصيراً، ولكنه على الرغم من ذلك كان عريضاً عميقاً، حفلت حياته بالكثير من الإنتاجات الفريدة والمؤثرة.

أما السؤال عما يتعلق بالقصور في كتابته البحثية، فهو أنه لم يحظَ بالدراسة الأكاديمية، ولم يتخرج في قسم التاريخ، فكانت تنقصه خبرة المؤرخ ومتابعته وقراءته، ومراجعته، ومع ذلك، فإنه تجاوز كل تلك الأمور، وكتب بحاسة أخرى، حتى سبق زمنه، وأبدع في ما تخصص فيه.

 

منهجية علمية

ما الذي استرعى انتباهك في كتاب «رحلة إلى الصير» لتؤلف هذه الدراسة؟

كتاب "رحلة إلى الصير"، يتحدث عن رحلة المؤرخ الرحالة «علوي الحداد»، عندما سافر من اليمن إلى منطقة الخليج العربي وزار الإمارات، لقد أعطانا بعداً جديداً، لم نكن ملمين به من قبل، فقد أرخ هذا الرجل لـ «الصوفية» في المنطقة، كان هذا التوجه قد عرف في «رأس الخيمة»، وفي القرن الثامن عشر، وجدت في «الجزيرة الحمراء» أضرحة وقبوراً ورموزاً أزيلت بعد انتشار الدعوة الوهابية، وكانت قد سبقت الوهابية إلى المنطقة، والبحث يتضمن جوانب كثيرة فكرية وتعليمية وثقافية ، لذا، وجدتني أقتنص الفرصة، بعدما بدأت باستيعاب رحلة علوي الحداد إلى المنطقة.

وللتوضيح، في مثل هذا البحث الذي كتبه أحمد راشد ثاني عن رحلة الحداد، تجد الفرق بين الكاتب المخترق والكاتب المؤلف، ولقد منحني أحمد، البعد لأضع حدوداً لما كتبه، وهي حدود المؤرخ.

والواقع أنني انطلاقاً من اهتمامي بدراسة التاريخ، أتمنى أن تتم دراسة هذه التفاصيل بمنهجية علمية، أنا لا أتكلم كمسؤول، وإنما كأكاديمي مهتم. ولا أخفيكم سراً، فإن جل ما أشعر به الآن بعد القراءة والكتابة عن أحمد راشد ثاني، هو راحة الضمير.

 

..وهذا هو مشروعك؟

في الواقع، مشروعي لا يقتصر على أحمد راشد ثاني، بل يتعداه إلى كل باحثينا الذين رحلوا وهم كثر، والحقيقة أيضاً، أن تاريخنا بحاجة إلى من يعيد كتابته بطريقة علمية، توضح فيها الحقائق كما هي، وأقصد هنا الجوانب التاريخية البحتة. أما ما أشتغل عليه الآن، فهو دراسة، وأقول هنا، إنه يكفيني من البحث أن تطبع أعمالي من قبل جهات أعتز بها.

أتى أحمد راشد ثاني على ذكر أسماء مهتمين بالتاريخ والتراث الشفهي الإماراتي، ومحرضين على الاهتمام به، وهم أصحاب جهود، منهم: جمعة القبيسي، سلطان العميمي، د. موزة غباش، د. سعد الصويان، عبد الله عبد الرحمن.. ومنهم رحالة، وكنوز حية، كما ذكر جهود طلاب إماراتيين في جمع وتدوين التراث، ما المعنى بالنسبة لك؟

في الحقيقة، هذا ما يعجبني في أحمد راشد ثاني، أنه يذكر جهود الآخرين، ويعطي كل ذي حق حقه، وهذه صفة الباحث الحقيقي، التي قلما تجدها في أحيان أخرى. لقد تعاون مع هؤلاء الأشخاص الذين ذكرهم، فشكرهم، معترفاً بالجميل، لقد كان رائعاً.

 

سيرة

د. حمد محمد بن صراي، باحث وأكاديمي إماراتي من مواليد رأس الخيمة 1963، ولد لأسرة حرفية تخصصت في صناعة السلاح والميكانيكا التقليدية.

تلقى تعليمه الابتدائي في رأس الخيمة، ونال شهادة البكالوريوس في التاريخ في جامعة الإمارات، التي عين معيداً فيها سنة 1986.

درس التاريخ بجامعة «درم» البريطانية، وتتلمذ على يد أستاذ التاريخ المعروف، د. جون هيلي، ثم أكمل شهادة الماجستير والدكتوراه في جامعة «مانشستر» البريطانية.

التحق بالعمل في جامعة الإمارات «قسم التاريخ والآثار»، التاريخ القديم وتاريخ دولة الإمارات، وهو مهتم بكتابة المقالات التاريخية.

صدر له 27 مؤلفاً في التاريخ والتراث، أهمها: «منطقة الخليج العربي من القرن الثالث ق. م. إلى القرنين الأول والثاني الميلاديين» 2000، «التاريخ القديم لمنطقة الخليج العربي في مؤلفات المؤرخ جواد علي» 2011، «منطقة الخليج العربي بين فارس وبيزنطة» 2013، «دراسة العملات الساسانية» 2016، «أحمد راشد ثاني بين التاريخ والتراث، رؤية نقدية» 2017.

 

«رحلة الصير».. اكتشافات مناطق مجهولة في تاريخ الإمارات

صدر كتاب «أحمد راشد ثاني بين التاريخ والتراث..رؤية نقدية» عن «اتحاد كتاب وأدباء الإمارات» و«وزارة الثقافة وتنمية المجتمع» 2017. وهو عبارة عن دراسة تقدم رؤية نقدية للدكتور حمد بن صراي، أستاذ التاريخ في جامعة الإمارات، وتشتمل على إصدارات الشاعر والباحث والكاتب الإماراتي أحمد راشد ثاني، مسلطة الضوء على منجزاته البحثية في التاريخ والتراث، والتي من أهمها الكتاب الذي حققه أحمد راشد ثاني «رحلة إلى الصير» والصادر عن هيئة أبوظبي للثقافة والتراث، وهو عبارة عن مخطوط حققه وقدم له أحمد راشد ثاني، ويتناول زيارات قام بها المتصوف اليمني علوي بن أحمد الحداد إلى إمارة رأس الخيمة في القرن ال18 م، وكذلك منظومات لساكن الصير الشاعر محمد بن صالح المنتفقي.

مصدر ثريتتلخص مسوغات الرؤية النقدية التي يقدمها الدكتور حمد بن صراي حول كتاب «رحلة إلى الصير»، في أنه يعد اكتشافاً لـ«مناطق مجهولة ومعتمة في تاريخنا ثقافة وجمالاً» إضافة إلى أنها اكتشاف لحقبة مجهولة من التاريخ الثقافي للمنطقة، قام بتدوينها الرحالة العربي علوي بن أحمد الحداد، ما يؤكد أن الكتابة التاريخية عن منطقة الخليج العربي لم تكن الوثائق التاريخية الاستعمارية مصدرها الوحيد.

كما تكمن أهمية دراسة الدكتور حمد في أن كتابه يقدم وجهة نظر أكثر أكاديمية باعتبار أن ما ينقص الباحث أحمد راشد ثاني هو خبرة المؤرخ، كما يؤكد الدكتور حمد بن صراي، الأمر الذي ينفي عنه هذه الصفة، إذ لم يقدم أحمد راشد ثاني معلومات وافية عن حياة وفكر الرحالة الحضرمي المتصوف علوي بن أحمد الحداد، وعن شعر المتصوفة ودوره في نقل الفكر الصوفي خارج اليمن ومعلومات أخرى تبدو مهمة أثناء تحقيق مذكرات الحداد، التي تتحدث عن زياراته إلى المنطقة (الصير) في القرن الثامن عشر الميلادي.

إلا أن الدكتور حمد بن صراي يعترف بأهمية ما قدمه أحمد راشد ثاني من «فكر تاريخي» في اقتفائه لنصوص تاريخية مهمة، غفل عنها الباحثون في المعاهد والجامعات ومراكز البحوث المحلية والخليجية، على الرغم من خطورتها ودورها في «صياغة مستقبل الثقافة» في المنطقة.

تعليقات

تعليقات