تستمد بذرة نصها من خيال متجرّد لتخلق نافذة على جدار اللغة

أسماء بنت صقر القاسمي: الشعر رئة كونية تتّسع لكل الأنفاس

الأديبة أسماء بنت صقر بن سلطان القاسمي شاعرة ابنة شاعر، تحمل في أنفاسها أرضها وقصيدتها كعصفورة مشاكسة ومسكونة بثقافة عربية تفيض بتجربتها من خلال رؤاها الأدبية الآتية من عبق حاضرها الملون حتى ترسم أبجدياتها التي تتشكل لغاياتها الشعرية النامية والمرتبطة بفكرتها الطفولية بنموذجها الناضج ذات الطابع الإنساني الذي يحن على الدوام إلى وطنه؛ نحاورها اليوم حواراً بدت إجاباتها فيه أشبه بشعر.

الثقافة العالمية

كأديبة تبحث عن الجمال والمعاني السامية، من أين تستقي أسماء الشاعرة إرثها الثقافي لتكتب دهشتها وهي محلقة في سماوات إحساسها؟

نحن في زمن الثقافة العالمية، والإرث العالمي هو إرث ثقافي مشاع، لتقودني أفكار خاصة وتلوح في سفري الذهني بين الأدب والفلسفة الشرقية عامة والعربية خاصة، خصوصاً العرفانية والصوفية.

إن قلنا إن ثمة مرجعية للشعراء، من الناحية اللغوية والجمالية في عوالمهم المبدعة، فما هي المراجع التي تصب في بحور شعرك أثناء تأسيس قصيدتك؟

مركزية الفكرة

نطاقها

فضاء الصورة

متواليتها الخلقية في اللغة

إحساسي الوجداني المسافر فيها.

قراءات

قراءة الإبداع بكل أجناسه يعوض على المبدع أحياناً علاقاته مع الناس المنشغلة بالشبكة العنكبوتية، فماذا تقرأ أسماء؟

مجموعات شعرية كشعراء العصر الجاهلي أصحاب المعلقات الخالدة، ويستهويني جداً قراءة شعراء الصعاليك، وما بعدهم كشعراء العصر الأموي والعباسي والأندلسي، وحتى العصر الحديث اقرأ من شعر والدي ..والجواهري ونزار قباني والسياب وأبوريشة وغيرهم من الشعراء. أما الرواية والقصة فأنا اقرأ للكثيرين بغض النظر عن موطن الكاتب، أمثال فرانز كافكا وإميل زولا، وللروائيين الروس مثل ألكسندر سولجنيتسين وتولستوي ودستويفسكي وأنطون بافلوفيتش وتشيخوف.. وغيرهم.

تضم أسرتك العريقة الكثير من القامات الثقافية التنويرية من الشيوخ الأدباء والكُتاب عبر تاريخ العائلة الطويل. فهل مرد ذلك تشجيع الآباء لأبنائهم منذ القدم للشعر والتوثيق والفنون بشكل عام؟

هناك ملكة وجدانية تشكلت في نطاقنا العائلي حول هذه المزية..وهي ذات رمزية عميقة وكأنها شيء من صميم ذواتنا حتى باتت نسقنا العائلي بشكل متوارث.

مشيمة الروح

كلباء مدينتك التاريخية القديمة والتليدة، حدثينا عن علاقتك الشعرية بها، وعن طفولتك والأجواء المحيطة التي خلقت منكِ شاعرة؟

كلباء مشيمة الروح

تحملني وأحملها

نحتت في طفولتي يواقيت الفرح

ورسمت في خيالي لوحات إبداعية في كل لوحة نبض يتسع من أحداثها خارج الجهات.

بين الليل والنهار، كيف يتحكم الزمن بأسماء حين تكتب القصيدة؟ وبين المكان والمكان، أين تكتب أسماء تلك القصيدة؟

في الليل أعيش النص كممحاة

لذ امتص عتمته

لأمحو كل شغب الحزن الذي يلمع

والذكرى النازفة

في النهار

أوقظ المعنى النائم

أغرد في أذنه

وأتنقل بين أعشاش الأفكار

كعصفورة تقدر تجلياتها في تحديد هويتها اللحظية مع الضوء

أما الأماكن فهي ليست سوى انعكاسات لمشاعرنا الآنية

تجد ظلالها في الروح تحن إليه وتعبر عنه..

نافذة على جدار اللغة.

ما الذي يتعبك أكثر، حمل القصيدة أثناء ولادتها العصية، أم العناية بها وتشذيبها وهي تبدو كامرأة مغرورة ومستفزة؟

هي تتكون بذرة للنص من خيال متجرد وتأخذ دورة شجرة لذا تسافر من ماء ذاكرتي وحين تتشظى ببارود الوجدان أو النطاقات الغامضة، تتزاحم في بوابة القلب في مخاض البهت حتى تخلق نافذة على جدار اللغة لتمر منه.

يقول الشاعر «أوفيد»: «الحبُّ ضربٌ من الحرب، والشر ضربٌ من الموت» لكن ماذا عن ضرب الشعر برأيكِ مما يكون؟

الشعر ضروب من الخطر والأمان معاً

من الحياة والموت

من كل الأضداد

إنه كيمياء الزمن في بوتقة اللغة والجسد وماء يغرق في الظمأ..

تجدد الشعراء

الشعراء عبر العالم، مثل :الكويتي فهد العسكر والمصري أمل دنقل والتونسي أبو القاسم الشابي واللبناني فوزي معلوف والفرنسيان «رامبو» و«لوتريامون».. والغرناطي «لوركا»، والروسي «ماياكوفسكي»، وأبو تمام.. كل هؤلاء ماتوا باكراً وهم في سن السباب.. وأغلب أسباب موتهم هواجسهم وقلقهم، وحزنهم الذي رافقهم حتى الموت، فماذا تقول أسماء حول هموم الشعراء؟

هم الشعراء

هو ضيق الجهات بهم..

ورتابة الزمن في لحظة تجددهم

وشتات العالم في أذهانهم..

يضيئون في الفضاء الأعمى

يعزفون بالكلمات في عالم بات أكثر صمماً خصوصاً في هذه المرحلة..

السياسة والثـــقافة هذه الثنائية، لم تكن علاقتهما على ما يرام فيما مضى من تاريخ العرب، فهل تعتــــقدين بــأنه من الممكن أن تقام صداقة بينهما؟

لن تكون هناك صداقة بينهما إلا في تحول الدور بحيث إن الثقافة هي الحصان الذي يقود عربة السياسة، هنا يمكن أن تنشأ مصاحبة وعلاقة تفاعلية تؤدي إلى مسارات من وعي يسمح بالتكامل.

رئة كونية

الرواية والقصة، خلقتا ورسمتا لنفسيهما امتداداً حركياً، إن كان مشرقياً أو مغربياً أو خليجياً.. فهل تعتقدين أن حركة الشعر في العالم العربي الآن قد خلقت لنفسها مساراً مذهبياً ودينياً وسياسياً؟

أرى أن الأبعاد الشعرية تتجاوز التأطيرات، لأنها تنتقل في إيقاعاتها بين اللفظ والمعنى والإشارة لتثقب جدران الأطر وتخلق رئة كونية تتسع لكل الأنفاس.

من يبحث عن الشعر يجده ومن يبحث عن الرواية يجدها، لكن الجدل حول زمنهما ومجدهما أخذ يتمدد باستسهال، وكأنه لا حديث لنا سوى ذلك.. أمام كل ذلك، ما هو اعتبار الشعر في مجتمعنا الآن؟

أحياناً نكون حبراً شعورياً لما نكتبه. إنه اندلاق الغيبي منا على كؤوس الوقت أو حلول صوفي على جسد اللغة.

مهبط القصيدة

يقول الرواة عادة نحن لا نعرف لِمَ نكتب؟ فهل يعرف الشعراء لِمَ يكتبون؟

الشعراء لا يكتبون القصيدة بل تهبط القصيدة كوحي نتيجة حدث أو ظرف معين أو حتى من دون أي مناسبة، أما من يكتب لأنه يود أن يكتب لحدث ما فهذا يكون ناظماً أكثر منه شاعراً ومتكلفاً في الغالب وبعض الشعراء يكتب الاثنين، شعراً ونظماً.

ما الذي يوجد بداخل أسماء الطفلة لا الشاعرة، وأقصد بالتحديد في تلك الأعماق المدللة؟

في أسماء الطفلة جنون صاخب تمرد على السياق الزمني.. ثورة عطرية في زوايا الحنين.

ضوء الأدب

بين حالات الشاعر التي تهاجمه، من مزاج وعزلة وقلق وحزن وشغب وحب، وبين واقع الوطن والعائلة والتراث والواقع، كل ذلك له دور في إبداع أسماء حين تقترب منها طيور الشعر، فإلى أين تمضي رسائل الأدب بكِ؟

رسائل الأدب أحياناً تكون طاقية إخفاء من مشاهد واقعية فجة..

طوق نجاة في غرق اللحظات الآسنة..

وأحياناً سكيناً فوسفورية ذات ضوء مغرٍ.. وينسيك جرس الجرح..

رونق الذات

قصائدك تقول إنك امرأة عربية حرة وشجاعة، وذات حمية وكبرياء وأنفة.. ولديكِ الكثير لتتحدثي عنه، فهل تفكرين بكتابة سيرتك الشعرية الذاتية يوماً؟

أنا لا أفكر في ذلك لأن رونق الذات في ظليتها أكثر وأكبر في سر آنيتها، وكأن وضوحها يقتلها لذلك نكتب الشعر كي نعبر عن ذواتنا من قنوات فيضه دون أن يجرحها الطين أو يخنقها اليقين.

حدثينا عن الجيل الجديد من أفراد أسرتك، وتحديداً من الموهوبين إن كانوا في الشعر أو في حقل آخر، هل راقبتِ ولاحظتِ من هو قادم إلى عالم الإبداع مِن المواهب الشابة والجديدة؟

أتوسم خيراً في ابن أختي الشيخ مايد بن خالد القاسمي، فهو يكتب قصائد رائعة وكذلك القصص القصيرة، ولكن للأسف باللغة الإنجليزية. أتمنى أن أراه يكتب باللغة العربية قريباً، فهو يملك حساً أدبياً مرهفاً، وكذلك ابن أخي الشيخ سلطان بن سعيد القاسمي، يمتلك موهبة الرسم التشكيلي.

متى نرى ديوان شعرك الجديد؟ وهل سنكون على موعد مع قراءة قريبة لكِ بمهرجان أو ملتقى شعري؟

إن شاء الله إن استطعت الانتهاء منه سيصدر ديواني الذي سيضم قصائد عمودية في الفترة المقبلة.

كلباء

رقصت في فضائها الأسماء

                 حين فاضت بوجدها كلباءُ

وردة من شموخها تحتويني

                  فـي بهاء وترتديها السماءُ

هبه الله بهجة العمر أنسٌ

                       وانشراحٌ ونعمةٌ وبَهاءُ

ذكرياتي طفولة الشهد فيها

                     ولها عندي لوعة وبكاءُ

فجرها يغسل الميادين عطراً

                      ليلها يستحم فيه الفضاءُ

ذات عرش من المعاني بقلبي

                     فيه مجد وسلطة واستواءُ

نثرت في دمي من الوجد عطراً

                       وسقاني سر الحياة حياءُ

درب شعري وأغنياتي وحبري

                   رغم ما يفعل الهوى والعناء

فرحي يرتدي الليالي بوصف

                    تحتفي بي لوصفها الأشياء

هي من هيكل الصلاة وشاح

                    وهي من خيط أمنياتي رداءُ

يتلظى ثلج الأماني غراماً

                      وصدى حبها بصدري بلاء

نسمة من صباحها تحتويني

                           فيزيد الحياة فينا انتشاءُ

سافر الوقت في حنيني إليها

                         نارها في دمي نبيذُ وماء

لها شوق بمهجتي يتلظى

                       رغم قربي كل المعاني ظماء

هي قطر من غيمة الله تهمي

                           وفؤادي طول الليالي إناء

أسماء بنت صقر القاسمي، شاعرة إماراتية، حاصلة على بكالوريوس علوم سياسية واقتصاد، ودراسات في الفلسفة ومقارنة الأديان، لها مجموعة من الأعمال الشعرية، من ضمنها «معبد الشجن»، و«شذرات من دمي»، و«شهقة عطر»، و«طيرسون الحنين»، و«هواجس الندى»، و«امرأة خارج الوقت»، وهي عضو مجموعة من الروابط الشعرية العالمية، مثل حركة شعراء العالم في شيلي، كما رعت الموسوعة الكبرى للشعراء العرب في جزئها الأول.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات