سعاد الصباح لـ«البيان»: القصيدة أنثى وإن كتبها شاعر

يمر الشعر بحرية بين اللغة والوزن وحب القصيدة، وفي روح ذلك الشاعر الضائع بأناقة في مواطن الجمال والاكتشاف، ليتنبأ بالكثير، ويكتشف الألغاز والأسرار والعُقد، ويمنح الخصوبة للفكرة ليفكّها ويحلّها في لحظات شرسة يمر بها الشاعر وهو يكتشف الأراضي الجديدة اليابسة، ليملأها رايات الكلمة الخصبة والمدهشة بماء الإبداع...

بين الشعر والشاعر، وبين اللغة والفكرة، حاورت «البيان» الشاعرة الدكتورة الشيخة سعاد الصباح، بعد تكريمها من مؤسسة عبدالعزيز بن سعود البابطين الثقافية بدولة الكويت، وفي أيام مهرجان ربيع الشعر العربي في دورتها الـ11، التي نظمت أخيراً. إذ أكدت في جوهر هذا الحوار أنها ترى القصيدة أنثى، سواء كتبها شاعر أم شاعرة.

 

يتدفق الخيال لدى الشاعر، وينفعل في حدود كلماته وهو في عزلة شديدة الذاتية، حدثينا عن تجربتك هذه وأنت تكتشفين مرآة خيالك في لحظات شديدة الكثافة؟

الشعر كالخيال لا يعترف بمواعيد العزلة ولا بدفتر الحضور والانصراف، فجأة تتشكل سحائبه وتضربك أينما كنت... بمفردك، بين الناس، أو بين صفحات كتاب.

عليك فقط أن تكون متهيئاً ومستحقاً لزيارة هذا الضيف الكبير، فهو لا يزور إلا من يكرمون وفادته.

تواصل رائع

بعد أن تمت ترجمة دواوينك الشعرية إلى لغات عديدة، نسألك إلى أي مدى تعتقدين بأن الشعر يمكن ترجمته إلى لغات أخرى؟

الترجمة نوع رائع من التواصل الفكري والأدبي، يمكن ترجمة الأحاسيس ونقل الصورة كمشهد وحكاية وشخوص، لكن لا يمكن نقل اللغة النابضة بروحها الحية، وتناغم حروفها، وجرس قافيتها، ولا يمكن العثور في لغة أخرى على الكلمة التي اختارها الشاعر من بين عشرات الكلمات لتصبح جزءاً من لحمه ودمه!

أستمتع بالشعر المترجم وأفرح بترجمة شعري، لكن ترجمة الشعر إلى لغات أخرى أحياناً تشبه رحلة بجواز سفر مزوّر!

ركضٌ خلف المستحيل

في مواضيع الشعر المتنوعة بين القضايا المطروحة من ثقافية وعاطفية ومجتمعية وفكرية وعبثية... أين تجد نفسها الشاعرة سعاد الصباح؟

كلما وجدت نفسي في قصيدة هرَبَت إلى قصيدة أخرى، وأظل ألاحقها.

وهكذا الشعر... ركضٌ خلف المستحيل الذي يأتي ولا يأتي!

كتابة

الكثيرون تأثروا بقصائدك الملهمة، وكما أرى أن كل قصيدة لديكِ قضيّتها أو تساؤلاتها تهمّ الحياة وما يجري بين الرجل والمرأة، وكأنها تخلق ذاكرة منسيّة كانت يوماً نضرة، فهل كنتِ تكتبين لإعادة هيكلة هذه الذاكرة؟

- أكتب لأتنفّس. ولأستعير شفاه الصامتين والصامتات، وأصرخ بالنيابة عنهم.

أكتب، لأعيش أكثر.

نقد «سلحفاتيّ»

النقد مجال مهمٌّ للغاية، وفي الغرب حلّت قراءة النقد محل الأعمال الأدبية، فبرأيك: هل لعبت النظرية النقدية دورها كما يجب فيما يتعلق بأدب الشعر لدينا في الدول العربية؟

كان النقد طوال القرن الماضي يمشي بالطريقة السلحفاتية، بينما الإبداع الأدبي سبقه بمسافات. كنا نتوقع أن النقد سيسرع ويركض للحاق بنتاجات المبدعين، لكننا فوجئنا بأن الإبداع الشعري نفسه تباطأ كثيراً... حتى كاد يتوقف!

القصيدة المغناة

تأثر الملحنون بشعرك فلحنوه ليُغنّى، وبالتالي تم إيصاله لجمهور كبير لا يقرأ، وأصبح شعرك ذا مغزى فكري بعد أن وجد انتشاره، فهل تساند اليوم سعاد الصباح الشعراء الموهوبين؛ أولئك المتعبين في ظروف منسية، لتوصيل نصوصهم كمبادرة منها، إلى نفس الإيقاع الغنائي إن كان مستحقاً؟

لم يحدث أن كتبت قصيدة لتغنّى، ولم أسعَ لذلك يوماً، تركت قصائدي طيوراً محلّقة... من شاء أن يحلّق معها وبها فليلحقْ، ومن شاء أن يأخذها بحنجرته إلى فضاء آخر فله ذلك. وأشجِّع الشعراء الموهوبين على الإبداع لا على الركض خلف المطربين، فليس مطلوباً من الشاعر سوى أن يكتب قصيدة جيدة، وهي تتكفل بنفسها بعد ذلك.

هوية

تختلف بعض الشاعرات في كتاباتهن، فمنهن من تحاول الكتابة كامرأة ومنهن كرجل، فالشعر عند البعض هوية مصنّفة للنوع والفصيلة... فما مدى وعي الشاعرات برأيك حين تُكتَب تلك الأفكار الفريدة؟

القصيدة أنثى، سواء كتبها شاعر أم شاعرة، وهذا يكفي.

تأثيرات

وأنتِ تقرئين ما حولك من مجموعات الشعراء الأدبية، بمن تأثرتِ ومن تأثّر بها؟

- تأثّرت بكل شيء؛ بأبي وأمي أولاً، ثم بمدرسة رفيق الدرب الشيخ عبدالله مبارك الصباح، ثم بكل مناهج الشعراء القدامى والمحدثين، التقليديين والمجددين. تجولت في كل بساتين الشعر فوجدت لكل وردة رائحة لذيذة ومختلفة.

الهمم لا تشيخ

إبداعك الشعري حقق انتشاراً وشعبية كبيرين، فماذا عن الآن، هل تخصص سعاد الصباح المزيد من الوقت لإبداعها؟

الحمد لله أن لياقة الفكر لا تتأثر بلياقة الجسد، والحمد لله أن الهِمم لا تشيخ، لكن الوقت قصير، والطموحات كبيرة، و«ذو العقل يشقى في النعيم بعقله».

حقول المستقبل

بعد تكريمات عديدة ومُستحقة، تم تكريمك أخيراً لدى مؤسسة عبدالعزيز سعود البابطين الثقافية، فهل كل ذلك يقود ويحفز مسارك الشعري نحو المزيد من الإنتاج؟

بالتأكيد، إن رهاني دوماً على المستقبل، فما أنتجته لم يعد ملكي، هو ملك القارئ والمتابع والجمهور... أنا أملك حقول المستقبل، وماذا سأخطط لها؟ وماذا أزرع فيها؟ وشكراً لكل من شد على يدي ليكون ساعدي أقوى؟ وشكراً لكل من دفعني لأسقط، فلم أسقط بل تقدمت بهذه الدفعة خطوات إلى الأمام.

وعاء الشعر

يقول البعض: إن الكمية هي مقياس لشاعر جيد، فماذا تقولين كشاعرة لها مسارها الكبير؟

- لا بأس من الكمية والكثافة، بشرط ألا تسكب منها في وعاء الشعر سوى قطرات.

الشاعر يقرأ صفحة ليكتب سطراً، ويقرأ كتاباً لينتج قصيدة، ويمزق عشرات الأوراق لتبقى ورقة واحدة تستحق ختم المرور. ألا ترين أن الجمر مُحاط بكثير من الرماد؟

المحب بطبعه مكسور

بالنسبة لكِ كشاعرة، ما طبيعة أحاسيسك الشعرية..كيف توصفينها؟

يا سيد الكلمات هبْني فرصة

حتى يذاكر درسه العصفور

خذني بكل بساطتي وطفولتي

أنا لم أزل أخطو وأنت قدير

من أين تأتي بالفصاحة كلها

وأنا يموت على فمي التعبير

أنا في الهوى لا حول لي أو قوة

إن المحب بطبعه مكسور

من الإنسان وللإنسان

ونحن في الكويت بمهرجان الثقافة للشعر العربي، رأينا الشاعر يقرأ قصيدته بصوته أمام القراء، بعد أن قرأ له هؤلاء من ديوانه بصمت... برأيك، هل القارئ يشعر بالقصيدة قبل أن يتمكن من فهمها فكرياً؟ وهل رسائل الشعر اجتماعية أم خاصة؟

القصيدة لا تعطي القارئ ثقتها بسهولة، ولا تمنح أسرارها دفعة واحدة، وهذا سرّ خلود قصائد المتنبي وأبي تمام ولوركا. أما رسائل الشاعر فهي إنسانية، من الإنسان وللإنسان.

ريشة في الهواء

ماذا يفعل الشعر للناس؟ وهل تعتقدين أن الشعر مفيد للمجتمع ويساعد الناس لكي يعكس مكنوناتهم؟

- الأمة العربية سجّلت تاريخ عشقها بالشعر، وكتبتْ أحزانها بالشعر، ودوّنتْ بطولاتها بالشعر، وعندما تتخلى عن الشعر تتخلى عن ذاتها... وتصبح مجرد ريشة في الهواء.

دهشة

أيهما أكثر دهشة لكِ: خلال عملية الكتابة وأثناء الانتهاء من القصيدة؟ أم حين ترينها بشكل مطبوع في ديوانك؟

لحظة خروج الجنين من رحم الغيب، تلك هي الدهشة ومنتهى الألق. عندما أسمع الصرخة الأولى للقصيدة، حيث الأمومة الشعرية وشعورها المختلف.

عنوان

وأخيراً، ماذا تعني لكِ عناوينك الشعرية في مجموعاتك التي أصدرتِها طوال السنوات الماضية؟

عنوان القصيدة هو جزء من أناقة استقبال الضيوف. إكسسوار يضيء الكلمة ولا يخبر بما فيها تماماً. أسرار العمق في محيط القصيدة يعرفه مَن يغرق هناك.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات