أحمد العسم: الشعر أجرأ تعبيراً عن الحب والحياة

يحتل الشاعر أحمد عيسى العسم موقعاً مهماً ومتميزاً في المشهد الثقافي والأدبي الإماراتي، وهو من الجيل الثاني مع أسماء شعراء، يذكر منهم: الهنوف محمد وعبدالله عبدالوهاب وعبدالله السبب وسعد جمعة.

أسماء تأتي مباشرة بعد مجموعة من الأسماء المهمة في تاريخ الحركة الشعرية الإماراتية الحديثة، مثل صديقه الشاعر الراحل أحمد راشد ثاني.

وقد صدر له ديوان مشترك بعنوان «مشهد في رئتي» 1998، «يحدث هذا فقط» 2002، «صوت الرمان» 2010، «ليل يبتل» 2012، «في غفلة الماء» 2015 «تحت الظل الكثرة» 2017 وبالعامية «فنر» 2011، و«ماي وطين».

أحمد العسم عضو اتحاد كتاب وأدباء الإمارات، ونائب رئيس مجلس إدارة اتحاد كتاب وأدباء الإمارات، ورئيس مجلس إدارة كتاب وأدباء الإمارات فرع رأس الخيمة، وعضو مسرح رأس الخيمة الوطني، وعضو مؤسس في مجلة الملتقى الأدبي.

في حواره مع «البيان» يؤكد العسم أن جمالي القلب والقصيدة متأتيان من الوعي من دون أهمية التفاصيل الصغيرة، وأن الشعر أجرأ تعبيراً عن الحب والحياة، فإلى التفاصيل.

أتلمس اللحظة

ماذا عن الشاعر في شخصيتك، وهل تشعر أن اجتماع جمالي القلب والقصيدة لديك، أن هناك شيئاً قوياً يقلقك، وإلى أي مدى يؤلمك الشعر وجمال القلب؟

لقد كتبت القصيدة... وأنا في المستشفى، وبدون رياء أو مبالغة، كتبتها وأنا في عز ألمي على مشرط الجراح أو على آلة تبحث عن قلبي، تحفز جسدي على الشعور بأنه موجود وحي، كما أنني أستشعر بالنص من خلال ضحكة أو ابتسامة.

أشعر بأن الآخر لا بد وأن أعامله كذلك، لا بد أن أرى بعيني الحلوة الأشياء الجمالية من خلال الألم، الجمال يجتمع من خلال الألم وفي هذه الأثناء أتلمس اللحظة المنتظر لها أن تأتي بعد المعالجة والمعافاة وغيره.

وللدخول في التفاصيل، لقد خضعت لعملية القلب الأخيرة وكتبت عشرة نصوص شعرية، كتبت عن القلب وكيف يتعامل الجراح مع شاعر، لقد كانوا يتعاملون بود، وهو ما يجعلني أشعر بفرح شديد لأنني أخذت من الألم الجمال فلذلك شعوري بالجمال يتلخص أيضاً في إيصال رسالة مهمة، وهي أنه ينبغي لنا أن نتفاءل بشيء كالوعي، الوعي بأن الحياة لا تنتهي عند هذه التفاصيل الصغيرة.

بساطة الآخرين

خصصت جزءاً من منزلك ليكون مكتبة شخصية وجزءاً آخر للعصافير والطيور. ما هذا الجمال الذي أضفته إلى روح الشاعر، هل هو الكتابة تغريداً؟

الحقيقة أنني آخذ من بساطة الآخرين هذا الجمال، الفكرة أو الأفكار التي تطرأ لي ولغيري تتلخص في أنني تعودت على أن أزور أماكن بعيدة وقديمة بها الحمَام والعصافير، وما إن أصبح لدي حفيدتان حتى أخذت أفكر في تقديم شيء يشعرهما بالبهجة والفرح.

فكنت آتي لهما بالعصافير ويأتي المشهد الجميل أو الصورة التي قررت أن أنقلها أخيراً إلى داخل البيت، إلى «المستطيل» هكذا سماه أحد الصغار، وفي هذا المكان توجد المكتبة.

والواقع أنني أستمتع بهذا الجمال، أشعر بالراحة، وكما قلت لكم، أصبحت أرى «بعيني الحلوة التي تعطيني جمالاً واسعاً» حسب نصيحة ابنتي التي تقدم رسالة الدكتوراه في نظرية الجمال، لذلك فأنا أحس بأن الآخرين ممن لديهم أشياء جميلة رائعة يضيفون لنا أشياء أروع في حياتنا، إن الألم في يدي اليسرى يتحول بهذه الطريقة إلى جمال في القصيدة، كذلك نحن أخذنا هذا الجمال من أهلنا، أجدادنا «إن الكبد الرطبة يجب أن نملأها بشيء».. الذات الرطبة يجب أن نملأها بشيء كالجمال.

تتواصل مع الأجداد؟

دائماً، دائماً، ولذلك كتبت شعراً عامياً أيضاً، باللهجة القديمة لأهالي رأس الخيمة وفي قصيدة «أطير وعيني على البيت» أتحدث عن صبي مشاغب اسمه أحمد تعود أن يرسم شجرة يابسة (كانت تروي عطش جوفي) وكان يحب الجري في مزارع النخيل وكانوا يستأجرونه مع غيره من الصبية في أعمال خفيفة كري المزروعات، وكان يسقي نخله يسقي نخلاً آخر، وكان يغني ويردد مع «البيدار» أهازيجه وكان يشعر باستمرار بأن في داخله ظمأ ثم يتساءل: لماذا يضحك الناس؟ ولما كبرت تبين لي أن المعاناة ليست مقصورة على هذا الصغير اليابس وأن هناك ألماً آخر، أكبر من ألمي موجود في أماكن كثيرة كالمستشفيات والطرقات، لدى هؤلاء العمال مثلاً، ولذلك تمنيت من هذه الروح اليابسة أن تكتب لأن الله منّ عليها بموهبة الكتابة، وللمرة الأولى أقدم أبياتاً من هذه القصيدة ل"البيان" لنشرها:

"جمعت من النخل وايد في شف حبكم ما عطش نخل،

شرب من مائكم واحد يا حلو الرطب وعذوجه لي ذاق الرطب من شفاكم واحد، فديتكم واحبكم، واحب ماءكم، جمعت من النخل وايد وصار في شف حبكم نخل واحد".

هل يختفي ألق الشعر أمام ألق الرواية ؟

الآن، لو غادرنا هذا الجمال، تركناه في قلب الشاعر وتوجهنا إلى جمال المشهد الشعري العربي، هذا الجمال ربما كنت تشعر به كما لو أنه انحسر قليلاً، ومنذ وقت قصير كتب الشاعر اللبناني المعروف «شوقي بزيع» يقول وأقتبس" «لم يتوقف البعض عن التهليل لصعود الرواية عالمياً والاحتفاء بالمنجز الذي حققته في فترة قصيرة وهم في الواقع لا يبتعدون عن الحقيقة». وهو كما لو كان اعترافاً بأن تسونامي الرواية قاد إلى خفوت ألق الشعر، هل يترنح الشعر في هذه المرحلة من تاريخنا الثقافي العربي، هل يختفي ألقه أمام ألق المنجز الروائي؟ لدي سؤال لكتاب الرواية

هل اقتنصتم شيئاً، هذه هي الرواية، هي هذا الاقتناص؟

الصحيح أنني شاعر يقرأ الشعر ويستمتع بهذه القراءة، وأشعر بأنني لا أؤيد ولا أعارض هذا الكلام، أنا فقط أريد أن أطرح سؤالاً: أين الرواية؟ صحيح أنها موجودة ولكن ليست هناك رؤية بعيدة.

لقد اجتمعت بكتاب وكاتبات وسألتهم: هل جلستم إلى أجدادكم وأمهاتكم وآبائكم، هل خرجتم إلى أماكن تواجد الناس، هل اقتنصتم شيئا، هذه هي الرواية، هي هذا الاقتناص، أذكر رجلاً متقدماً في السن لديه كوخ مخصص «للمالح» يعمل فيه لأكثر من خمسين سنة، يقوم بتجديده، فصرت أتردد عليه أستمع إلى روايته، هذه رواية، الرواية تحتاج إلى تفاصيل مهمة، إلى مضمون، وإلى نفس طويل لكي تكون هناك حكاية، ولكن للأسف هناك من يندفع في الكتابة وأتصور أن دور النشر مسؤولة هنا عما يحدث.

أما بالنسبة للشعر فهو سيبقى، هذا الشعر الذي يمس حياة الناس سيبقى، أنا في الواقع، أؤيد ما قاله الشاعر شوقي بزيع من ناحية ومن ناحية: أين هي الرواية بالمعنى الصحيح؟ خطأنا من أنفسنا هنا وليس من الرواية، هناك خلط ولذلك فالشعر باق.

ماذا تقصد بالحكاية؟

حكاية عن العالم الجميل فعلاً من حولنا، أتذكر هنا ما كانت تقوله جدتي «إذا حبي عودني على عادة وقطعها، اقول حبي جفاني» وكنت إذا لم أنم بالقرب منها ليلة لتحكي لي حكاية تتضايق، لنتعود على الاستماع إلى روايات الآخرين لأنها محرضة على الكتابة.

ألم يرتكب الإعلام العربي خطأ في ذلك؟

خطأ كبير، الآن أصبحت وسائل التواصل هي التي توصل الإبداع وليس الصحيفة مثلاً، ما فائدة أن ترسل نصاً ولا ينشر؟ الواقع أن وسائل التواصل الاجتماعي تنشره لك ليصل إلى أي مكان في العالم في ظرف دقيقة واحدة، بالنسبة للنشر في الجريدة تتردد كثيراً، وفي الكثير من الأحيان لا يوجد حتى ملحق ثقافي يعمل كمنبر للثقافة في الصحيفة، كما أن هناك قوانين النشر وغيره ولهذا يضطر الكتاب أحياناً إلى طباعة أعمالهم في مكان آخر، كما أنه لا يوجد من الناشرين العرب من لا يشجع على النشر بدون واسطة، إنها مشكلة المثقف العربي، وليست مشكلة الشعر.

تصور أنني ذات مرة كنت أقدم فيها قراءة لنصوصي لكن دون أن يتم تقديمي للجمهور، سيرتي الشخصية، ولما حضر أحد أساتذتي القدامى هذه الأمسية قمت لأقبله وأثبت لهم أنني تلميذ هذا الإنسان كتعريف لنفسي.

وهل توجد قصيدة كهذه تحمل كل معاني الإنسانية؟

هذه قصيدة كتبتها، وبالمناسبة فأنا شاعر يقرأ الرواية كذلك وأقرأ للشباب وأتابعهم ولا أتجنى على الرواية ولا على الكتاب الشباب.

طلال سالم شاعر جميل وأحب شعره بالمناسبة

روح جميلة

مَن من هؤلاء الكتاب الشباب يعجبك؟

في الشعر هناك كثيرون وأنا أقرأ لطلال سالم، إنه شاعر جميل، أحبه كإنسان وأحب شعره بالمناسبة.

هذا الشاعر توجد بداخله روح جميلة، روح حداثية، وهو جميل في كل حالاته، وإنسان أجده دائماً أبيض اللون أتمنى باستمرار أن يكون الآخرون بنفس هذه الروح وهذه الجمالية، بهذه «الوسادة»، أثناء مرضي كان يطمئن علي ويزورني في المستشفى وكانت لديه مشاعر مختلفة لم ألمسها إلا في الشاعر الراحل أحمد راشد ثاني عندما كنا نرقد معاً في المستشفى، حتى إن «طلال» كان يعتقد أنه لا بد من تغيير وسادة المستشفى لأنها لا تشعرني بالراحة وبالمقابل يأتيني بوسادة تريح جسدي، كنت أتساءل: ما هذه الشاعرية الموجودة في هذا الإنسان؟ نحن نحتاج إلى هذا النوع من الإنسانية، هؤلاء الذين يشبهون طلال سالم يحضنونك لكي يعطوك القدرة على كتابة الشعر.

الواقع أنني لا أجد في مثل هذه المواقف شيئاً آخر غير الصمت الذي يبعثرني من الداخل ثم يعيد ترتيبي مرة ثانية.

الشعر يحتاج كاتبه إلى هذه الخلطة الإنسانية الجميلة.

رمزية وحداثة

عن رؤيته للمرأة في حركة الشعر العربي الحديث، وفي الإمارات ، يقول الشاعر أحمد عيسى : بحكم أنني شاعر فأنا أحب المرأة، وقد لمست من المرأة هذا الود الكامن في شراييني، والمرأة متألقة كذلك كشاعرة وأنا أتابع ما تنشره الشاعرات عبر وسائل التواصل وأعلق عليه لو تطلب الأمر، كما أشعر بأنهن بدأن يكتسحن المشهد الشعري، هناك رمزية جميلة وحداثة في قصائدهن.

والشاعرات الإماراتيات جميلات ولا ينقصهن غير الحوار في النص، أعني أنك عندما تكتب قالب الشعر في النص فهو لا يريد القالب الواحد، هو يحتاج إلى تنويع، هو بحاجة إلى ما يحدث الصدمة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات