يعمل مدرباً للحياة الشخصية وفن النمو الذاتي والسعادة

خالد البدور: في السينما الموهبة لا تكفي

■ من أعمال البدور وعدسته

في أجوبته تكمن ذخائر ومدخرات إبداعية، وعلى حين غفلة من دهشة السفر الشائق نحو الإجابات البديعة نرسو على مرافئ الشاعر والباحث والسينمائي الإماراتي خالد البدور، الحاصل على دبلوم الشرف عضواً في الأكاديمية العالمية للشعر عام 2016م، التي نظمتها «اليونسكو» في مدينة فيرونا التاريخية، لنتعرف اليوم إلى مهاراته الأخرى بجانب أعماله الإبداعية من شعر وبحث، ليصبح حوارنا معه مقدمة لاكتشاف ما لديه، وارتياد ما لا نعرفه.

أمانة وديوان

في شعرك تتأمل الطبيعة الخالصة حولك وتنادي من لا يرى الجمال ليتأملها، وكأنك تحفز على ما لدينا والبقاء على هوية المكان لا التغريب. فما الحاجة التي تسكن خالد البدور ليقول مثل هذا الشعر؟ وإلى أين تمضي في كتاباتك الشعرية؟

أحببت الشعر في فترة مبكرة، كان أبي يقرأه ويحتفظ ببعض الكتب والدواوين فبدأت أقرأ، كما كانت والدتي تحب الشعر النبطي وتردد بعض الأبيات. أحد أسباب حبي للشعر هو تعرفي إلى الشاعر راشد بن دلموك، كنت شاباً صغيراً حين تزوج هذا الشاعر من عمّتي، كنت أرافق والدي حين يجالسه فأستمع إلى ما يردده دوماً من أشعار خاصة شعر الماجدي بن ظاهر، ذات يوم قال لي سأعطيك أمانة وأرجو أن تحافظ عليها، كانت الأمانة تلك هي ديوان بن ظاهر الذي طبعته المطبعة العمانية في دبي عام 1962، قال لي: أنت لن تفهم شعر بن ظاهر الآن، احتفظ به واقرأه حين تكبر، ستستفيد منه، وبالفعل قرأته حين كبرت وتعلمت منه الكثير وما زلت أحتفظ بالديوان.

شكّل الشعر عالماً رائعاً لي وكنت أقرأ وأحلم بالصور والحالات التي أقرأها، ثم بدأت محاولة التعبير عن أحلام اليقظة هذه. أصبح الشعر ملجأ لي في وحدتي خاصة في لحظات الشعور بالألم والحزن أو الخوف. في المدرسة الثانوية كان أحد الأصدقاء يكتب الشعر الموزون بشكل أفضل مني، فشعرت بالتحدي وبدأنا نتنافس أينا هو الأفضل، الأمر الذي جعلني أحاول تعليم نفسي بالاطلاع على كل ما يقع في يدي من الشعر محاولاً أن أجوِّد في الكتابة.

الطبيعة هي الملهمة الأولى، كنت وما زلت أسكن قرب البحر، كأطفال كبرنا واكتشفنا مفردات الحياة قرب البحر، كنا نلهو مع الأمواج ونسبح ونصطاد الأسماك ونراقب النوارس في الشتاء ونضحك ونبكي ونحلم قرب البحر. في المدرسة الابتدائية، التي تقع على شاطئ منطقة الجميرا، كانت لدينا حصة سباحة في البحر، كنا أحياناً نسبح إلى العمق هاربين من المدرس الذي يقف على الشاطئ ينادي علينا للعودة.

كنت أحاول أن أتخيل دوماً ما يوجد خلف أفق البحر، تصورت أن للأفق حافة وتساءلت هل لو وصلت إلى الأفق سأسقط خلفه، المجهول خلف الأفق حفزني للاكتشاف والشغف الشديد لمعرفة كل شيء. بعد ذلك اكتشفت أنه لأجل كتابة الشعر يجب أن نعرف القليل من كل شيء، هذا جعل الاطلاع والبحث الدائم شغلي الشاغل، بعد ذلك أحببت الصحراء وسحرها الغامض، ثم بدأ الشغف بالجبال والغابات، للغابة روح تخطف القلب وتحيّر المخيلة.

من جانب آخر الشعر فعل حرية، كاتب الشعر يحس أنه روح حرة لها القدرة على إعادة خلق العالم مرة بعد مرة بالكلمات، هذه الطاقة اللامحدودة بداخلنا، والتي تترجمها لغة الشعر، كانت المحفز لي لأننا نعيش ضمن أطر وأعراف تحدد ماذا نقول ونتصرف وكيف يجب أن نحيا ونفكر، أصبح الشعر ملجأ للتنفس بحرية وفضاء واسعاً للتحليق والطيران.

كيمياء الولادة

ما مواضيعك الشعرية التي تحب أن تخوض فيها أكثر، هل هي مواضيع عشقية أو وطنية أو طبيعة... أم أنك تتركها كما تأتي بجنون في مساحتها اللحظية؟ حدثنا عن تجربتك الحسية المتخيلة التي تصوغها؟

نحن نعرف أن الشعر الحديث أحدث تحولات هامة فيما يتعلق بالموضوعات والمضامين مقارنةً مع الشعر القديم. بالنسبة لي، في البدايات الأولى، كانت هناك الكثير من الأفكار والموضوعات التي تقف خلف القصائد، إلا أنه مع الوقت تحولت تلك المضامين لتذوب في الصور والرموز التي تعبر عن الإحساس الإنساني بلحظات السكينة أو الاضطراب، عن عبق الحب وألمه، عن جروح الذاكرة وعن بهجة الحاضر، عن الغد وعن المستحيل وعن الأحلام التي لا تتحقق، عن حرارة اللقاء ولهيب البُعاد. الشعر خطاب غير عادي عن الأمواج التي تجتاح القلب، عن صرخة الولادة، عن خفقان القلب وصمته، عن قهقهة الحياة وعن النحيب الذي يسبق الموت كذلك.

من الاستحالة شرح كيف تتم الصياغة في اللحظة الشعرية تماماً كما هو صعب الحديث كيف يتم الإبداع، لا نجد الكلمات لنعبر عن تلك الشرارة أو كيف تحدث كيمياء الولادة الإبداعية هذه.

المعرفة السينمائية

في أفلامك، كأنك تبحث عن الأراضي الجديدة في الوطن، أو الإنسان المنسي والمهن المنسية... حدثنا عن المهارات التي يحتاجها باحثٌ سينمائيٌ توثيقي مثلك، وهل لديك فلسفة شخصية بشأن صناعة هذا النوع من الأفلام الوثائقية التي تهدف إلى تحقيقها؟ وكيف تتجلى هذه الفلسفة في فيلم هو من الأطروحات الخاصة بك؟

توجد شروط هامة لا بد منها لنجاح الفيلم السينمائي. أنا هنا لا أتحدث عن نفسي بل عن شروط متعارف عليها. من أهمها أن يكون لدى الإنسان رسالة هامة ونبيلة يرغب في توصيلها. هذه الرسالة مرتبطة بالتنمية الاجتماعية أو الفكرية أو الثقافية أو الجمالية في المجتمع. إذا كان هدف من يلج الفن السينمائي، وكذلك الأمر مع باقي الفنون، الشهرة أو جمع المال أو المظهر الاجتماعي الزائف فإنه سيسقط بعد بضعة محاولات. قد يأتي المال أو تأتي الشهرة بعد ذلك ولكنها نتائج ولا يمكن أن تكون أهدافاً أو أسباباً لتميز الفنان وعمق عمله. الأمر الآخر أن الموهبة لا تكفي في السينما بل يجب أن تعززها المعرفة والتدريب المستمر.

كذلك فإن اكتشاف الصوت الخاص والرؤية الخاصة بالسينمائي أمر هام جداً. ما الذي يميز عمله عن الأعمال الأخرى وما الذي يضيفه؟

ليست لدي فلسفة خاصة وإنما محاولة لإلقاء الضوء على شخصيات لديها تجارب إنسانية متفردة ومتميزة. لدينا بيئات وموروثات وقصص إنسانية تستحق البحث فيها وتوثيقها وتصويرها ومشاركة الآخرين بها.

أود هنا التأكيد على أن عملي السينمائي لم يكن سيكتمل لولا الجهد الكبير الذي تقوم فيه رفيقة دربي في الحياة والسينما نجوم الغانم خلف الكاميرا. من خلال رؤيتها الفنية والإخراجية هي تقوم بكساء البحث الذي أقوم به بالصور الحية النابضة بالحياة. نجوم عاشقة للسينما ومبدعة فيها ولست أنا من يشهد بذلك بل أفلامها دليل على ذلك.

«التاو»

التنوع الغني فيما تملك من تجارب دفعك إلى الترجمة لكتاب صيني شهير بعنوان «التاو» لكن ما يهمنا هنا هو ترجمتك لشاعر من البرتغال يدعى يوجينو دي أندراده وهو أحد الأسماء الأدبية البارزة عالميًا، ونجد أن شعره يشابه مسار شعرك فيما يخص الطبيعة حولك من ضوء وماء وريح... رغم نصوصه المؤلمة، فهل كان التآلف الرؤيوي بينكما سببًا في اختيارك له لتترجمه؟

أحب الاطلاع على الشعر من ثقافات مختلفة بعيدة عنا. لا شك أن ما يستوقفني من شعراء وأقوم بالترجمة لهم هو ما أميل له من تجارب وأشعر بقربها مني. البرتغالي «يوجينو دي أندراده» له القدرة على تحويل عالمنا الاعتيادي من حولنا إلى قصائد بالغة الجمال والتأثير في القارئ. إنه يعيد صياغة ما يراه في الطبيعة وما تشعر به الذات الإنسانية من خلال صور خاطفة ومذهلة. هو لاعب حاذق في الشعر.

فن النمو

لكونك معتمداً كمدرب للحياة الشخصية في فن النمو الذاتي فيما يخص السعادة والنجاح والتوازن، ما الذي دعاك إلى الخوض في العالم الروحي والنفسي والتفكير الإيجابي؟ هل هو البحث الذي يدخل الإنسان من خلاله إلى الكثير من الاهتمامات؟ أم هو أمر آخر؟

خلال عملي الوظيفي حصلت على التدريب وشاركت في العديد من ورش العمل التي تهتم بمواضيع مثل التطوير الذاتي وإدارة الوقت والتفكير والتخطيط الاستراتيجي. ترافق هذا مع قراءات في الفلسفة واهتمام خاص بالتراث الروحاني الإسلامي وذلك الموجود في الثقافات والديانات الأخرى. شعرت أنه يجب علي نقل ما تعلمته إلى الآخرين ليستفيدوا منه. هدفي الأول المساهمة في عملية البناء الفردي والاجتماعي في المجتمع الذي أعيش فيه.

باتت علوم التنمية الذاتية ونشر السعادة والإيجابية في الأفراد والمؤسسات أمراً لا غنى عنه في وقتنا الحالي. موضوعات إدراك الذات، وتنمية القدرات، وتحديد الأهداف، ووضع رؤية وخطة عمل، واتباع حياة صحية سليمة أصبحت مهارات ووسائل هامة اليوم. حياتنا المعاصرة تمتلئ بالضغوط والمؤثرات التي تؤثر في قدرتنا عن الاحتفاظ بالاتزان النفسي والاجتماعي. نحن نعيش في بحر متلاطم من الاتجاهات والنظريات والأفكار التي قد تجعل الفرد يفقد بوصلته أو طريقه في الحياة.

مراقبة الطبيعة

موهبتك في عدستك الضوئية التصويرية تمارسها كل حين، فهل تستقصي المكان مع البحث لتستكشف الفضاء قبل التصوير؟ أم إن الأمر صدفة فنية؟

منذ الطفولة شكلت لي الكاميرا الفتوغرافية حالة من الدهشة والجمال والسحر وكان لهذا علاقة بالتعلق بالرسم والشعر بطريقة أو بأخرى. كنت أحرص على أن تكون معي الكاميرا في معظم الأوقات. الآن أصبحت كاميرا الهاتف متطورة جداً لهذا أستخدمها بشكل دائم. لست محترفاً ولا أرى أن لدي موهبة خاصة في التصوير ولكن أهتم بمراقبة الطبيعة والحياة من حولي. نحن نعيش في كون يضج بالسحر والثراء والجمال وعلينا فقط استكشاف هذا الجمال والتأمل العميق فيه. الكاميرا تستطيع التقاط الأشكال والموجودات بطريقة لا يمكن لنا التعبير بها بالكلمات.

نبذة
شاعر وباحث وسينمائي من دبي. أصدر خمس مجموعات شعرية، وشارك في ملتقيات أدبية وسينمائية. تعاون مع عدد من الهيئات الثقافية، وكان عضواً في مجلس دبي الثقافي وهو من الأعضاء المؤسسين لاتحاد كتاب وأدباء الإمارات. عمل مذيعاً ومعد برامج إذاعية وتلفزيونية، وأنتج مجموعة من الأفلام الوثائقية في مجالات الثقافة والتراث الإماراتي. يشارك كمحاضر زائر في ملتقيات علمية وأكاديمية حول الموروث الشفاهي والتراث الثقافي الإماراتي والخليجي.

إسهامات سينمائية

الفيلم الوثائقي: حمامة

إنتاج عام 2010

بحث وإعداد: خالد البدور

إخراج: نجوم الغانم

المدة: 64 دقيقة

الفيلم الوثائقي: صوت البحر

إنتاج عام 2014

بحث وإعداد: خالد البدور

إخراج: نجوم الغانم

المدة: 90 دقيقة

«دروب اليقظة»

هي مبادرة غير ربحية قام بها خالد البدور، تهدف إلى نشر النمو والتطوير الذاتي وتنمية الوعي والقدرات الفردية. إن الهدف الأشمل هو التنمية الاجتماعية وتعزيز المساهمة الإيجابية للأفراد في مجتمعهم. لا ترتبط المبادرة بزي اتجاه فكري أو فلسفي معين، كما لا تهدف المبادرة إلى نشر أو ترويج أي عقيدة خاصة أو اتجاه سياسي أو ديني معين.

الخروج بالإبداع الثقافي الإماراتي بثقة نحو العالمية

شارك البدور في مارس عام 2016 في الاحتفالية الثقافية الشعرية العالمية التي نظمتها «الأكاديمية العالمية للشعر- اليونسكو»، في مدينة فيرونا، بمناسبة اليوم العالمي للشعر الذي يصادف الحادي والعشرين من مارس من كل عام.

وأعلنت الأكاديمية حينئذ عن منح الشاعر خالد البدور دبلوم الشرف بالإضافة الى الشاعر الصربي ماجيو دانيلوفيك، علاوة على منح الشاعرين عضوية الشرف في الأكاديمية.

«سيف الزبادي»

يعد «سيف الزبادي» من أم القيوين من القلة القليلة الباقية من (النهامين) أو مؤدي الغناء البحري ورواة الشعر في الإمارات. وهو اليوم في أواخر العقد السابع من العمر وعلى الرغم من عدم قدرته على السير وضعف السمع إلا أنه مازال يحتفظ بذاكرة في سرد الشعر. وقد قمت في فترات متفرقة بتوثيق الأغاني البحرية التي يغنيها سيف الزبادي بالفيديو وبالتسجيل الصوتي. هنا مقتطفات من مقابلة تم تسجيلها بالفيديو عام 2013.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات