حصة لوتاه لـ«البيان»:

الثقافة نسيج متكامل يُشكل وعي مجتمعاتنا

تعد الدكتورة حصة عبدالله لوتاه، الأكاديمية وأستاذة الإعلام في جامعة الإمارات، إحدى الشخصيات الثقافية الإماراتية والعربية المؤثرة، إلى جانب إسهاماتها البارزة على الصعيد الاجتماعي وريادة العمل النسائي في دولة الإمارات العربية المتحدة.

وهي صاحبة باع طويل في رفد المكتبة العربية بدراسات ومؤلفات مهمة. وقد التقتها "البيان" أخيرا في حوار موسع، على هامش مشاركتها في مؤتمر مؤسسة الفكر العربي السنوي «فكر 16» الذي نظمته المؤسسة في دبي، تحت رعاية صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، حيث دار الحوار حول الثقافة والإعلام، ورؤيتها الشخصية للعلاقة بينهما وللتحديات الاجتماعية والتعليمية التي تواجه النموذج الثقافي العربي.

كما أكدت في الحوار أن الثقافة لا تقتصر على مسألة التفكير فقط، بل هي عبارة عن النسيج العام الذي يعيشه المجتمع..ولا تتوقف على حضور الندوات والمحاضرات والمناسبات ثقافية.

أنتِ ضيفة حوار الثقافة، وهذه المرة أيضاً ضيفة مؤتمر «فكر 16». وباعتبارك أستاذة إعلام ومن الشخصيات التي يثري حضورها المشهد الثقافي الفكري، فيما يتعلق بمؤتمر «فكر» نريد أن نستطلع رأيك حول العنوان الرئيسي للمؤتمر، وهو «تداعيات الفوضى وتحديات صناعة الاستقرار»، وإلى أي مدى هو مرتبط بالبحث عن نموذج فكري ثقافي نريده أن يكون فاعلاً؟

سأعطي هنا رأيي المتواضع، وبالقراءة البسيطة فقط، الحقيقة أن رؤية المؤتمر الأساسية اليوم هي في أن ينظر للسنوات التي مضت، منذ أن بدأت فكرة ما يسمى بـ«الفوضى الخلاقة» تنتشر، على أنها لا بد أن تنتهي.

لقد كانت هناك أرضيات تسمح بحدوث هذه الفوضى، لعل أهمها، كما يمكن القول، الأوضاع السياسية المتردية والفقر والتردي في مستويات المعيشة والجهل الذي ينتشر في بعض البلدان العربية.. كل هذه العوامل مهدت لها. وفي العموم، أنا أتصور أن دور الثقافة والفكر يحضر بقوة في أي من مفردات وجوانب الحياة في المجتمعات، وهو دور مؤثر وبناء وإيجابي لأبعد الحدود في دول الخليج العربي.

وعموماً أرى أن هذه المسألة وواقعها في عالمنا العربي، شديدة الأهمية بالنسبة لمؤسسة الفكر العربي التي تقدمها وتعنى بها في دراسات وأبحاث متنوعة وفي موضوعات مؤتمراتها، وهو ما يسجل لها ويعزز من دورها وتأثيرها في المشهد الثقافي، وطالما أن ثمة جهوداً مخلصة تقوم بها المؤسسة ومن يهتمون بحضور أعمالها، فنحن نتفاءل بأي جهد تبذله، والمهم هو أن لا تبقى هذه الجهود معزولة عن الواقع، وعن المواطن العربي؛ لكي يكون لها فاعلية وأثر في توعيتنا.

جهود مؤسسة الفكر وصفات تنمية وتطوير مجتمعي غنية | أرشيفية

 

كلنا نتصور كذلك أن مؤسسة الفكر العربي من المؤسسات القليلة جداً التي يعول عليها، هذا في رصيدها، أليس كذلك؟

أجل، وهي إلى درجة كبيرة تعتبر المؤسسة التي تحمل أعباء هذا المشروع الفكري الثقافي غير السهل، كما أنها تعمل بجدية وإخلاص ملحوظين، وهي مدعومة من قبل شخصيات مهمة في المجتمع العربي كله، على رأسهم الأمير خالد الفيصل، وهو في حد ذاته شخصية مثقفة وشخصية عروبية وتنويرية مهمة وصادقة، وبالتالي فأنا أعتقد أن هذا العمل لا بد وأن يعكس تطلعاته ورؤاه. والواقع أنني كغيري أتمنى للمؤسسة أن تكون باستمرار قادرة على تحقيق المزيد من النجاح في الشأن الفكري والثقافي على صعيد الوطن العربي بأكمله.

دور الإعلام

أنت أيضاً أستاذة إعلام، نسألك عن هذه النقطة المتعلقة بالعمل على الصعيد الفكري والثقافي ومدى ما يمكن أن تحققه من نجاح، ألا ترين أن الإعلام العربي ينبغي له أن يشارك فيها، لكي تتقدم جهود هذه المؤسسة وغيرها من المؤسسات الثقافية الأخرى في عالمنا العربي؟

بالطبع، هذه الجهود يجب أن يشارك فيها الإعلام، وذلك بتقديمه لما يستجد على نحو عميق وشفاف، وللأسف فنحن نلاحظ أن الإعلام يقدم في الواقع ما يستجد كخبر أو لقاءات وغيره، ولكن يبقى الهم أو الجانب الفكري الذي يجب أن يكون مرادفاً، ينبغي أن يكون مشروعاً فكرياً له تأثير قوي لكي يصل إلى الناس.

ما المقصود بذلك، هلا أوضحت أكثر؟ وما هي الصيغة التي يقدم من خلالها الإعلام هذا المشروع لكي يتجاوز الصورة النمطية في الأداء، وهي صيغة من الصعب أن تصل إلى الناس؟

لندع هذه الصورة الآن جانباً، وفي الواقع فإن الإعلام العربي متفاوت في أدائه وثمة مؤسسات إعلامية أفضل من غيرها، وبالتالي ليست كلها نمطية. ولو نظرت إلى إعلامنا المحلي فهو جزء من المنظومة الإعلامية العربية، ولكنه يسعى للتطور ويحقق قفزات مهمة. وعلينا أيضاً، كإعلاميين، أن نبقى حريصين على ضرورة أن يعكس الإعلام، كجزء من مهمته، الواقع.

ونحن عالمياً نمر اليوم بمرحلة تسمى حقيقة: مرحلة ما بعد الحداثة، ولو نظرنا إلى الخلف، على مرحلة الحداثة التي سبقتها فالمعروف أنها كانت تحتوي على الكثير من الرؤى التي أتت هذه المرحلة، مرحلة ما بعد الحداثة، اليوم لكي تفندها، ولكن بالنسبة لنا كعرب نحن نبدو في مرحلة أخرى لا تنتمي إلى أي من المرحلتين، وهو ما يسهم في هذا النوع من الفوضى أحياناً، الفوضى التي تحدث عنها برنامج مؤتمر الفكر العربي لهذه السنة سعياً إلى إيجاد أرضية نمارس فوقها الاستقرار.

والواقع أن أول ما نحتاج إليه في مجال الثقافة والإعلام لمواجهة الفوضى هو وجود مرجعيات قوية من الناحية المعرفية والمهنية، هذه المرجعيات تضع الأطر التي توضح الأمور وتبعد بعض الإعلام العربي عن التركيز على أمور ليس لها أهمية البتة كالإثارة مثلا، وسوء فهم معنى الترفيه، هنالك ترفيه راقٍ ومفيد وجميل، ولكنه لا يعني التفاهة مطلقاً.

تأهيل الشباب

احتضنت دبي، أخيراً، مؤتمراً فكرياً (فكر 16) ناقش أبحاثاً فكرية متنوعة، ما مدى فائدة مثل هذه الفعاليات بالنسبة للثقافة والإعلام الإماراتي وللمجتمع كله؟

الواقع أننا بشكل عام نستفيد من الحوار الذي تطرحه المؤسسات الفكرية والثقافية العربية والعالمية التي نستضيفها في دولة الإمارات على المستوى الرسمي والمجتمعي.

والإعلام المحلي..وكونه أداة توصيل الفكر والثقافة..كيف يتطور؟

أعتقد أن هذا الأمر مرهون بارتفاع سقف المهنية، فكلما كانت المهنية عالية، استطاع الإعلام أن يصل إلى المجتمع، وهنالك المعرفة أيضاً، فالمعرفة بالشيء أساس العمل على تطويره، والمعرفة والعلم ضروريان، وهي أمور تختلف عن الاعتماد الكلي على التكنولوجيا.

كما أنني مع إعطاء الشباب الثقة، غير أنه ينبغي ألا يكون الشباب بمثابة وقود للأمور السيئة التي تدمر طاقتهم، علينا أن نساندهم بتوفير القدوة والمرجعية العلمية الجيدة وجعلهم يشعرون بأهميتهم وبأننا نعول عليهم في المستقبل لكي يكتسبوا الثقة. إننا في الواقع نريد لإعلامنا أن تنطبق عليه المعايير التي ترفع من مستواه.

أليست كليات الإعلام مسؤولة عن تأهيل الشباب؟

أحب أن أنوه هنا بأن المرحلة التي درست فيها الإعلام في الجامعة كانت المرحلة الذهبية الثانية لجامعة الإمارات، وكلنا يعرف أن جامعة الإمارات مؤسسة علمية وأكاديمية مهمة وعلى مستوى رفيع، كانت وتبقى كذلك.

وقد لمست في المرحلة التي عملت فيها أستاذة إعلام مستوى عالياً للطلبة ..وأيضاً لديهم قدرات واستعدادات عالية، كما كانوا مبدعين في الكثير من النواحي. إلا أنني أرى أننا في المرحلة الحالية بحاجة إلى أن نفكر بعمق وجدية لتلافي ما تفرزه مسألة التدريس باللغة الإنجليزية من إفرازات بشأن طلبة الإعلام، وهو ما أتصور أنه يؤثر على أداء الطالب الذي سيعمل في المستقبل في مؤسسات إعلامية لغتها هي العربية.

إن المبدأ الأساسي في الإعلام هو أن تكون قادراً على التعامل معه طالما هو يتعامل مع جمهور أنت تفهم لغته وثقافته بشكل أساسي، لأنك لو أردت توصيل رسالة إعلامية أو رؤية في التوعية بشيء معين فلا بد من معرفة مدى استعداد هذا الجمهور ونوع الوعي الذي يمتلكه ويمكن التحاور معه عبره.

متغيرات ثقافية

لو انتقلنا من الإعلام وكيفية توصيله الرسالة الثقافية إلى الثقافة وأنت كمعنية بالثقافة بشكل كبير، ما هو حال الثقافة الآن في الوطن العربي؟

صراحة أنا من الناس الذين ينظرون إلى الثقافة على أنها لا تقتصر على مسألة التفكير فقط، ولا تتوقف على حضور ندوات ومحاضرات ومناسبات ثقافية، إن الثقافة هي النسيج العام الذي يعيش به المجتمع.

وهذه الحال تنطبق علينا في مجتمعات دول الخليج العربي ودولة الإمارات العربية المتحدة بشكل خاص، فالثقافة هي النسيج العام والبناء الهيكلي الأساسي الذي يعضد مسيرة التقدم والتطوير ويجب أن نحافظ عليه ونغذيه بشكل سليم ودقيق، وهنا أعود إلى أهمية الإعلام الذي لا بد وأن يكون قوياً لكي يضع نصب عينيه كل ما يحصل من متغيرات في المجتمع؛ بحيث يدرسها ويخرج منها بصيغة تفيد الدولة على نحو أكبر في توفير ما يحتاج إليه بشكل آمن. كما أننا كدول يتزايد عدد سكانها بحاجة إلى تلمس مشكلات كل شريحة اجتماعية ضمن إطار يخدم المجتمع الذي يعيشون فيه لنعيش بسلام.. إن إعلامنا في تعامله مع الثقافة يحتاج إلى متخصصين في كافة المجالات الاجتماعية والنفسية والصحية والرياضية وفي ما يخص قضايا المرأة وكل ما تحتاجه جوانب التوعية.

لا بد للإعلامي أن يكون مثقفاً في مجاله على الأقل، وان يكون لديه وعي بتأثير الصورة مثلاً في التلفزيون: كيف تؤثر الصورة على المشاهد؟ وكيف تؤثر على اللاشعور لدى الإنسان؟ هذا ما يفعله الإعلام المتقدم حول العالم، وهو ما يجعل للإعلام هدفاً، وحتى الترفيه له هدف.

إذاً من وجهة نظرك فإن الثقافة يجب أن تفعل والإعلام هو أحد أهم وسائل تفعيلها، أليس كذلك؟

الواقع أن الثقافة موجودة وفاعلة ولكن ينبغي أن يكون ذلك في الاتجاه الصحيح، في نسيج مجتمعاتنا توجد ثقافة ولكن كيف تتم متابعتها ومعرفة تأثيرها؟ هذا هو السؤال، وهذا لا يتم إلا بالدراسة والبحث المستمرين، وأنتم تعرفون أن الثقافة تُستهدَف أحياناً وعن طريق أية وسيلة، سمعتم قبل فترة بلعبة «الحوت الأزرق» التي قادت إلى انتحار أطفال، وهناك رسائل كثيرة يمكن أن توجه للطفل لكي ينضم إلى جماعات إرهابية لا هدف لها سوى تدمير المجتمعات، في البعد الإنساني هذا شيء خطير جداً.

الدكتورة حصة لوتاه أهدت "البيان" ثلاثة من كتبها، حدثينا عنها..

أولاً مجموعة قصصية هي «في الصحراء ورد» كتبت معظمها في الثمانينيات، وكنت قد ركنتها جانباً، ثم فجأة قررت أن أجمعها في كتاب ونشرت سنة 2014. الكتاب الثاني حول اهتمامي القديم بالأمثال الشعبية لأنها بدأت تختفي، وبالنسبة لي فهي تعكس ثقافة تلك المرحلة التي وجدت فيها، فاشتغلت عليها بشكل سريع على أن أعود إليها في القادم من الوقت وأشتغل عليها بشكل أفضل في نسخة ثانية إن شاء الله. الكتاب الثالث عبارة عن مجموعة مقالات كنت أكتبها في صحيفة «البيان» ثم توقفت بسبب انشغالي.

إضاءة

الدكتورة حصة لوتاه. حاصلة على شهادة الدكتوراه في الإعلام- تخصص الاتصال الجماهيري، من جامعة «أوهايو» الأميركية. عملت أستاذة مساعدة ورئيسة لقسم الاتصال الجماهيري بجامعة الإمارات. كما عملت مخرجة في تلفزيون دبي، وعملت أيضاً في جريدة الخليج.

صدر لها العديد من البحوث الأكاديمية، أهمها : «التكنولوجيا وسؤال الثقافة»، «جدلية التجلي والخفاء: استخدام التأويل في قراءة الصورة المرئية للمرأة»، «وضعية المرأة في الإسلام»، «رؤية تأويلية في أمثالنا الشعبية».. و«في الصحراء ورد» وهو عبارة عن مجموعة قصصية.

المسؤولية تجاه البيئة

تؤكد الدكتورة حصة لوتاه في كتابها «الماء أغلى من النفط» أن الوعي بمشكلات البيئة، وبخاصة تلك التي تؤثر بشكل مباشر على حياة الإنسان وحياة الكائنات الأخرى التي تعيش فيها يعكس مستوى وعي الإنسان ودرجة شعوره بالمسؤولية تجاه نفسه، عائلته، وطنه، والعالم الذي يعيش فيه.

وفي معرض حديثها عن المشكلات التي تهدد الوجود الإنساني فإنها تركز على مشكلة المياه، مسلطة الضوء على حقيقتين: الأولى هي أنه لا توجد في منطقتنا مياه جوفيه أو مصادر مياه طبيعية أخرى نستطيع الاعتماد عليها في حياتنا.

والحقيقة الثانية والمهمة هي أننا في الإمارات نعتمد على مياه التحلية، ولو تجاهلنا الكثير من المشكلات التي تنتج عن مشاريع تحلية مياه البحر، مثل زيادة الملوحة فيه نتيجة لهذه العملية وما تحدثه من تأثيرات على البيئة البحرية، وركزنا فقط على حجم التكلفة التي يتحملها البلد في هذا المجال، لوجدنا حجم الصرف غير العادي الذي تتكبده الدولة في سبيل توفير المياه. وتحيل د. حصة لوتاه في هذا الصدد إلى الإحصاءات الواردة بشأن حجم الصرف على تحلية جالون من المياه، مبينة أنه يزيد أربع مرات على حجم الصرف على استخراج جالون من النفط.

أي إنه إذا كان جالون النفط يكلف استخراجه في حدود الدولار، على سبيل المثال، فإن الماء في تحليته يكلف حوالي 4 دولارات. وهذا ما يتطلب الاهتمام بحجم هذه المشكلة والنظر في كمية إهدار المياه، وكذلك التوسع الجغرافي والسكاني الذي ينتشر على حساب البيئة.

تعليقات

تعليقات