الروائية التركية إليف شافاق لـ «البيان»:

وُلدتُ لأكون حكّاءة تروي الخير في حضرة الجمال

تتخطى قواعد العشق «أربعونها» في حضرة ناي سرمدي ضمّخت ترانيمه أَعْطارُ المحبة حين انتشى بإشراقات شمس التبريزي وأشعار جلال الدين الرومي. ثم عاد ليستزيد من معين ألق وفكر الأديبة التركية إليف شافاق، التي أطلقت سكبات ألحانه صداحة وهي تتقمص ثوب الأدب فتنفض الغبار عن معانٍ عتيقة لتنفحها بريقاً عصرياً يجدد في نفوسنا خيوط الشغف بالجمال والتعلق بالخير والحق والعدل، ممهدة الطريق بذا لأن يعمّ الكون نشيد وئام وسلام تردده بحفاوة شعوب الإنسانية جميعاً، حتى تنجلي سحب التباعد والعزلة .. فتومض كوات الأمل والفرح والانسجام.

قصص وحكايات كثيرة، جميلة وعذبة..مفاجئة وغريبة، في جعبة «حكاءة إسطنبول»، تكشف عنها في حوارها مع «البيان» خلال زيارتها دبي، مشيرة إلى أنها وُلدت لتكون فقط حكاءة تروي الحب والخير في حضرة الجمال. كما تشدد على اقتناعها العميق بجملة آراء ومعتقدات تبقى راسخة قوية في شخصها.. ومحال أن تحيد عنها مهما كلفها هذا الموقف من أثمان.

موزعة هي، صاحبة «قواعد العشق الأربعون»، بين الكتابة والحياة، أو أنها مقيمة، بالأحرى، في مدارات عالمين متباعدين لكنهما يتكاملان ويتعانقان في حياتها، مُشكلين تركيبة سحرية في شخصيتها وتوليفة ذاتها المزدوجة: إليف المبدعة والحاضرة بحيوية في ساحات وأضواء ترويج الإبداع ومستلزماته البروتوكولية. وإليف الثانية، المنعزلة والمتأملة.. المتيمة في السكون والوحدة:

تسكنني شخصيتان لا واحدة. فهناك ذاتي «الكاتبة» التي أختبر معها عوالم التفكر فأختار العزلة التامة وأنغمس في الخيال..إذ تقودني نحو ضفاف التأملات الصوفية الشائقة. ومن جهة ثانية، هناك إليف «المؤلفة» المنشغلة بارتباطاتها الاجتماعية والمناسباتية، والتي أكون معها منخرطة في تلبية الدعوات وحضور الفعاليات وتوقيع الكتب والاستجابة لطلبات المقابلات الصحافية واللقاءات العامة.

هكذا أنا. إنسانة تمتلك ذاتين معاً تعجبانني ويلذ لي العيش بهما. ومحال أن أقبل المفاضلة بينهما لأقصي إحداهما. إذ إن انطوائي عشقي وهواي الذي يثمر إبداعا أتلذذه..وكذا فإن حفظي لخيوط التواصل مع المحيط والناس والحياة، عبر شخصية المؤلف لدي، مسألة حيوية لا أفرط أو أستخف بها.

إن إليف «الكاتبة» هي مَن تتولى مسؤولية التخيل وإبداع القصص والحكايات في دوح عزلتها. ومن ثم تأتي، لاحقاً، إليف «المؤلفة» لتتحدث عنها وتعيش زهو نجاحاتها.

تغييب وتجاهل

«لا أمل للإنسانية في تحقق التقارب الحضاري العميق بين مجتمعاتها طالما أن مفاعيل آدابها وإفرازاتها الإيجابية، وخاصة بالنسبة للأدب الشفاهي منها، مغيّبة ترزح تحت وطأة تجاهلنا أهميتها». هكذا تصف إليف شافاق جذور وحلول معضلة البشرية المعاصرة المتمثلة في اتساع دائرة العنصرية والتباعد والشقاق بين الشعوب كافة:

إن الأدب عامة سبيلنا الأجدى في علاج هذه المشكلة الحضارية العصرية المتضخمة: «تقوقع الأمم وتعدد جزر التباعد والنفور في ما بينها».. وذلك كونه ينطوي على غنى كفيل بالتقريب بين حضاراتنا. وأود التأكيد في هذا الخصوص، على قيمة الفن/‏‏‏‏‏الأدب الشفاهي خاصة، إذ لا يقل أهمية عن المدون.. بل إنه أفعل في وجه هذه المخاطر بحكم انطوائه على روح المتعة والتشويق والتصوير العفوي الصادق في قوالب: سرديات وقصص وتهاويم وأقاويل وألغاز ووصفات ونكات، طالما غازلت بها الجدات، نقلاً عن السلف، أسماعنا ومخيلاتنا. وبطبيعة الحال، فإن السر فيها قوامها المرتكز إلى الحب والبساطة ونبذ القتل والكره. كما أظن أن أصل أزماتنا انتقاصنا من منزلة وجدوى آدابنا الشفاهية، بل عدم إدراكنا أن الأدب المحكي أفعل من نظيره المكتوب في مستويات التأثير الإيجابي لردم الهوة والتباعد المعرفي والحضاري بين الشعوب.

شواغل إنسانية

لا تضاد بين المحلية والعالمية في حياة الأديب، في عرف وقاموس ابنة إسطنبول وعاشقتها، فهما معاً يؤلفان كلاً واحداً طالما أن الكاتب يهتدي بأنوار المحبة ويدرك كنه الجمال الأصيل.. والأحرى بالمبدع، في رأيها، أن تكون محليته بوابته المثلى للعبور إلى العالمية:

العالم أجمع هو وطني. موزاييك ثقافاته يشكل هويتي. انتمائي، ككاتبة وامرأة، هو، أولاً وأخيراً، للإنسانية جمعاء. أنا متيمة بإسطنبول «ساحرتي الجميلة»، إنها موطن ومادة غالبية كتاباتي. لكنني، في الوقت عينه، كاتبة تركية هاجسها ودأبها شواغل وحكايات بلدان المعمورة كافة. هكذا أنا، لا أحبذ أن أنكفئ أو أتقوقع، سواء في نهجي الحياتي أو الإبداعي. وفي ظني أن الأديب حين يكتب عن ما هو محلي ربما أنه يعكس قصصاً وقيماً وقضايا عالمية الطابع أيضاً.

المحلية والعالمية، في أحيان كثيرة، كل واحد. وأنا بمقدوري أن أكون «من هنا» ومن «كل مكان». أرفض التمترس والاعتكاف بين جدران هوية وطنية واحدة. إنني عديدة الانتماءات. ولا أستطيع أن أحيا وأنا رهينة مدينة أو مكان ما.

إعجاب وحسرة

تتبينها مفتونة بالأدب والفكر العربيين..مأخوذة بسحر «ألف ليلة وليلة».. وبجواهر ابن طفيل والغزالي وابن رشد وجبران ومحفوظ. ولكنها، أيضاً، ممتعضة ومحزونة للنقص والتقصير الحادثين في الترجمات العربية إلى اللغة التركية.. وبالعكس:

أنكبُ في الفترة الأخيرة على قراءة الغزالي. أنا قارئة ومتابعة جيدة لمضمون الفكر والأدب العربيين. سحرني «ألف ليلة وليلة» وأمدني بذخر قص وخيال مهمين. كما شاقني وأسعدني ابن طفيل في رائعته «حي بن يقظان». أنا معجبة جداً برؤى وأفكار المتصوفة العرب القدامى. ورغم أنني انتقائية نوعا ما في هذا الخصوص، أعد نفسي قارئة ومتابعة مجتهدة للكتب العربية والمؤلفين العرب البارزين، القديمين منهم والحديثين. فكثيراً ما قرأت في كتب التراث العربي وكذا تعمقت في كتابات: جبران خليل جبران، نجيب محفوظ، حنان الشيخ..وغيرهم.

وأود أن أنبه هنا إلى مسألة خطرة مصدرها ضعف، أو حتى غياب، ترجمات الكتب العربية إلى اللغة التركية، وبالعكس. لما لذلك من نتائج هدامة. إن النسبة الغالبة من الأتراك قرأت دستويفسكي وبلزاك..وسواهما من أدباء العالم. ولكن قلة قليلة بينهم تعرف عن: ابن رشد أو الغزالي..أو نتاجات الشعراء العرب. إن الأمم والشعوب تعزز تقاربها وانسجامها الآداب والكتب والممارسات الثقافية بتنويعاتها.

بلا رتوش

لا يوجه مبدعة «لقيطة إسطنبول»، في الكتابة والحياة، سوى التمسك بالعدل والحقيقة كغاية وهوى ومحرك. لذا فإنها لا تتهيب خوض غمار أية كتابة تنصف المظلوم وتعيد الحق لأصحابه، مهما كلفها الأمر، ذاك كما حدث معها وما لقيته من محاكمات وهجوم حين نشرت روايتها المذكورة:

لم ولن أتطلع، سواء في هذا العمل أو في غيره، إلى هدف بعيد عن الحقيقة وإنصاف المغبون المُنتهَك. أنا حكاءة شاغلها أن تروي الجمال وتنشده. إن ما أردته في «لقيطة إسطنبول» هو أن أكتب بلغة القلب مهتدية بنواميس الحق والخير والعدل. آثرت قول حقائق التاريخ بلا رتوش، ولم أهتم بما سيكلفني الأمر.

وربما تستغرب لو قلت لك إني لا أرى القضية التي رُفعت ضدي والمحاكمة التي واجهتها بفعلها، انتصاراً لي. أنا فقط دبجت رواية عن ويلات ومجازر لحقت بالأرمن على يد العثمانيين. أخبرت قصة.. انتقدت تشويه الذاكرة واغتيال الضحية مرتين. لم أتوانَ عن إدانة محاولة بلدي، تركيا، تناسي ونكران ذاكرة مجبولة بالدم والآلام. وكان أن قوبلت، جراء ذلك، بالملاحقة القضائية فحوكمت على أنني«أهين تركيا»! تلك كانت سخرية كبيرة. تصور أن محاميَّ، ويا للغرابة، اضطر في مرافعاته حين المحاكمة، أن يدافع عن شخصياتي، الأرمنية والتركية، المتخيلة في الرواية. كان أمراً سوريالياً بامتياز.

دوح وهيام

خلف أي من رواياتها، تكمن، دوماً، قصة أو حادثة ومقومات نجاح ودوافع إبداع. إلا أن اللافت كم أنها بدت متأثرة بعوالم الصوفية ومقودة بالمحبة والعشق الإلهي الخالصين، في رائعتها «قواعد العشق الأربعون»:

لم تكن البيئة التي نشأت في كنفها منغمسة في الصوفية أو متأثرة بالجوانب الروحانية إلى حد كبير..ولا أحد من أصدقائي صوفي أو يعلم عن الصوفية. شققت طريقي بنفسي في الحقل بعد أن تعرفت إليه وإلى رواده بفضل قراءاتي. وطبعاً، كانت لذلك بذور وجذور هيام في التأمل تملكني منذ أيام الشباب الأولى.

هكذا، شرعت، وحيدة وبحكم خياري ودون أي تأثير خارجي، أسافر في فضاءات فكر شمس الدين التبريزي. ودلفت دوح نقاء وتفرد جلال الدين الرومي وابن عربي ورابعة العدوية وفريد الدين العطار.. واصلت المسير في هذا الدرب فأنضجت معارفي ثم سكبتها دراً فريداً في حلة روائية تقمصت «قواعد العشق الأربعون».

شغف وجودي

لا تكتب إليف شافاق طمعاً في نيل الجوائز. فما يحثها للمكوث الدائم في رياض الإبداع، سعي إلى ترسيخ حضور الجمال بدلالاته الغنية في حياة البشر. إلا أن هذا لا يعني، كما تبوح، أنها غير متشوقة إلى أن تحظى بشرف نيل جائزة رفيعة مثل: «نوبل للآداب»:

لا أنكر أنني أتمنى الحصول على نوبل للآداب. فهل من كاتب بمقدوره إخفاء أو نفي تشوقه ولهفته ليحظى بهذا الشرف الأدبي. ليس أجمل من الجوائز في قيمتها المعنوية بالنسبة للكاتب. إنها تتويج لدأبك وكدك.

لكن هذا التشوق والحب للجوائز، ليسا دافعي للكتابة. فأنا لا أجيد العيش بعيداً عن الأدب. لم أولد إلا لأكون حكاءة تروي قصص الخير والحب في حضرة الجمال..حكاءة مسكونة بشغف الخيال والإمتاع السردي.

استبداد فكري

لا تعترف إليف شافاق بالأدب إلا كونه متصلاً ومتفاعلاً مع مجريات الحياة السياسية والمجتمعية العامة. وفي السياق، فإنه يعنيها كثيراً ما يحدث من مخاض سياسي في بلادها. ويؤلمها ما آلت إليه الأمور في ظل خنق جهات تسلمت قيادة البلاد، لآراء قوى مجتمعية أخرى تختلف معها ولكنها عريقة وحيوية:

مؤكد أن الآيديولوجيا التي يحمل ويقتدي بها حزب العدالة والتنمية، الإسلامي، في حكمه لتركيا، قسرية ولا تراعي أو تحترم الفروقات بين مكونات المجتمع. ومن المستحيل أن يحيا أو يدار مجتمع متنوع وعريق كمجتمع تركيا، وفقا لهذه الرؤية. عموماً، أنا ضد أي فكر شمولي من أي لون كان. لا أعترف أو أتقبل إقصاء الآخر.

نعم، تُخنق في تركيا، الآن، حرية التعبير والكتابة والصحافة..بات وقع الكلمات ثقيلا في بلدي.. وباتت فِكرنا المنتحلة شخوص الكلمات تجرنا إلى المتاعب.

أب غائب وجدة قاصة وأم رؤوم.. فأديبة متفردة

عوامل وجوانب كثيرة، اشتركت في تكوين شخصية إليف شافاق، فرسمت لوحة مسارات وماهيات إبداعاتها واهتماماتها في رياض الأدب والفكر. وربما يتقدمها، كما تقول الكاتبة في حوارها مع «البيان»، اغتناء وعيها ومخزون خيالها ولغتها، بمفردات وحكايات الجدة في الطفولة.. إذ غرست أقاصيصها ومروياتها في نفس إليف التعلق بالحب والعدل والسعي إلى نصرة المظلوم وإدانة القهر والاستبداد، ذلك مهما كلف الأمر من أثمان .

وتواصل الكاتبة التركية : هناك جملة قضايا أخرى أسهمت في تكويني الفكري والأدبي والاجتماعي، وأعتقد أن في مقدمها علاقتي الوثيقة والخاصة بأمي، الدبلوماسية والكاتبة التي ربتني وتابعت مراحل نضوجي ووعيي بحنو وتفهم..وطبعاً كان لهذا كبير الأهمية في حياتي في ظل واقع غياب الأب عن الحضور في حياتي، أو التأثير في شخصيتي..منذ وعيت على هذه الدنيا .

1971

ولدت الروائية والكاتبة التركية، إليف شافاق،عام 1971. وهي تكتب باللغتين: الإنجليزية والتركية. وأعمالها مترجمة إلى ما يتعدى الـ30 لغة.

انفصل والداها، وهي في عامها الأول. فعاشت، حسب توصيفها، حياة تخلو من سلطة الأب.. بعيدة عن القوانين الذكورية. كما إنها اختارت اسمها مركباً من اسمها الأول: إليف. واسم أمها: شافاق.

أنجزت مجموعة روائع أدبية، من بين أهمها: رواية «قواعد العشق الأربعون»-الصادرة عام 2010، التي حققت معها شهرة كبيرة في العالم أجمع.

 تهتم إليف شافاق في كتاباتها الروائية، بالنبش في التاريخ وقراءة مكنوناته بعمق، ساعية إلى تصحيح المغالطات وفضح المسكوت عنه، وذلك بأسلوب أدبي شائق ومع قوالب ومعالجات عصرية جاذبة.

تعليقات

تعليقات