تتلقفك الدهشة، حين تلتقي فناناً مثل لطفي بوشناق، تحاوره وتسأله فتجد نفسك أمام فنانٍ ومتلقٍ في نفس الوقت، تنخر فيه المبادئ حتى الصميم، ويطارده هم الإنسان والإنسانية حتى النخاع، وتلاحقه السياسة بهمومها، فلا يكاد يهرب منها مرة، حتى يعود إليها مرات ومرات.

على عاتقه يحمل هم الفن الراقي، ملقياً باللوم على القنوات والفضائيات التي تعرض اليوم ما لا يعبر عن ماضينا وحاضرنا ومستقبلنا، لافتاً إلى أن الأغنية رسالة تساوي ألف خطاب سياسي، وأنه على استعداد لمسح الأحذية مقابل الحفاظ على مبادئه. "البيان" التقت بوشناق في حوار أكد فيه رفضه الغناء لقضية لا رأي له فيها، رافضاً أن يكون فنه مصدر رزق له، فهو يعيش ليغني ولا يغني ليعيش.

في ظل السمعيات الرديئة التي انتشرت اليوم، هل لا يزال الفن رسالة؟

سيظل هكذا دوماً، أحب من أحب وكره من كره، والأغنية التي تحمل رسالة تساوي ألف خطاب سياسي، وبرأيي أن المهتمين بالفن والمؤمنين بدور الفنان، يجب أن يساهموا في دعم الرسالة الهادفة ونشرها عبر القنوات، لأن ما نسمعه ونراه اليوم على الفضائيات ـ مع احترامي لبعضها ـ لا يعبر عنا أو عن ماضينا وحاضرنا ومستقبلنا.

على من يقع اللوم في ذلك؟

أصحاب الفن والرسالة والموقف والالتزام بالقضايا الانسانية موجودون ولكنهم مغيبون، والقنوات هي من يتحمل مسؤولية ذلك، كونها هي من ينشر ويذيع الفن، وبذلك تساهم في تأكيد مفهوم أن يكون الفن رسالة أم لا، كما أن المشكلة اليوم تكمن في أن من يمتلك المال، أصبح من السهل عليه أن يتجه لإطلاق قناة يتحكم من خلالها في ذوق الجمهور.

وأين أنت مما يعرض اليوم على هذه القنوات؟

لا أبحث عن موقع في هذه الساحة بقدر ما أبحث عن موقف يذكره لي التاريخ، وأنا على استعداد لأن أمسح الأحذية، في مقابل ألا أبيع نفسي ومبادئي.

متاجرة

وهل طلب منك أحد أن تتاجر بفنك؟

لا، ولكني أرفض أن أنزل لمستوى شركة إنتاج تفرض علي نوعية معينة من الغناء، فالفنان خُلق طليقاً كطيف النسيم، ليختار كلماته واتجاهه بنفسه، ويضع له سياسة ومنهجاً في حياته الفنية، وأنا اخترت طريق الكلمة الصادقة.

وهل يطعم الطريق الذي اخترته خبزاً؟

أنا أعيش لأغني ولا أغني لأعيش، فالفن ليس مصدر رزق بالنسبة لي، إذ لدي عملي الخاص، وعلى استعداد لأمارس أي مهنة في سبيل أن أحافظ على جودة فني، وألا أتنازل عن مبادئي، وعن الصورة التي حفرتها في ذاكرة المتلقي، ولذا، لن أقبل الغناء لقضية ليس لي رأي فيها، وإلا فعلى الدنيا السلام.

ما تقييمك للحالة الفنية اليوم؟

هناك الجيد وهناك الردئ، وبرأيي أن الفن انعكاس للحالة السياسية، فمن ينظر للوضع السياسي في منطقة ما يستطيع فهم الوضع الفني الخاص بها، ويبقى ارتقاء الشعوب مرهوناً بارتقاء الفن والفنانين، والعكس.

هناك هم سياسي ألمحه في إجاباتك، لماذا تربط كل سؤال بالسياسة؟

لأن الوضع السياسي مفروض علينا فرضاً، وما يحصل في عالمنا العربي من مشكلات لا نستطيع أن ندير له ظهورنا.

تعني أن الفنان يجب أن يكون صاحب موقف سياسي؟

يجب أن يكون لكل فنان موقف، ومن لا موقف له، لا وجود له.

قرار والتزام

ولكن هل صوت الفنان مسموع كالسياسي؟

قرار الفنان يكمن في التزامه بقضية صادقة، وهو لا يهدف من ورائها إلى تحقيق مصلحة أو الوصول إلى كرسي أو منصب أو أي غايات أخرى، ولذا فصوته هو الذي سيبقى.

قد يتسبب ذلك في مشكلات للفنان.

بالنسبة لي، فأنا أعيش من أجل المبدأ، ولا أبحث عن منصب أو موقع في هذه الساحة بقدر ما أبحث عن عمل وموقف يشهد له التاريخ ويبقى في الذاكرة، وما يهمني هو أن أكون صادقاً في رسالتي كإنسان وفنان.

ما الذي تطمح إلى تغييره اليوم فيما يتعلق بالفن؟

من موقعي كفنان، أحاول أن أكون شاهداً على عصري، فَهَمِّي هو الإنسان والإنسانية، وكل ما أريده هو أن أوصل رسالتي لأصحاب القرار كوني فنانا، والفنان صوت الشعب.

شاركت أخيراً كعضو لجنة تحكيم في برنامج "منشد الشارقة"، ما هدفك من وجودك في البرنامج؟

وثق صناع البرنامج بي، ولبيت دعوتهم للمشاركة في البرنامج، وأتمنى أن أقوم بدوري فيه على أكمل وجه، فهناك مواهب يجب دعمها، ومن دورنا أن نمنحها الفرصة ليتعرف الناس عليها.

إعادة نظر

أكد الفنان لطفي بو شناق أن الإعلام يتحمل مسؤولية مشكلات الفن الراقي والمستوى الذي وصل إليه اليوم، وطالبه بإعادة النظر فيما يقدمه للجمهور، لافتاً إلى أهمية أن يعبر محتواه عن ماضي الإنسان وحاضره ومستقبله، ما يرتقي بالذائقة الفنية والوعي الإنساني.