طالب الرفاعي لـ«البيان» بعد صعود روايته إلى «بوكر العربية»:

«النجدي» احتفاء بجيل من بحارة الكويت الأفذاذ

صورة

صعدت رواية «النجدي» للروائي الكويتي طالب الرفاعي إلى القائمة الطويلة للجائزة العالمية للرواية العربية، والمعروفة بالـ«بوكر» هذه الجائزة الأدبية العالمية التي تمنح الأدب العربي قيمة عالمية، وقد جذبتنا الرواية بعنوانها الذي اعتمد على كتابتها تحضيرات ومعلومات وتدوين، حتى وصلت إلى مراحلها الأخيرة، لتدرك الفكرة أنفاس القارئ من خلال البطل النوخذة علي ناصر النجدي على دفتر الأمواج في بحر الخليج العربي.

مع طالب الرفاعي كان لنا هذا الحوار:

مغامرة

درجة الوعي لدى الروائي مهمة لأنه يرحل في مجاهيل النفس الإنسانية ويصافح النص من خلال السرد، فكيف تستعد للرواية؟

الرواية، أي رواية، هي في الأصل فكرة. ومتى ما ذهبتُ واعياً لفكرة ما، وراحت تشاركني لحظتي، تصبح وتمسي معي. تلح عليَّ همساً وصراخاً، لفترة تطول أو تقصر.

وحين تأتي لحظة أشعر معها بأنني صادقت تلك الفكرة بما فيه الكفاية، وأقمت علاقة وطيدة وحميمة معها، لحظتها اتخذ قراري لكتابتها. وهكذا أبدأ بالبحث والدراسة والتخطيط لكل ما يحيط بعوالم الفكرة وحدثها وزمنها وأبطالها. فكتابة الرواية مغامرة معرفية أعيشها مع الحكاية والإنسان والأمل وأخيراً مع القارئ.

عن رواية «النجدي» التي ترشحت للقائمة الطويلة لجائزة البوكر هذا العام، وكأنك تحتفي بـ«النوخذة» علي ناصر النجدي عربياً وعالمياً، فمن الجميل صعود الشخصيات المحلية ووصولها للآخر البعيد، حدثنا عن هذا العمل المهم؟

«النجدي» هي احتفاء بالقبطان/‏ النوخذة الكويتي علي ناصر النجدي، مثلما هي احتفاء ببحارة الخليج العربي من جهة وبالبِحارة العربية من جهة ثانية. ولقد سبقني البحار والكابتن والمؤرخ والمصور العالمي «ألن فاليرز-Alan Villiers» بالكتابة عن علي النجدي، وذلك في كتابه «أبناء السندباد-Son of Sindbad» الصادر سنة 1940، لكن الفرق بين الكتابين هو أن ألن يؤرخ لرحلة بحرية قام بها مع النوخذة علي النجدي، بينما تتناول رواية «النجدي» آخر (12) ساعة في حياة الرجل. وكيف لها أن تكون سبعين عاماً من حياة المجتمع الكويتي.

توظف في «النجدي» نعمة الذاكرة لأفراد من الوطن لخدمة المتخيل في الرواية، فهل هذا الحب برأيك موقف لكاتب رصين، أم أنها مسألة إنسانية أنيقة؟

رواية النجدي تتناول حادثة حقيقية حدثت في شهر فبراير عام 1979، وبالتالي كان عليَّ أن أجد معادلتي الخاصة التي تمكنني من كتابة حياة وتاريخ النجدي وعلاقته مع البحر وعائلته ورفاقه، في قالب روائي.. هو المأزق، كيف تحول التاريخ المصمت لرواية تضج بالحياة.

ولكن وكما تعرفين فإن ثوب الرواية واسع جداً، وهذا ما كان؛ جاءت الرواية بصيغة ضمير المتكلم، بعد أن تبرع علي النجدي مشكوراً ليكون راوياً، وشاهداً على حياته وحياة الكويت، وحتى آخر لحظة في عمره.. في الكتابة الروائية؛ الكاتب يختار شيئاً ليكتبه والرواية وأبطالها يتحققون بكتابة أنفسهم بأنفسهم.

إخلاص

للرواية مآثرها ومآزقها، خاصة بعد مضي ثلث الرواية، لتدخل في كثافة معقدة، فكيف يستطيع الروائي النجاة من مكائدها؟

كما قلتُ لكِ؛ الكاتب يختار الفكرة ويعيشها ويبحث في كل ما يتصل بها، ومتى ما بدأ الكتابة يصبحُ جزءاً منها، فهو يسير في دروب الرواية وأحداثها وشخوصها. يسير بها بقدر ما تسير هي به. علاقة حميمة بين عاشق ومعشوق. يكتبها بقدر ما تكتبه، ويخط لنهايتها ما ترتضيه هي لنفسها. أنا صديق مخلص لأبطال أعمالي الروائية، ولهم وحدهم رواية حيواتهم، ولهم عهد صداقتي بهم بأن أكتب هذه الحيوات متداخلة مع سيرة حياتي بكل صدق وأمان.

تتغذى في «النجدي» على سردها من الأمكنة ومن هذا البحر، خلجاننا التي منحتنا الكثير وأخذت بالمقابل الكثير... حدثنا عن هذا الترويض اللغوي لتلك المساحات المكانية؟

دول الخليج العربي تقع على البحر وكانت ولم تزل تعتاش منه، رئة تتنفس منها خيراً ومعرفةً ووصلاً بالآخر. ولكن للأسف قليلة هي الروايات التي تتكلم عنه. وبالنسبة لي فلقد نشأت في أحد أحياء مدينة الكويت المجاور للبحر، وكثيراً ما جالسته متفكراً في هذا الحيز الأزرق الشاسع المخيف الهادئ الهادر.

وكنت ولم أزل عاشقاً للبحر نهاراً، خائفاً ارتجف منه ليلاً؛ ظلمة دامسة لا حد لها ولا حدود. لذا حين كتبتُ رواية النجدي، كان عليَّ أن أصادق علي النجدي، وأن ألوذ بعباءة عشقه للبحر، وكان عليَّ أن أعيش المغامرة معه. وهكذا كان حتى آخر لحظة من عمره. فبالنسبة لي ما زال علي النجدي عائشاً في البحر. فلم يتم العثور على جثته، وبما يعني بين أمور أخرى، أنه عائش في البحر وسيبقى دائماً.

إبداع

جائزة البوكر العالمية باتت حلماً للروائي مما دعا البعض للكتابة من أجل الجائزة، ولشروطها مهما عذبته، فماذا تقول في ذلك؟

الكتابة حياة، وأنا أعيش متفرغاً للكتابة منذ العام 2009. أعيش يومي بين القراءة والكتابة. وأمارس الكتابة بوصفها عوناً لي على الحياة. أحلم بكتابة رواية صغيرة تبقى حية بعد مماتي كما هي «الجميلات النائمات»، وكما هي «لنفق»، وكما هي «ثرثرة فوق النيل».

حين أكتب لا أفكر بأي شيء سوى كتابة عمل يتوفر على العناصر الأساسية للفن القصصي أو الروائي. وكما تعلمين فأنا أعمل أستاذاً زائراً لتدريس مادة الكتابة الإبداعية في الجامعة الأميركية في الكويت، بعد أن كنتُ في جامعة أيوا الأميركية، وجامعة كنغستون البريطانية.

هناك تعلمت أن الكتابة الإبداعية علم كالفيزياء والكيمياء، لها أصول لابدَّ من توفرها في العمل الأدبي، وإلا سقط في بلوغ هدفه. من هنا، فأنا أكتب لأحقق ذاتي، وأبقى على قيد الحياة، بعيداً عن أي حلم في جائزة. لكن بعد طباعة ونشر العمل، أترك التقييم للقراء، بما في ذلك الجوائز العربية ومن بينها جائزة البوكر.

الأدب إجمالاً يخاطب العالم لا فئة معينة من الناس؟ فما الذي يدفعك للكتابة، وهل تفكر بالقارئ أثناء الكتابة؟

أكتب لأن الكتابة صارت ملء يومي وصوتي للآخر. نعم أنا أفكر بالقارئ، لكن بعد أن أنتهي من عملي، وأبدأ بإعادة الكتابة، فأنا أكتب أعمالي مرة ومرتين وثلاثاً وعشراً وأكثر.

الرواية هي الوحيدة ومن خلال أحداثها تمنحنا فرصة الحديث عما نريد ولم نتجرأ يوماً بإطلاقها كما هي، فهل أثناء سردك تبوح بأسرارك الخاصة، أم أنك تصرخ كما لم تصرخ يوماً؟

أنا أكتب حياتي الشخصية في أعمالي وباسمي الصريح وعائلتي ومحيطي. فأنا أؤمن بأن حياة الكاتب هي جزء من حكاية روايته. ولذا أكتب سيرتي الشخصية مجاورة ومتداخلة مع حدث الرواية الأساسي. وكم صرخت وصرخت بألمي!

حدثنا عن العلاقة المجنونة بين المبدع والإبداع في عالم الكتابة الإبداعية؟

لا أظن أن هناك جنوناً بعلاقة المبدع بالإبداع. بالنسبة لي هناك درس متواصل ومتصل وبحث وتعلم ووصل يومي ومغامرة كتابة، ولا أعرف شيئاً غير ذلك.

ما مرجعية طالب الرفاعي في الكتابة الروائية بعد الخيال وجمال البناء لتأسيس هيكله؟

الكتابة في أحد وجوهها هي إزاحة غطاء عيش عن بعض الحيوات، ومرجعيتي في ذلك هو طفولتي وتجارب حياتي وقراءاتي وخيالي وموقفي من شؤون الحياة، إضافة لكتب وروايات جميلة كثيرة جداً قرأتها وهمت بعوالمها ونسيتها إلا بعض مذاقات ظل تلازم روحي.

خبايا الروح

أرى أنك قد وفقت في الاختيار لعناوين كتبك، خاصة أن عملية اختيار العناوين مؤرقة، فهل من طقوس كي تسمي؟

شكراً لإطرائك الكريم. العنوان جزء أساسي من الكتاب، وهو بالضرورة مكمّل لرسالة الرواية أو القصة. يجب أن يكشف بقدر ما يخفي، ويصدم بقدر ما يحتضن، وأخيراً أقف كثيراً وكثيراً أمام عناوين قصصي ورواياتي لأن العنونة واحدة من أصعب المراحل التي يمر بها الكاتب قبل أن يدفع بعمله للنشر.

للسرد سطوته على القارئ العربي الذي بات يخاف من الحقيقة العارية كما هي، فأين يكمن بوحك العاطفي كروائي في سبق وقلت: أكتب حياتي عارية أمام القارئ. إلا ما أجبن عن قوله، فأتركه لإحدى شخصيات رواياتي لينطق به نيابة عني. الكتابة كشف لخبايا الروح، وليس كل خبيئة قابلة للكشف.

يعرفك الكثير من القراء بصفتك كاتب رواية، لكنك أسست وبالتعاون مع الجامعة الأميركية في الكويت واحدة من أهم الجوائز العربية للقصة القصية وهي «جائزة الملتقى للقصة القصيرة العربية»، فماذا تقول في ذلك؟

بدأتُ حياتي قصاصاً ولم أزل عاشقاً وكاتباً للقصة القصيرة. ولأن جوائز الرواية اجتاحت وطننا العربي، فكرتُ بشيء من إنصاف فن القصة القصيرة العربي العظيم، وهذا ما كان بإطلاق جائزة الملتقى الثقافي للقصة القصيرة العربية، التي تحتضنها وترعاها الجامعة الأميركية في الكويت. وكم يسعدني أن يُشار للجائزة بأنها غدت تمثل واحدة من أهم الجوائز العربية للقصة القصيرة. ويسعدني أكثر أن يشار إلى الكويت بأنها غدت بيتاً للقصة القصيرة العربية.

لقد تم ترجمة النجدي قبل صعودها إلى القائمة الطويلة لجائزة البوكر، فكيف كان قبول الجمهور الفرنسي بعد ترجمتها؟

رواية «النجدي» تُرجمت للإنجليزية والفرنسية، لكن كلتا الترجمتين في طور النشر، لذا لا أعرف كيف سيتقبل القراء النجدي، لكن تجربتي في ترجمات أعمالي الأخرى كانت رائعة.

مهما بلغ درجة الإبداع في السرد، هل يصنع للروائي العربي أمام ما يمر به من دمار وصراع وإثبات وجود... وضعاً اعتبارياً لدى الشعوب الأخرى؟

أي رواية عربية هي نقطة في بحر حوادث الواقع العربي المخيف والمتوحش والمؤلم. ومؤكد أن بعض الأعمال الروائية تسعى جاهدة عبر ترجمتها للوصول إلى الآخر، وكشف حياتنا أمامه كي يتعرف عليها من جهة، وربما تثير تعاطفه معنا من جهة ثانية.

حدثنا عن عائلتك الجميلة ومدى تحفيزها لك، وكذلك دورك مع طلاب في الجامعة، هل يناقشون أعمالك الأدبية؟

الطفولة هي كنز أي كاتب، وأهم ما أحمله معي من طفولتي على المستوى العائلي، هو حياة ومعاناة وعشق أمي. وتالياً زوجتي وبناتي. عائلتي جزء أساسي وعونٌ كبير لي في كل ما أكتب وأعمل. خاصة وأنني أنظم جلسات «الملتقى الثقافي» كصالون أدبي في بيتي. وفيما يخص طلبتي في الجامعة، فهم زاد متجدد للحوارات والحماسة والنقاش في كل ما يخص الأدب والكتابة والإبداع، وفي أحيان كثيرة يناقشونني بأعمالي بكل صراحة وتبسّط.

هل من أعمال إبداعية روائية قادمة؟

لدي فكرة رواية قادمة؛ تنام وتصحو معي، تلحّ عليَّ. لكني مشغول الآن بكتابة مجموعة قصصية جديدة ربما ترى النور في نهاية هذا العام. بعدها ربما أبدأ رحلة البحث والدرس والتقصي استعداداً لرواية تأخذني لعالمها.

إضاءة

طالب الرفاعي روائي وقاضٍ كويتي، مؤسس ومدير الملتقى الثقافي في الكويت، ومدير جائزة الملتقى للقصة القصيرة العربية، ويعمل أستاذاً زائراً لمادة الكتابة الإبداعية في الجامعة الأميركية في الكويت، من أعماله «ظل الشمس»، و«رائحة البحر»، و«الثوب»، و«سمر كلمات»، وقد ترجمت بعض أعماله إلى الإنجليزية والفرنسية والألمانية.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات