قال الناقد الأدبي جمال العسكري، إن ما يُثار بالمشهد الثقافي المصري حالياً من مساعٍ لما يسمى بـ"أخونة الثقافة" لا يجب أن يُقلق المثقفين، فالثقافة أكبر من أن يتم قولبتها في إطارٍ واحد، كما يرى ان المؤسسات الثقافية في العالم العربي تعاني الوساطة، مشيراً في السياق ذاته إلى أهمية دور المثقف الذي يُعد جزءاً رئيسياً من حراك مجتمعي عام يُسهم في تغيير الأوضاع وتنميتها.
وأوضح في حواره مع "البيان" أهمية الدور الذي يلعبه جيل الشباب من المثقفين، في وقتٍ يُسيطر فيه الشيوخ على الساحة ومنهم من يعتقد أن ثورات لم تقع في المشهد المصري وكان لها تأثيرات في المشهد الثقافي.. وإلى نص الحوار الذي لم يخلُ من حديثٍ بشأن القصيدة النثرية ودورها..
ساحة ثقافية
كيف ترى وضع الساحة الثقافية في مصر عقب ثورة يناير؟
الثقافة في مصر كانت تعاني فيما قبل 25 يناير، بالرغم من وجود حركة ثقافية نشطة، لكن كان ينقصها العقيدة الثقافية، وأهم ما في ثورة يناير أنها طرحت للمثقفين بُعدًا استراتيجيًا تتوحد فيه الجهود في اتجاه القضايا الكبرى، من أجل الوصول إلى درجة ما من الحريات والسعي لوجود استقرار ثقافي واقتصادي للبنية الثقافية المصرية وإعادة هيكلة المؤسسات الثقافية ووضعها على خارطة القرار السياسي، باعتبارها أحد أهم الموجّهات في منظومة الإنتاج الشاملة للمجتمع، كما أعطت فرصة للمثقف؛ كي يعيد مسألة نفسه هو يكتب لمن؟ أو ينتج فناً لمن؟ وجعلته يغير رؤيته لهؤلاء الذين يشتركون معه في العقد الاجتماعي، وهو مطالب بالتعبير عن أزماتهم وأحلامهم.
أخونة الثقافة" مصطلح شكل هاجساً كبيراً للمثقفين في الفترة الماضية، كيف ترى وضع الثقافة المصرية عقب مرور 10 أشهر على حكم الإخوان؟
الثقافة إطار أكبر وأشمل أن يُحصر في اتجاه واحد سواء كان حزب أو جماعة أو حتى دين؛ فالثقافة منتج إنساني ينشد الجمال، ولا يمكن لأي فصيل مهما ظنّ في نفسه القوة أن يُقولب الثقافة في اتجاه سياسيات معينة؛ فالمثقفون الآن جزء من حراك إنساني عام يتحرّك في إطار هموم مشتركة على جميع بقاع الأرض، ومن ثم هذا التخوف من "أخونة الثقافة" مجرد هاجس، ولا يعني المثقف الحقيقي، فنحن عانينا طيلة الـ30 عامًا الماضية من سيطرة حزب واحد هو "الحزب الوطني" على كل مفاصل الدولة..
وفي ظني أننا لن نعود للخلف بعد ثورة بحثنا فيها عن الحرية، ولن نقبل أن نكون تحت سيطرة فصيل أو حزب معين؛ فالإخوان المسلمون عليهم أن يعوا أن فصيل سياسي مثل باقي الفصائل السياسية لهم الحق في المشاركة لكن الهيمنة مفروضة.
رقعة شطرنج
كيف ترى الثورات العربية بعد مرور قرابة العامين؟ وهل هي حقاً ثورات أم انتفاضات لم تحقق أهدفها؟
-لن نختلف حول المسميات، ولكن هنالك تغييراً حدث على رقعة الشطرنج لا يستطيع أحد إنكاره، ولن تعود الأمور كما كانت عليه، وإن هذا التغيرات سوف تجبر الجميع على إعادة ترتيب أوراقه، هنالك تغيرات جذرية في منطقة الشرق الأوسط ومشكلة هذه المنطقة أنها حبلى منذ قديم الزمن بمشروع نهضة حقيقي يجعل من الإنسان العربي إنسانًا شريكًا في صنع مصير العالم ويسعى لجعله آمناً على قوته وحياته ومستقبله، وهذا هو الهدف الاستراتيجي من هذه الثورات؛ فالثورات العربية تشترك جميعها في أن هنالك إنسانًا عربيًا ثار؛ لأنه يريد أن يرفع قامته وأن يسمع صوته وتلبي مطالبه، ولكن هذا لا يمنع وجود بعض الخروقات التي واجهت بعض الثورات العربية وأثرت في مسارها الثوري.
هل الجيل الجديد من المثقفين الشباب قادر على قيادة الحركة الثقافية في مصر؟ وكيف ترى فرصهم في ظل سيطرة العناصر القديمة على الساحة الثقافية؟
الشباب قادرون على مواجهة لحظتهم بشكل أوعى وأكثر حركية من الأجيال السابقة ودعني أقولها بصراحة إن لكل الأجيال الحق في الوجود وكل الأجيال الحق في المشاركة وليس هنالك في تاريخ الدول والحضارات شباب وشيوخ، لكن هنالك حضارة شابه تعطي وتنتج وهناك حضارات تستقيل من مسرح الصراع، ولا أنكر أن هنالك سطوة لدى أجيال الشيوخ التي إلى الآن مازالت تشك أن مصر حدث فيها ثورة، وهنالك تغيير حدث لا بد أن يعوا أبعاد المشهد ويسلموا راياتهم مرفوعة إلى الأجيال الجديدة.
قصيدة النثر هي إحدى الفنون الأدبية التي أثارت جدلاً كبيراً في الساحة النقدية العربية، ما رأيك؟ وما هي أبرز التجارب التي صادفتك للكتاب النثريين؟
قصيدة النثر هي أحد المتغيرات التي طرأت على الذائقة العربية منذ أكثر من 70 عاماً استوت هذه القصيدة وأصبحت قالباً فنياً له جماليته الخاصة وأصبحت موجودة بالفعل على خارطة الإبداع وهنالك الكثير من الأصوات المميزة التي حفرت لها اسماً بهذا الفن منهم على سيبل المثال محمد الماغوط وأدونيس وهنالك شعراء السبعينيات في مصر حلمي سالم عبد المنعم رمضان، ومن الأجيال الحالية هنالك عاطف عبدالعزيز وعيد عبد الحليم وغيرهم الكثير..
كل هذه الإبداعات تؤكد أن هذا النص موجود بالفعل والقائمين عليه يمتلكون أدواتهم بشكل جيد بما يبشر بمستقبل حقيقي لفن يقف على قدم المساواة مع باقي فنون النثر العربي.
رؤية جديدة
هل الدولة تقوم بالدور المطلوب في دعم الكتاب كصناعة مهمة لنشر الثقافة في المجتمع؟
هنالك جهود مبذولة بالفعل من الدولة سواء مشروع النشر بالهيئة العامة لقصور للثقافة أو مشروع النشر بالهيئة العامة للكتاب لكن أنا في ظني أن هذه المشاريع تحتاج إلى دعم جديد برؤية جديدة؛ بمعنى أن الدعم لا يقتصر على الدعم المادي فقط بل لابد من وجود دعم إعلامي وتسويقي حتى يصل الكتاب إلى أقصى ربوع مصر نحن نتحدّث الآن عن مطبوعات لا يتجاوز عدد المطبوع منها 3 آلاف نسخة ولا تصل لمستحقيها، فلابد أن يعاد النظر في سياسات الإنتاج والدعم الثقافي بحيث يقدم المنتج الثقافي بشكل يوازي قيمته.
حركة نقدية
عن مستقبل الحركة النقدية في مصر في ظل تصدير مجموعة معينة من النقاد على الساحة، قال جمال العسكري إن فكرة التصدير فكرة كاذبة وحرية الناقد وحرية المثقف لا تمنح من سلطة ولا من دولة ليصدر من يصدر سيبقى للتاريخ كلمته وإذا عدت إلى شباب الحركة النقدية المتواجدين على الساحة الآن ستجدهم تحركوا من تلقاء أنفسهم لم تفرضهم دولة ولم يفرضهم حزب، وجيل النقاد الشباب يمتلك من الوسائل والرؤى ما يجعله مهيمناً على سابقه ومضيفاً إليه وهذا الجيل من شباب الحركة النقدية يمتاز بأنه ملتحم بجسد الوطن ومتفاعل مع أزمات المتلقي ومشكلاته، وهو أقدر على التعبير عن اللحظة الراهنة التي يمر بها العالم العربي من الأجيال السابقة التي كانت تعيش حالة من الانعزالية وهي بعيدة كل البعد عن نبض الشارع؛ نظراً لعلاقتهم الملتبسة بالسلطة وبمراكز رأس المال، فمن يتحدّثون في الإعلام ليسوا هم النخب الحقيقية؛ فالنخب تقوم بدورها في كل مكان، وهؤلاء أضيفوا إلى النخب ولا يمثلون إلا أنفسهم،
