قال الأمين العام المستقيل للمجلس الأعلى للثقافة في مصر، الدكتور سعيد توفيق، إنه غير نادم على تقديم استقالته، وذلك في خضم أجواء غير طبيعية ووسط أجندات ساعية لـ"أخونة الثقافية المصرية"، في عهد الوزير الجديد، مشيراً في سياق آخر إلى أن النخبة المثقفة في مصر تتحمل جزءا كبيرا من مسؤولية تردي الأوضاع في مصر، واصفاً إياها بـ"النخبة المخادعة".
وأكد في حوار مع "البيان"، أن الثقافة لن تزدهر بأي حال من الأحوال، في ظل أجواء من الفوضى والاضطراب، مشيراً إلى أن الثقافة في العالم العربي لا يعتد بها بصورة مباشرة، إلا كعامل "ثانوي" ليس أساسيا، وهو من أكثر الأخطار التي تواجه منظومة الثقافة العربية.
بداية، لماذا قدّمت استقالتك؟
الأجواء في وزارة الثقافة المصرية باتت غير مناسبة على الإطلاق، بعد وجود الوزير الجديد، وهناك مُخطط حقيقي لـ"أخونة الثقافة" وهو ما يتضح جدا من خلال مناقشة مجلس الشورى لتخفيض ميزانية الثقافة.. وأرى أن الفترة المقبلة سوف تكون فترة سيئة للغاية على منظومة الثقافة المصرية بوجه عام.. وبشكل عام لست نادمًا على تقديم استقالتي بأي حال من الأحوال.
ما الدور المنوطة به السلطة الحاكمة في البلاد من أجل الوصول إلى ازدهار ثقافي مصري ينعكس على جنبات المجتمع الداخلي؟
ما يتعين على السلطة الحاكمة في البلاد في المقام الأول هو تحقيق الأمن والاستقرار للشارع المصري بصورةٍ لائقةٍ تسمح للناس بممارسة حياتهم الطبيعية بكل أمل وتطلع نحو المستقبل، ولن تقوم للثقافة المصرية قائمة دون أن تدرك السلطة الحاكمة أن الثقافة لن تزدهر في ظل هذه الفوضى العارمة التي تشهدها البلاد، وعلى السلطة أن تدرك أن الثقافة لن تتحقق، وهي ليست على رأس اهتمامات أولويات أجندة الدولة، وتوفر لها كل سبل الدعم ليس المادي فحسب بل الأدبي، وهو الأهم الذي لا غنى عنه، فعمق الإيمان بالفكرة هو الضمانة الرئيسية لتحقيقها.
برأيك، أين النخبة الثقافية المصرية من المشهد السياسي الحالي؟
النخبة الثقافية المصرية خذلت وخدعت السياسة المصرية طويلا، وتتحمل الكثير من المسؤولية عن تردي أحوالنا المجتمعية بهذا الشكل، والقليل منها من دفعوا الثمن تجاه قضايا الوطن، فمعظمهم لم يقوموا بالدور الحقيقي المنوط بهم في هذا الاتجاه، فقد عاشت هذه النخب عهودًا طويلة من التغييب والتهميش، واستسلمت؛ لتطويعها لخدمة أهداف الأنظمة السياسية المتعاقبة على الحكم والترويج لها دون أن تعبأ بما يحتم عليها أن تفعله تجاه مصالح الشعب والوطن العليا، فقد ساهمت في خلق أحزاب كارتونية لا هدف لديها سوى الطاعة الخفية للنظام مقابل تحقيق مقاعد برلمانية أو وزارية أو ما شابه ذلك.
غياب أو حضور؟
كيف ترى مكانة الثقافة لدى الشعوب العربية؟
معظم الشعوب العربية تحتل الثقافة لديها مكانة ثانوية، وليست أساسية كما لو كانت تمثل لهم مسألة ترفيه، وفي ظل ثورات الربيع العربي وحالة الفوضى الموجودة بها نتيجة الغياب الأمني الكامل تراجع الدور الثقافي لدى هذه المجتمعات بشكل ملحوظ، ولم تصبح فيها الثقافة محلًا لأدنى اهتمام، ولعل هذا ما يدعم بقوة أن فكرة غياب الوعي الثقافي والبناء الوجداني من الأصل في مجتمعاتنا العربية، واعتبار الثقافة مسألة ثانوية، وليست حتمية، هو السبب الأساسي في تدهور الأوضاع في بلدان ثورات الربيع العربي، في ذات الوقت الذي يفترض أن هذه الثورات قامت من أجل بناء أجيال جديدة بمنظور ثقافي يعتمد على البناء لا يمضي في طريق الهدم، فما نحن فيه الآن ما هو إلا نتيجة طبيعية ومتوقعة في ظل ما تعيشه الأمة العربية من تغييب حقيقي وصارخ لتهميش دور الثقافة الواعد في بناء المجتمعات.
إيمان
هل تعرضتم خلال فترة رئاستكم للمجلس - لضغوط من شأنها التقييد على مناحٍ ثقافية معينة سواء بالحجب أو التحجيم؟
بكل صدق لم نواجه أي ضغط من هذا النوع، ولا ينبغي أن نتقبلها أو نوافق عليها إذا ما حدثت من الأصل؛ لأننا نؤمن بأن كل ما نقدمه من إبداع لا يمكن أن يسيء لمبادئ الأخلاق الراقية وتهذيب النفس البشرية من الوقوع في براثن الرذيلة والفحش، لكن أبرز الضغوط التي تواجهها وزارة الثقافة المصرية هو اضمحلال الدعم المادي إلى وضع مخجل.
ما الوضعية الآنية للعلاقة بين وزارة الثقافة ومنظمات المجتمع المدني ً في إطار الدعم المتبادل؟
هذا السؤال له من الأهمية بمكان أن يدرك الجميع ضرورة تعضيد أواصر هذا التعاون بالشكل الذي يكفل طفرة حقيقية لمنظومة العمل الثقافي المصري والعربي، وقمت مع عدد من زملائي والعاملين بالوزارة - لما كنت مسؤولا عن المجلس الأعلى للثقافة - بصياغة مسودة قانون، مفاده ضرورة أن تكون لدينا القدرة على أن تدعم وزارة الثقافة منظمات المجتمع المدني العاملة بشكل جاد في الواقع الثقافي، وليس أن تقوم هذه المنظمات بدعم وزارة الثقافة، فمن المفترض أن تقوم وزارة الثقافة بدورها الخدمي المنوطة به، وتكون خلاله هي المسؤولة عن توفير سبل الدعم المختلفة لهذه المؤسسات.
