تشتغل الباحثة التراثية مريم الكيبالي، على مشروع بحثي جديد، تتوقف فيه عند إمارة رأس الخيمة، وتوثق للموروث الشفاهي فيها، فبعد أن قدمت كتابها «دراسات في تراث الإمارات: عراقة وأصالة» عام 2008، وحصولها على جائزة سمو الشيخ سلطان للبحوث التراثية عام 2011، بات البحث في التراث الإماراتي وكشف المخفي منه هاجسها الذي لا تكف عن تقديم الجهد والوقت له.
ولا تتوقف عند ذلك وحسب، بل تعمل في الوقت نفسه على ظاهرة المتاحف التراثية الخاصة التي تعتبرها ثقافة مميزة تنصب في خدمة التراث بصورة عامة، إذ ترى أن الاهتمام بالتراث الإماراتي يزداد يوماً تلو آخر، ويظهر ذلك من خلال المهرجانات، والمسابقات، والمركز، والمتاحف، التي استطاعت تحقيق المعادلة الصعبة المتمثلة في الجمع بين الأصالة والمعاصرة. تتحدث الكيبالي عن آخر انشغالاتها، ونظرتها لمتغيرات حركة الاهتمام بالتراث، ودور المؤسسات الرسمية والأهلية في العناية بالتراث، في الحوار التالي:
مشروع بحثي
ما الجديد الذي تشتغل عليه الباحثة مريم الكيبالي؟
اشتغل هذه الأيام على مشروعين الأول هو في واقع الأمر ثمرة جهد سنتين كاملتين قمت خلالهما بزيارة المناطق المحيطة بمدينة رأس الخيمة وقابلت فيها بعض الشياب وسألتهم عن المنطقة، وحصلت على معلومات كانت غائبة على جيلنا وقمت بتصوير أكثر من 70 صورة لكل منطقة وهي؛ شمل، والرمس، ومعيريض، والعريبي، وخت، ومسافي، فذكرت أهم معالمها وخصائصها وساكنيها وآثارها وتراثها.
وتحدثت في المشروع الثاني عن بعض المتاحف الخاصة التي أعتبرها ظواهر ثقافية متميزة باعتبار أنها معالم متحفية ترفد المتاحف الكبيرة وتعزز أهمية التراث في نفوس الأجيال لأنها تظل قريبة منهم وأجريت بعض اللقاءات مع أصحاب هذه المتاحف من خلال زيارة خاصة قمت بها لهذه المتاحف، وصورت الموجودات التي تضمنها كل متحف ومن هذه المتاحف متحف سمو الشيخ عبد الملك القاسمي، وقرية زايد التراثية لسعيد علي لحة الشحي، وقرية محمد بن راشد التراثية لسعيد عبد الله الظهوري، وقرية بن درويش التراثية لعلي عبد الرحمن بن درويش، ومتحف عبد الله بن لقيوس، ومتحف محمد محمد المطوع، ومتحف زيد سعيد اللصمي الشحي، ومتحف ابن قيدوه الشحي.
حركة متواصلة
منذ صدور كتابك «دراسات في تراث الإمارات: عراقة وأصالة» عام 2008 ما الذي تغير على حركة الاهتمام في التراث؟ وهل ما جرى يستحق البحث من جديد؟
النظرة إلى التراث في دولة الإمارات نظرة متطورة لا تقف عند حد معين، وإنما هي دائما في تطور نحو الأفضل فما نشهده كل يوم من سباقات الهجن والإبل والسباقات البحرية، فضلاً عن الندوات والمعارض والمحاضرات، وتخصيص كتاب عن التراث كمساق في الجامعة، كلها تتطور يوماً عن يوم لتصبح أفضل تنظيماً وإشرافاً وأكثر شمولية، وذلك ما نجحت فيه دولة الإمارات عبر الانضمام لملف الصقارة الدولي، وإضافة عدد من المواقع التراثية إلى قائمة التراث العالمي في اليونسكو، كحفيت، وهيلي، وبدع بنت سعود، ومناطق الواحات، كل هذه المنجزات التراثية تستحق الوقوف عندها وبحثها وتوثيقها.
ماضي وحاضر
حصلتِ على جائزة سمو الشيخ سلطان للبحوث التراثية عام 2011 في اليوم الوطني الأربعين لقيام الدولة ماذا أضافت لكِ هذه الجائزة؟
هذه الجائزة أعتز بها كثيراً، والفضل في ذلك أنني عملت سابقاً في لجنة التراث الشعبي في وزارة الثقافة وسمح لي هذا بالاطلاع على عمل الجمعيات ذات النفع العام، ومنها جمعيات الفنون الشعبية، باعتبارها حلقة الوصل بين الماضي والحاضر وهي الأساس التي اشتغلت في البدايات على التراث الشعبي.
زاد ذلك من اهتمامي بالموضوع فبحثت في أرشيف وزارة العمل والشؤون الاجتماعية، وحصلت على نبذة عن التأسيس ونظامها الداخلي ونطاق عملها وأهدافها وشروط العضوية فيها وواجبات الأعضاء وقرار الإشهار كما اطلعت على تقارير وزارة العمل حول هذه الجمعيات، وقمت بعددٍ من المقابلات مع المؤسسين ثم قدمت رؤية مستقبلية عن هذه الجمعيات مع بعض التوصيات كما أفردت ملحقا خاصا للصور.
ورغم أن المنافسة كانت قوية من المشاركين إلى أن الجهد الذي بذلته، والعمل الذي قدمته أهلني للحصول على الجائزة، وكانت بمثابة دافع وتحفيز لي للمضي في مشاريع تراثية أخرى، وأن يكون التراث هو صلب اهتمامي.
تطور وسائل
برأيك ما الذي يميّز التراث الإماراتي عن غيره من تراث البلدان العربية، ويجعله يحتاج اهتماماً أكبر؟
بحلول النصف الثاني من القرن العشرين زاد الاهتمام بالنص الشفهي كمصدر من مصادر التاريخ، ونشطت البحوث الرامية إلى جمع وتحقيق ودراسة التراث الشفهي والتراث الشعبي ككل، وأسست المراكز ونُشرت الدوريات المتخصصة في هذا الميدان، وكأننا بهذا نصل ما انقطع من مناهج آبائنا الأوائل الذين جمعوا التراث العربي عن طريق الرواية الشفهية.
كما أن دور العمل التليفزيوني تطور كثيرا في خدمة التراث وتطورت أساليب تقديمه في الإمارات، ويعد تراثنا من المناطق الفريدة في العالم، بما تتميز به من تراث شعبي تتوافر فيه مقومات الوحدة والترابط والتكامل.
أما عن تحديات التراث الذي نواجهها بفعل العولمة وحضور الجاليات المتعددة فإن أهمها يبرز في مدى قدرة الدولة في أن تجعل من تراثها، ثقافة قادرة على التأثير في الآخرين، وفي الوقت نفسه قادرة على المحافظة على خصوصيتها الثقافية، وقد استطاعت الدولة فعل ذلك من خلال تسويق تراثها الشعبي عبر الأنشطة المختلفة وعبر المشاركات في الأنشطة المحلية والعربية والدولية.
إرث غني
هناك الكثير من مراكز حماية وحفظ التراث، برأيك هل تقوم بدور فاعل بشكل حقيقي على الأرض، وتخدم التراث كما يجب؟
تنتمي دولة الإمارات إلى سياق من الإرث الغني والمتنوع الذي يعود إلى آلاف السنين، وتولي الدولة اهتماماً كبيراً للحفاظ على هذا التراث وتوثيقه للأجيال القادمة. وأدى التطور الذي وصلت إليه الإمارات في ميادين العمران، والتحديث إلى تحقيق المعادلة الصعبة المتمثلة في الجمع بين الأصالة والمعاصرة.
وفي هذا الإطار، يحرص صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، وإخوانه أصحاب السمو أعضاء المجلس الأعلى للاتحاد على إحياء تراث الأجداد والآباء وإبرازه وتطويره.
كما كان المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان مؤسس دولة الإمارات، من أشد المهتمين بالحفاظ على التراث الشعبي.

