قليلون هم من نَشْتَمّ رائحة الياسمين في موسيقاهم، ونتذوق طعم الحنين في ألحانهم، ونستمع لأقاصيص ما قبل النوم في مقطوعاتهم، ونرى أحلام المستقبل في معزوفاتهم، لنلمس مع أوتارهم لحظات "الإشراق"، ونعايش "حالات الوجد". هذا هو عود نصير شمة، الذي يعرف كيف يستعمر الحواس بأكملها، فتأخذنا أوتاره حيث يريد، ليلقينا مرة في بغداد، فنعايش حصارها، ومرة في سوريا، فنبكي على عتبات "باب عمرو"، ومرات في "أرض السواد" فنسترجع "أحلامنا العتيقة"، ونرحل كـ"العصفور الطائر"، لنحط على غيمات "الحرير" الممتلئة بـ"قصص الحب الشرقية". "البيان" التقت الفنان وعازف العود نصير شمة، أثناء مشاركته في مهرجان الشارقة للموسيقى العالمية، في حوار راقٍ يشبهه:

وسط الألحان الغربية التي أدمن الجيل الجديد سماعها، أين موقع اللحن الشرقي اليوم؟

اللحن جزء من الثقافة الشرقية، وهذه الثقافة أصبحت حاضرة بقوة في هذه الفترة، رغم كل الأحداث، التي أعادت مشهد الشرق إلى الوراء، وهذه الثقافة أخذت المبادرة، وأعادت المعادلة لصوابها على مستوى الإعلام العالمي، والمسارح، والمنشور، والمقروء، والمرئي، والمسموع، و لعبت دوراً في فترة المخاض الحالية، وفترة التغيير الكبير، الذي يشهده العالم.

في ظل انتشار السمعيات الرديئة، كيف تقيم الموسيقى العربية، وهل تراها مظلومة؟

الفنون عموماً شديدة الحساسية والتأثر بالأحداث، فتنسحق سريعاً، وتتوارى في حضرة الأحداث الكبيرة والمهيبة، وللأسف، فالفنون أول ما يتضرر، وآخر ما يُعاد بناؤه، وهذه مشكلة كبيرة، يعانيها الفن، وفي هذه الفترة، تأثرت الفنون الجمعية بلا أدنى شك، ولكن ظهرت- في المقابل- فنون فردية أخرى تعبر عن هذه المرحلة بقوة،وتتحدث عنها، ودورها جيد لا بأس به.

روحانية

تطغى الروحانية على ألحانك وترتديها، هل يمكننا الاتكاء على هذه الألحان، للتعرف إليك كونك شخصاً؟

بالطبع، فألحاني تعبر عني، ولكني لا أدري ما الرسائل التي توصلها للجمهور، فالتلقي يختلف من شخص لآخر، ويعتمد ذلك على مستوى المتلقي الفكري، والثقافي، والروحاني، ويحدده أيضاً شكل الاستقبال، لكني أتمنى أن يعكس عودي- دائماً- وقع نبضي الداخلي، وأن تكون موسيقاي مرآة كاشفة لروحي، وهذا- برأيي- مهم جداً، ويحتاج إلى مجهود مضاعف، لتحقيقه.

وصلت بعودك إلى مسافات بعيدة، وأصبح اسمك يتربع على عرش الموسيقى، كيف حققت ذلك؟

بالصدق وتبني الموضوعات، فالصدق يختصر المسافات، ويجعل الحقيقة واضحة أمام الجميع، والتظاهر سرعان ما ينكشف، كما أن تبني الموضوعات يستدعي هذا الصدق، ودائماً ما أردد" نجار صادق أفضل من نجار مهني"، لأن صدقه يضخ الروح في ما يقدم.

قصص قصيرة

قصص كثيرة تقف وراء ألحانك، هل تعشق عزف القصص؟

طبعاً، فكل قطعة موسيقية عبارة عن قصة قصيرة، أحكيها لنفسي وللجمهور، وأعبر عن رأيي فيها بطريقتي، وكل متلقٍ يقرؤها حسب شعوره بها.

ما أكثر قصة أثرت فيك ؟

"باب عمرو"،وهي من الألحان التي قدمتها أخيراً، وأثرت في كثيراً حين ألَّفتها، وفي كل مرة أعزفها لا بد أن أبكي من الأعماق، فهي تلخيص للمشهد السوري كله، وحين أعبر عن شيء ما، لا أقصد الواقعة بحد ذاتها، بل الواقع المحيط بها بأكمله، والأشخاص، الذين قدموا التضحيات الكبيرة.

أمنية تراودك؟

أتمنى أن يعود الاستقرار لعالمنا العربي، وتعود الحياة بجمالها وألقها، ويبدأ وطننا العربي عهداً جديداً، تتخلله رؤية واضحة، تصنعها الشعوب للمستقبل.

 

مساحة ضوء

شدد نضير شمة على أهمية الموسيقى في الارتقاء بالإنسان وروحه، مشيراً إلى أنه كلما انتشرت الموسيقى، قلت الظلامية في مجتمعاتنا، وكلما نشأ مهرجان فني وموسيقي جديد، انبثقت مساحة ضوء جديدة، وكلما وُلِد موسيقي في بيت من بيوت العالم العربي، اختفى من هذا البيت أي تطرف، أو عنصرية، أو تخلف، وظلامية.