يمتد الحوار مع رائد ترجمة الأدب العربي الحديث دنيس جونسون ديفز دائما في عرض الجديد والحافل بالمفاجآت، وهو يدهشك بأنه بقدر عمق استحضاره للماضي من خلال الرحيل في الذكريات، فإنه يمد الجسور نحو المستقبل عبر الحديث عما يود إنجازه اليوم قبل الغد. وكانت أولى المفاجآت التي صافحنا بها في مستهل الحوار معه هي أنه يعكف الآن على ترجمة رواية أبطالها من أبناء صعيد مصر، ويتطلع إلى إصدار ترجمة معاني القرآن الكريم التي أمضى بالاشتراك مع المغفور له د عز الدين ابراهيم 10 سنوات في إنجازها. وهو لا يتردد في الإعراب عن تقديره الكبير لموهبة أبناء الإمارات في كتابة القصة القصيرة بصفة خاصة، وذلك من خلال تجربته في ترجمة مجلد "في صحراء خصبة" الذي أصدره أخيرا.
وفيما يلي نص الحوار:
هل لك في أن تطلعنا على أحدث أعمالك التي تعكف على إنجازها الأن؟
لقد بدأت في تأليف رواية أبطالها من أبناء صعيد مصر، وأنا آمل على الرغم من كل الصعوبات في أن أجد ناشرا لها، فمسألة العثور على ناشر كانت تؤرقني طوال عمري ، ولا تزال تؤرقني حتى اليوم. ويبدو أن المرء لكي ينشر عملا كهذا يتعين عليه أن يقيم في القاهرة وأن يعرف الأشخاص المناسبين ، ولكني لم أعد أتمتع بأي من هاتين الميزتين. كما أنني أشعر سواء كنت محقا أم لا بأن الناس ينظرون إلي باعتباري إنسانا ينتمي إلى جيل مضى.
10 سنوات من الجهد
إلى أين وصل المشروع الذي تصديت لإنجازه مع د. عز الدين إبراهيم لترجمة معاني القرآن الكريم؟
لقد تم الانتهاء من هذا العمل قبل وقت طويل، ولكن صديقي د. عز الدين ابراهيم أصر على إضافة ما بدا لي أنه إضافات غير ضرورية إلى الكتاب، وأعتقد أنه كان مترددا في الانتهاء منه، وأظن أيضا أن هناك بعض الصعوبة في معرفة من هو المكلف بإصدار هذا الكتاب، وأظن أنه نجله. وأشعر بأن ما ترجمناه من معاني القرآن الكريم ينبغي أن يصدر في مجلد قائم بذاته، وباعتباري المترجم المشارك في إنجاز هذا العمل، وفي ضوء أن المترجم الآخر قد رحل عن دنيانا فإني أحس بأني ينبغي الآن أن أكون مسؤولا عن الكيفية التي يتم بها إصدار السور والآيات الكريمة التي ترجمت معانيها مع د. عز الدين إبراهيم ، وأن أحدد أين ينشر هذا المجلد ، وفي أي شكل. ولست أدري حقا أي مستقبل ينتظر هذا العمل الذي يقع في مجلدين وذلك بعد أن أمضيت 10 سنوات من عمري في ترجمته.
مواهب مدهشة
إذا عدت بذاكرتك إلى مجلد "في صحراء خصبة" الذي ضم ترجمتك لعدد من القصص القصيرة التي ِأبدعها أبناء الإمارات، فما هي انطباعاتك عن القصة القصيرة في الإمارات؟
لقد أدهشني أن أجد الكثير من المواهب في كتابة القصة القصيرة في الإمارات وذلك عندما كنت أبحث عن مادة مناسبة لإصدارها في هذا الكتاب، أما اليوم فإنني لا أشعر بأن هناك مواد كثيرة كما كان العهد آنذاك، وهذا يرجع إلى حد كبير إلى الحقيقة القائلة إن القصة القصيرة الجادة لا تقرأ بقدر كاف من قبل المثقفين من شرائح المجتمع، وقد تأثرت بصفة خاصة بقصة قصيرة أبدعتها كاتبة لم تكن قد نشر لها شيء حتى ذلك الحين، وهذه القصة تحمل عنوان "المرأة العجوز" ووقد ألفتها القاصة مريم السعدي، كما توقفت طويلا عند القصص التي أبدعتها الكاتبة سارة الجروان.
ويمكنني القول إن مجلة "بانيبال" المتخصصة في ترجمة الأعمال الإبداعية العربية قد أنجزت الكثير من الكتابة العربية بصفة عامة، ومع ذلك فإنني أشعر أن الكتابة العربية في الإمارات، وفي منطقة الخليج عموما، ينبغي أن تحظى بمجلة أدبية تكرس فقط لأدباء هذه المنطقة من العالم، مجلة يمكن أن تنشر أيضا مقالات نقدية معمقة حول فن كتابة القصة والرواية، ومثل هذه المجلة ينبغي أن تصدر باللغة العربية وإن كان يمكن بين الحين والآخر أن تضم مواد باللغة الإنجليزية، وهذه المجلة يمكنها أيضا من حين لآخر أن تقدم الجوائز لمبدعي الأعمال المتميزة.
في رحاب دبي
أمضيت سنوات عملت خلالها في دبي، فهل لك أن تحدثنا عن تجربتك هناك في مستهل النصف الثاني من القرن العشرين؟
في واقع الأمر كانت لدي تجارب عدة مع دبي، وتعود التجربة الأولى إلى عام 1955، عندما شددت الرحال إلى دبي بلا أجر للعمل مترجما للمغفور له بإذن الله تعالى سعيد آل مكتوم حاكم دبي آنذاك خلال المفاوضات التي أجراها مع شركة نفط بريطانية، ولم يكن في دبي آنذاك فندق واحد، وهكذا فقد أمضيت وقتا سعيدا مع مصور ذلك العهد صديقي رونالد كودراي ، وكانت دبي آنذاك هي المنطقة الأكثر تطورا في هذا الجزء من العالم، حيث عاش ابناؤها بصفة أساسية على عائد التجارة النشطة مع الهند أساسا.
وكان الشيخ سعيد آل مكتوم رجلا علت به سنوات العمر فزادته مهابة وحكمة، وكان معظم حديثي مع المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم. وقد تأثرت بدبي وبصفة خاصة بكونها ذات طابع محلي خالص. وأتذكر أنني قمت بزيارة قصيرة إلى أبوظبي في ذلك الوقت.
وقد عدت إلى دبي مجددا في عام 1969 وكان الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم قد أصبح حاكما لدبي في ذلك الوقت، واثر في بشدة القدر المدهش من الحكمة والموهبة والقدرة الذي كان يمتع به، وأسعدني أن أعمل تحت توجيهاته ، وقد اقترحت على السلطات البريطانية آنذاك ، أن توضع محطة إذاعة "صوت الساحل" التي كنت مديرا لها تحت مسؤوليته، وخلال ذلك الوقت قمت بإدخال بث الإعلانات بين برامج المحطة، وقد توج هذا التوجه بنجاح كبير قبل أن أغادر دبي، وفي حقيقة الأمر أن العائد من الإعلان كان يغطي نفقات المحطة.
وقد جعلت هذه التجربة الكثيرين في دبي يدركون قيمة كل أنواع الإعلان، وقد تنبه الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم إلى الوقت الطويل الذي كنت أقضيه في الأسواق تحت حر الصيف اللافح للتردد على رجال الأعمال والتجار ومحاولة إقناعهم بجدوى الإعلان، وربما تقديرا منه لهذا الجهد حاول إقناعي بالبقاء مديرا للإذاعة، بل ووجه لي الدعوة في ضوء خبراتي السابقة في هذا المجال لإنشاء محطة للتلفزيون، وقد أشرت آنذاك إلى الخطوة الأولى لتحقيق مثل هذا التوجه هي المبادرة إلى حشد المواهب اللازمة للانطلاق به ، وهو بالفعل ما قام به.
وقد كان من الكرم بحيث وعدني بأن يضاعف الراتب الذي كانت تعطيه لي السلطات البريطانية، وبأن يسمح لي بأن أدير مشروعي الخاص في ميدان الإعلان، ولكنني آثرت حينذاك الانطلاق للإقامة في لبنان، وقد كانت تلك حقا أياما رائعة بالنسبة لي.
ما هي انطباعاتك عن الأعمال الأدبية الصادرة حديثا في الإمارات بشكل عام ودبي بشكل خاص مع وصول الجيل الأقدم من المبدعين إلى مرحلة التوقف الكلي تقريبا عن إنجاز أعمال جديدة؟
لست أشعر بأن الإمارات قدمت أخيرا كتابا موهوبين بصفة خاصة، وذلك على الرغم من أنها تحظى بالعديد من الكاتبات الشابات الموهوبات ، ويغلب على ظني أن المستقبل سيشهد المزيد من المواهب الشابة ويرجع السبب في ذلك إلى أن معظم الناس قد وظفوا موهبتهم في مجالات أخرى، مجالات تعود عليهم بعائد أفضل، وعندما كنت أبحث عن مواد لكتابي "في صحراء خصبة" كان العنوان الذي أعطيته للكتاب في حد ذاته يقدم للقارئ شيئا عن المكان الذي جعل هذا الكتاب عملا مميزا.
وعلى الرغم من أن هذا المكان لم يعد صحراءً اليوم، وأصبح من الصعب أن يحدد المرء من خلال مشاهدته أين هو على وجه الدقة، فقد أحسست بأن من المؤسف أن كثيرا من المباني المنتمية إلى ماضي الإمارات قد تم هدمها، وما زلت أتذكر بوضوح بالغ كيف مضيت إلى المغفور له بإذن اله تعالى الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم وحاولت أن أشدد في حديثي معه أن معالم من نوعية البراجيل التي كانت بمثابة معلم يقترن بدبي ، لها قيمة حقيقية وتساعد في إعطاء دبي طابعها الخاص، وأنه ينبغي السماح لها بأن تبقى على ما هي عليه، وبصفة خاصة تلك المباني ذات البراجيل التي تحيط ببيت الشيخ سعيد.
رسالة من القلب
كان يفترض أن تشارك في فعاليات مهرجان الإمارات للآداب في دورته المقبلة، وأن تلقي محاضرة عن جماليات اللغة العربية تحت رعاية "البيان" خلال المهرجان، ولكنك اعتذرت لأسباب صحية، هل هنالك رسالة تحب أن توجهها إلى من سيشاركون في فعاليات المهرجان؟
على الرغم من أنني تلقيت بالفعل هذه الدعوة الكريمة التي أشعر بالامتنان عنها بالنسبة لإدارة المهرجان و"البيان" على حد سواء، فقد ساورني الشعور بأن صحتي لا تسمح لي بالرحيل بالطائرة على امتداد 10 ساعات كاملة من مراكش ، حيث أقيم، إلى دبي حيث تقام فعاليات المهرجان لأقضي قرابة أسبوع واحد ، وأنا لا أملك إلا توجيه الشكر لإدارة المهرجان و"البيان" على هذه الدعوة ، وأتمنى للمشاركين في المهرجان التوفيق والحظ الطيب ، وأنا على يقين من أن إدارة المهرجان ستوفر مثل هذه الفرصة لكتاب من شتى أرجاء العالم لإضفاء المزيد من الثراء على الحياة الأدبية في الإمارات.
هل هناك كاتب عربي بعينه تبدي الآن اهتماما خاصا بأعماله؟
إنني أدرك أن صديقي د محمد المخزنجي هو كاتب موهوب بصفة خاصة ، ولكنه ليس من ذلك النوع من الكتاب الذي يفرض نفسه بحيث ينال الشهرة التي يستحقها عن جدارة. وفي اعتقادي أنه ينبغي أيضا أن يكون هناك من يشعرونه بأن الكتابة يمكن على نحو ما أن تبرهن على أنها تستحق الجهد الذي يبذل فيها وذلك على صعيد المردود المالي ، وأن الإنشغالات الأخرى التي يكرس وقته لها يمكن تنحيتها جانبا لصالح تكريس وقته للكتابة، وأعتقد أن الشيء نفسه يمكن أن يقال عن المترجم همفري ديفز الذي بينما يكرس كل وقته للترجمة، لا تتم مكافأته في اعتقادي بالشكل المناسب على الجهود التي يقوم بها، والأمر نفسه كان يمكن أن يقال عني.
آفاق المستقبل
هل لا تزال مهتما بتأليف المزيد من مجلدات القصص القصيرة؟
لدي الكثير من المواد التي لم تنشر حتى الآن، وقد حصلت الناشرة والناشطة السيدة إيزوبيل بالهول على بعض من هذه المواد وبصفة خاصة 4 روايات قصيرة كنت قد ألفتها للفتية الأكبر سنا، وكلها تتصدى لبطولتها الشخصيات نفسها، ولكن أيا منها لم يقدر له النشر. وهناك أيضا العديد من الروايات الأقصر والقصص القصيرة التي لم تجد ناشرين، وذلك برغم اعتقادي أنها أفضل من الكثير مما يشق طريقه إلى النشر هذه الأيام.
كما سبق لي القول فقد بدأت بتأليف رواية لا أمنحها كثيرا من الوقت، حيث إنني لست واثقا أنها ستجد ناشرا، وفي ذهني بعض القصص القصيرة ولكني أعتقد أنها لن تأتي بمردود يجعلني أتحمس للإنتهاء من إنجازها، وأنا ما زلت حريصا على تأليف المزيد من القصص الموجهة إلى الفتية والصغار، وفي ذهني الكثير منها ولكني أعتقد مجددا أنها لن تأتي بمردود يذكر، وفي هذا الصدد أود أن أشير إلى أنني لم أتلق أي عائد مالي في السنوات العديدة الماضية من الخمسين كتابا التي ألفتها للأطفال، والتي قمت بنشرها.
هل يبدو لك مستقبل الأدب العربي الحديث واعدا؟
إنني أشعر بأنه ليس هناك عدد كاف من القراء في العالم العربي ممن يكرسون وقتهم لقراءة روايات وقصص قصيرة جادة سواء باللغة العربية أو الإنجليزية ، بحيث يجعلون من كتابة مثل هذه الأعمال باللغة العربية شيئا مجديا، كما أن الناشرين أنفسهم لا يعطون مثل هذه الأعمال الاهتمام الذي تستحقه.
ما هو انطباعك عن الجيل الشاب من مترجمي الأدب العربي اليوم؟
لست أعطي اهتماما كافيا بميدان الكتابة العربية هذه الأيام بحيث يمكنني إصدار حكم في هذا الشأن، وانطباعي العام أن قراءة الأعمال الروائية والقصصية الجادة ، وكذلك إمكانيات حقوق النقل للسينما والتلفزيون ليست مشجعة بشكل خالص، وعلى الرغم من ذلك، فإنني أدرك أن كاتبا واحدا على الأقل يتمتع بموهبة قد ظهر ويحقق نجاحا مرموقا في كل من الكتابة باللغة العربية والترجمة، وهناك بصفة خاصة همفري ديفز وعدد محدود آخر من المترجمين الشبان الذين يتمتعون بموهبة حقيقية. وبعض الذين يقومون بالترجمة عن العربية هذه الأيام ليسوا مؤهلين بصورة كافية في معرفتهم باللغة العربية ، بينما هناك آخرون لا يتمتعون بالمواهب الأدبية الضرورية في إطار اللغة الإنجليزية.
وإجمالا فإني أعتقد أن الأدب العربي سوف يحتل المكانة التي يستحقها في الساحة العالمية.
جسور بين مترجمين عبر 25 عاما
قام معالي محمد المر رئيس المجلس الوطني الاتحادي بتعريف المترجمين دنيس جونسون ديفز وكامل يوسف حسين أحدهما بالآخر قبل ربع قرن من الزمان تقريبا في غاليري المجلس ببر دبي
امتد التعاون بين المترجمين منذ ذلك الحين، حيث ترجم كامل حسين العديد من قصص ومقالات دنيس جونسون ديفز.
توج هذا التعاون بترجمة كامل يوسف حسين لكتاب "ذكريات في الترجمة" الذي يضم لمحات من الحياة المهنية والشخصية لدنيس جونسون ديفز بقلمه. وصدرت الترجمة عن دار الجربوع الدبوية قبل سنوات.
أحدث الإصدارات
يقول دنيس جونسون ديفز عن أحدث إصداراته: أحدث إصداراتي هو مجلد "العودة إلى الوطن" الذي يضم قصصا قصيرة من الإبداع الأدبي المصري قمت بترجمتها على امتداد 60 عاما وأصدرتها مطبعة الجامعة الأميركية بالقاهرة.
وقد كنت أول من تصدى لترجمة قصص قصيرة مصرية، وحرصت على أن أصدر هذا المجلد الذي يمثل القصة القصيرة في مصر منذ أيام الرائد محمود تيمور وغيره من كتاب جيله أو حتى بعض من سبقوه.
وأتذكر أنني في ذلك العهد البعيد كنت أترجم قصصا قصيرة بانتظام، وتتم إذاعتها في الإذاعة. وقد أذيعت ترجمات كثيرة لي بهذه الطريقة، ولكنني أعرف أن الكثير منها قد تبدد مع الهواء لأنني لم يتم في حينه إعطائي نسخا من تلك القصص، بينما بعض النسخ اختفت من أوراقي.
وشملت إصداراتي الحديثة أيضا مجلدا بعنوان "العودة إلى الدار" يضم قصصا ترصد تطور القصة القصيرة المصرية عبر 60 عاما، كما أصدرت مجلدا بعنوان "أعمال نجيب محفوظ الأساسية"، وأعتز بصفة خاصة بإصدار مجلد "في صحراء خصبة" الذي يضم قصصا قصيرة أبدعها كتاب وكاتبات من الإمارات.

