هالة حجازي، شاعرة لبنانية مسكونة بالحرف والشعر، ترى في ترنيماته ذلك الصهيل الذي يُنادي أمواج الروح، وتقول إنها تبتهلُ في معابد المعنى لتبلل ريق الحرف من فاتحة الأبجدية. الحرف بالنسبة لها شجن، والكتابة اكتشاف. مدمنة لرحيق الكلمات ونبوءاتها.

التقتها (البيان) فكان الحوار التالي، عن هواجس الإبداع والكتابة، وعن الشعر في زمن السرد، وعن آفاقه في ظل غياب المتلقي، والجمهور الافتراضي في النوافذ التفاعلية، في ظل بحث الشاعر عن متلق بديل عن جمهور الشعر الغائب فإلى التفاصيل..

غياب المتلقي

كلمة عنك وعن الشعر في زمن غياب المتلقي؟

إني قطعة جسد تخبز الحرف من رغيف الأبجدية، تثيرني شهوة القلم فأمتطي صهوة حرفي الُمدجج بروحي أشتعل شوقا وأحترق مثل مبخرة عود، أبللُ بقلمي ريق الحرف من فاتحة الأبجدية الى الخاتمة وأبتهلُ في معابد المعنى، أنثى ربعها خريف .. ربعها شتاء، ربعها ربيع وربعها صيف بالمختصر المفيد أنثى الفصول.

الشعر هو ذاك الصهيل الذي يُنادي أمواج الروح برضاب أنهكه ملح الحنين فيأخذني الحلم إلى جزيرة تتكأ أفكاري فيها على جذع نخلة لأخلع صمتي وآتي مع رفيف عطر وأشواق جامحة، أغوص في أغواره فيأرجحني مده وجزره بتراتيل رائعة ليبدأ بممارسة الشعوذة كعواصف نيسان فيهز جذوع شوقي ويعتلي شهوة أفكاري .. أليس جميلا أن يخترقني الشعر وينتحر فيّ النبض ويهديني نبي الحرف لتكون الأبجدية فريضة والشعر صلاة والخشوع قصيدة.

رحلة الكلمة

إلى أي مدى تؤمنين بالحرف وجنون آفاقه وكيف البداية مع الشعر ومحطات رحلة الكلمة؟

أدمنت رحيق الحرف منذ ريعان شبابي وكنت مع أحضان الطبيعة السرمدية التي أخذتني الى عالم التأمل والخيال ولعلها السبب الغامض والسر الكامن وراء هذا المد الشعري الذي غمر شواطىء هالة الإنسانة..

كيف لا أؤمن بالحرف وهو الذي يدفعني لكشف سر الحياة ويرمم عظام أبجديتي وينفخ فيها الروح ويهبني من رحيق أنفاسه نسمة تصهد في عروق دمي وتلعق أوداج روحي فأمتطي خاصرة القلم كعاصفة يُجلجلها شهاب عشق لارتديه وأغرس في مكامنه نطفة حرف لتولد من رحم المعاني جنين كلم فأذبح تاريخ صمتي وأخطف من الثمانية والعشرين حرفا قُبلة حبر تؤجج هذياني وتنبتُ عوسجاً شهياً في روحي ليقتحم الشعر كلي ويزلزل أركاني.

في أي الفرق تصنفين نفسك وأي المدارس الأدبية وهل تؤمنين بتلك القوالب التي يضع النقاد؟

كنت قارئة نهمة ومتعطشة ومتلهفة للشعر وللقصص والرويات فامتصصت من جميع مدارس كبار الشعراء والكتاب والفلاسفة النوابغ لأنتج رحيقي الخاص.

اللقاء الرقمي

لاحظت حضورك القوي في مواقع التواصل الاجتماعي فهل الفضاء الافتراضي مساحات خلقها غياب المتلقي الفعلي والجمهور؟

لقد أصبح العالم الافتراضي مكاناً للتواصل وحافزاً للإبداع والابتكار ومساحة لابراز المواهب واختزال المسافات والخروج من أبعاد المكان وهو منهل غزير لتدفق المعلومات وتلاقي الثقافات من كل حدب وصوب ولهذا إيجابية عالية ونكهة خاصة فنحن نتواصل روحياً ونحضر مجالس العديد من المبدعين والمبدعات الحاضرين بقوة في هذا العالم في جلسات دعونا نسميها "اللقاء الرقمي" إن جاز التعبير.

إن طبيعة التقنيات التي تتوفر في هذا العصر هي التي انتجت هذا النوع الجديد من التواصل ولا نعلم كيف ستصبح عليه طبيعة اللقاء والتواصل مستقبلاً.

ولكن رغم كل ما أحدثته التقنية من تغييرات في سلوكياتنا وطرق تواصلنا فأنا لا أستطيع أبدا ان أقول بأن العالم الافتراضي قد ألغى العالم الواقعي، فالتواصل البشري الفعلي والملموس في حدود الزمان والمكان سيظل هو الجوهر والأصل.

معين الروح

كيف تتعاملين مع جمهورك في هذه النوافذ التفاعلية وهل تكسر نخبوية الكاتب والمتلقي؟

الجميع على صفحتي هم أخوة في أسرة واحدة نجتمع على الكلمة الراقية ونفترق (إن حدث ذلك) على الاحترام، لا بد من أن نكون نخبويين بشكل أو بآخر فكما ننتقي أصدقاءنا في الواقع ننتقيهم أيضاً في هذا الواقع الافتراضي كذلك للمتلقي حق في انتقاء ما يقرأ ولمن يقرأ، ولعل الكثير الكثير من الأفكار والتخاطر الروحي تنبثق عن هذه النوافذ الصغيرة التي نعزف عليها حروفاً بأطراف أصابعنا.

البعض يقول بموت الشعر وسطوع السرد ما رأيك في ذلك؟

الشعر ما زال رأس الحربة في الإبداع وهو في مقدمة الفعاليات الابداعية في العالم وهو قادر على الارتقاء بالوضع.

فالشعر لا يموت في وجود الانسان ووجود ذاك الاحساس النابع من معين المشاعر ومن تلابيب الروح فهو ملاذ بحد ذاته في عالم الكلمة والفكر وهو الذي يضعنا وجهاً لوجه أمام تفاصيل التجربة الإنسانية بكامل أبعادها فهو دائماً عليه أن يحمل في طياته فكراً ورسالة يبثها في عين القارئ بكل سهولة ويسر، سيستمر الشعر مبثوثا امام الفنون النثرية مثل السرد بالرواية او القصة وغيرها، وسيظل ذاك الينبوع الذي لا ينضب ومبعثا للقيم الابداعية والجمالية على اختلاف هيئاته وصوره التي يتشكل بها تبعاً لاختلاف الزمان الذي يُبعث فيه.

بوح الأمكنة

إلى أي حد تؤثر الأمكنة في كتاباتك وما هي أكثر العناصر إلهاما في تجربتك؟

من خلال قصائدي دائماً أحاول أن أكتب الشعر الذي يُجسد الصورة ويحرك الخيال والعواطف بكل ما في هذا التجسيد من معان عميقة وامتاع للعقل البشري، فمثلاً تُصادفنا من مظاهر الطبيعة كثير من الصور قد لا تثير فينا أي اهتمام، ولكن قد نتأمل قصيدة في وصفها وتشكيل كلماتها كلوحة تجعلنا نعود الى هذه المناظر من جديد، لتهز فينا أسمى المشاعر والأحاسيس.

 

هم إبداعي

حول الهموم الفكرية والإبداعية التي تشغل هالة حجازي هذه الأيام، قالت إن اكتشاف الحرف التاسع والعشرين من الابجدية هو ما يُثير أفكارها ويزيدها عطشاً لمعرفة مكنونه وغياهبه، ولعل هاجسها الفكري هو أن ينهض الأدب العربي نهضة نوعية ويقفز قفزات تفوق عالم الغرب في الفكر والإبداع. وحول إصداراتها الجديدة تشتغل على مجموعة شعرية ترى النور قريباً، تحت عنوان "قَبلة الحبر".