لطالما ترددت كلماتها الرشيقة، واتسعت دلالاتها الشاسعة، وارتقت معانيها السامية، إلى مسامع العالم العربي الممتد، شعراً وغناءً، وهي التي أجادت التعامل مع الكلمة من كل زواياها، فأبدعت ما يرشح إلى السمع ألواناً، وواصلت برفقة الكلمة إلى بعيد. «غياهيب» الاسم الذي امتد حضوراً، وسطع قولاً، فوهب فنانين كباراً فرصة الإبداع في أغنية الشعر النابض.. نظمت الشعر في بحور الحياة الوارفة، وسقت منه المستمعين إنصاتاً هنيئاً، ولا تزال تقبض على الكلمة بوزنها في شتى المجالات. في جائزة الشيخة شمسة بنت سهيل للنساء المبدعات كانت المفاجأة، حين أطلت على جمهور النساء للمرة الاولى في أمسية شعرية كانت هي بطلتها، قالت فيها أحلى وأروع ما جادت به قريحتها، وفي حضرة حرم صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، سمو الشيخة شمسة بنت سهيل، أعلنت «غياهيب» عن اسمها الحقيقي للمرة الأولى، بعد سنوات من الإبحار في أعماق الكلمة، أبدعت فيها الكثير، وتعلق بما تبدع من الشعر، كل من قرأها أو سمعها شعراً أو غناء.

 

هي الشيخة فاطمة بنت راشد بن سعيد آل مكتوم، ومن اسمها، تتجلى بوضوح حقيقة علاقتها الوثيقة بالشعر والكلمة المبدعة، فهي من تربت في بيت الشعر والفصاحة، وارتوت من كأس الإبداع رشفات، هي شقيقة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، وعمة فارسي الشعر، سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي، وسمو الشيخ أحمد بن محمد بن راشد آل مكتوم، اللذين ملآ فضاء الأدب بروائع الكلمة.

بعد الضجة السعيدة التي أحدثها إعلان «غياهيب» عن اسمها الحقيقي، وما رافق ذلك من ترحيب وإعجاب للحاضرات بشاعرة لطالما أفصحت في كلماتها عن انتماء وطني، ونسجت فيها حساً جميلاً، وهي تسرد الشعر في كل مناسبة وحين.. كانت هذه الوقفة الجميلة مع فارسة الشعر الغنائي الشيخة فاطمة بنت راشد آل مكتوم، نتعرف خلال السطور المقبلة على ملامح هذه الشخصية، ونقف عند أبرز المحطات في حياتها، ونعيش معها لحظات فيِّ الكلمة، نستظل بجمالها الوارف ونستلهم من معانيها نسمات عليلة، ونسمو معها إحساساً وذوقاً. لم تتحفظ سموها على أي سؤال في الشأن الخاص أو العام، وإن لم يخلُ حديثها بعض الشيء من ردود لا نتردد في وصفها بـ«الدبلوماسية»، نقترب أكثر من هذه الشخصية ونقرأ تعريفها بنفسها كما تريد أن تقدمه للقارئ، ترى كيف عبرت عن نفسها؟

من هي الشيخة فاطمة بنت راشد آل مكتوم.. (النشأة والتعليم وملامح التربية وتأثيرها على تكوين شخصيتك)؟

فاطمة بنت راشد، ابنة الإمارات، عشت وتربيت على أرضها الطيبة المعطاء، ونهلت من خيرها. كلي فخر أني ابنة دولة فتية بنهضتها، عريقة بأصالتها، أيدها الله بحكام كرام، توحدت كلمتهم والتحمت سواعدهم، فواصلوا الليل بالنهار، وجعلوا الإمارات على سنام الرفعة والرقي والازدهار، حملوا الهمَّ لينعم الناس بنعمة الأمن والأمان، فزادت ينابيع الخير يوماً بعد يوم، وتوالت العطاءات والمنجزات على بلادنا الكريمة، فصارت مفخرة لكل مواطن، ومنارة علمٍ وأمنٍ وخيرٍ لكل الناس.

لك مع الشعر حكاية، فكيف كانت البدايات؟

بفضل من الله، وعون وسند من أخي الشاعر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، خطوت خطواتي الأولى في هذا الدرب، فقد كان معي يداً بيد، وخطوة بخطوة، يشجعني ويساعدني. وإنّ حبي للشعر ولكل جميل من الكلمات والعبارات كان مغروساً في قلبي منذ الصغر، حتى إنني كنت أحياناً أعمد إلى تبديل كلمة في قصيدة ضمن منهاج اللغة العربية دون المساس بجمال البيت أو معناه، وذلك أثناء التسميع على مقاعد الدراسة، مما حدا ببعض معلماتي أن يبدين إعجابهن بميولي الشعرية، ويتفاءلن بمستقبلي كشاعرة، ويتنبأن لي بهذا الشيء.

لماذا «غياهيب» (الاسم المستعار) وأنت من تربى في بيت فيه من فرسان الشعر أبدعهم؟

لم أشأ أن أبدأ باسمي الحقيقي، وذلك لرغبتي بوجود حوار صادق وشفاف بيني وبين المتلقي، فكما أعبر عن كل ما يجول في خاطري من أحاسيس ومشاعر، أردت لقارئ كلماتي أو سامعها أن يطلق العنان لأفكاره ويعبر عنها بكل حرية دون التقيد بشخصي، يتقبل شعر «غياهيب» أو يرفضه، مما يبقي الجوهر هو محور اهتمامه وليس الشكليات، فيقبل على شعر «غياهيب» لأنه يعجبه، بغض النظر عن معرفته بشخص كاتبه أو مكانته.

ماذا يعني هذا الاسم وما سبب اختياره؟

بالنسبة لاسم «غياهيب»، فقد أحببت هذا الاسم وأشعر أنه يعبر عني ولا أريد مفارقته، وكما تعلمين، فإن «غياهيب» هي كلمة شعبية دارجة، والفصيح هو غياهب، والمفرد غيهب.

ماذا تكتب «غياهيب»؟

أكتب شعوري وأشدوه شعراً، وأرسله نغماً عبر أصوات شجيةٍ ندية، تخاطب قلوب وعقول المستمعين، معبرةً عن أفراحهم وأحزانهم، أحلامهم وآلامهم، بكلمات خرجت بكل عفوية، تسطر مشاعري وحبي لأهلي وناسي ومشاركتي لهم في قضاياهم واهتماماتهم، فالكلمة متى كانت صادقة وخرجت من القلب، وصلت إلى القلب من غير استئذان، وتقبلها الطرف الآخر بكل عفوية.

لماذا اخترتِ التحرر من «غياهيب» الآن؟

«غياهيب» وفاطمة بنت راشد، هما كيان واحد وجزء لا يتجزأ. ونظراً لتكريمي في جائزة الشيخة شمسة بنت سهيل للنساء المبدعات، كان لا بد من أن يصاحب ذلك كشف النقاب عن صاحبة هذا الاسم، وليس التحرر منه، وقد كانت تلك اللحظة من أجمل اللحظات التي ستبقى في الذاكرة، ومن الأمسيات الرائعة التي سأظل أتذكرها بكل حب.

ألن تخشي من قيود «غياهيب» مستقبلاً، وأن تبقي أسيرة هذا الاسم؟

اسم «غياهيب» ليس قيداً، بل هو عنوان البداية، بداية حواري وتواصلي مع الناس، وسيظل موجوداً، ورمزاً شعرياً وجسراً ينقل شعور صاحبته فاطمة بنت راشد، ولا يقيدها، والعطاء سيبقى متدفقاً ولن ينضب أو يتوقف بتغيير الاسم، فالإحساس يبقى وفيض الكلمات أيضاً، ومن يقرأ أشعاري تحت اسم فاطمة بنت راشد آل مكتوم، سيعيش الإحساس ذاته وهو يقرؤها باسم «غياهيب»، والبدايات دائماً مهما كانت بسيطة، وكيفما كانت تبقى من الأمور الجميلة في حياة صاحبها، ويبقى لها نكهتها وطعمها الجميل في مسيرة تكبر وتنضج مع الأيام بطبيعة الحال.

صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، فارس الكلمة والشعر، فأين الشيخة فاطمة بنت راشد من شعره؟

صحيح أني أنتمي إلى أسرة ذات اهتمام بالشعر والفكر، لكن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، كان وما زال عميد هذه الأسرة، قائداً وشاعراً وفارساً، أتابع شعره بكل اهتمام وتقدير، وقد برع في كل المجالات التي خاضها، وطموحه لا تحده حدود، ينقلني بكلماته بين القلم والفكر والفروسية بكل تناغم وانسجام وسلاسة، هو مدرسة ـ بلا شك ـ وجميعنا كشعراء نتعلم ونستفيد من شعره، ونستنير بكل جديد يفاجئنا به.

أكثر ما يعجبك في شعر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم؟

يتميز شعر سموه بالفصاحة وقوة الشاعرية. يلامس بكلماته الأحاسيس، ويدغدغ شغاف القلب، وينساب مثل سلاسل الحرير المذهب بالأناقة، شعر يشنِف الاذان ويسمو بالفكر عالياً.

"محمد يا حَميد الوصف يا شيخٍ رفيع الشَــانْ قريضك بالفصاحة، عبقري الذهن يسميها"

وماذا عن إبداعات سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم؟

أثبت سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي، قوة موهبته وتمكن شاعريته، وله بصمته الشعرية الخاصة، فجادت قريحته بجزيل الكلمات وعميق المعاني. وهو شاعر متألق على خطى والده صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، إنه الأسد من ذاك الأسد، وكذلك أخوه الشاعر سمو الشيخ أحمد بن محمد بن راشد آل مكتوم، المعروف بقوة قصائده، وروعة معانيها. وأنا أفتخر بهم جميعاً، وأعتز بشعرهم وعطائهم المتحضر، حفظهم الله ورعاهم.

أول ظهور جماهيري لسموك كان في الأمسية الشعرية خلال جائزة الشيخة شمسة للنساء المبدعات، هل لك أن تصفي لنا تلك الأمسية، وهل توقعت ذلك الاستقبال الجميل من الحاضرات، وقد ضجت قاعة قصر الإمارات بالتصفيق والتشجيع؟

ما زلت أعيش تلك اللحظات التي التقيت بها بالحضور، ورأيت حبهم لي في عيونهم، في جوٍ مليء بالحب والابتهاج. إن حبهم لي غمرني سعادة تفوق حد الوصف، وغذٌوا مشاعري بدفء مشاعرهم، وسيظل بريق عيونهم، ولطيف استقبالهم وترحيبهم في ذاكرتي ما حييت. لم أتوقع بطبيعة الحال رد الفعل، لكن من خلال معرفتي بجماهيرية «غياهيب»، لم استغرب رد فعل الحاضرات، بل سعدت به، وقد أشعرني بكم الاحتواء والحب الذي يكنه جمهور الشعر ومحبوه لي، وهي العلاقة الجميلة التي أحرص على أن تمتد بيني وبين جمهوري دوماً، فهي الزاد الأكبر الذي يعين على الاستمرار والنجاح وتقديم الأفضل.

لقد أذهلت الحاضرات حضوراً فهل أذهلك الحضور؟

نعم، جداً، فقد كانوا جميعاً على مستوى عالٍ جداً من الرقي في المشاعر والرقة في الإحساس، والحفاوة في الترحيب والتفاعل الجميل، ولولا هذا التفاعل والتجاوب مع ما أقوله لما كان هناك شعر، وإن وجد فلا شك أنه يكون بلا إحساس، وهذا ما لا أرغب فيه، فجل ما أحرص عليه، تقديم الجميل الذي يرضيني، ويحوز على رضا مستمعيه، وينال استحسانهم، وقد كان الشعور بيني وبين الحاضرات متبادلاً، فيه من الاحترام والتقدير والألفة، وتقارب القلوب وتواصلها، وهي نعمة عظيمة أحمد الله عليها.

كيف كان اللقاء بسمو الشيخة شمسة بنت سهيل وما هو الحوار الذي دار بينك وبينها؟

كان لقاءً ملؤه الود والترحاب، ودار بيننا حوار جميل كجمال روح صاحبته، وتألقها ورقتها المعهودة، وقد سعدت باعتلاء المنصة وإلقاء قصائدي في تلك الأمسية في حضورها، وحضور عدد من الشيخات والحاضرات الكريمات، وسررت بالصدى الجميل لذلك.

اليوم، هل تشعرين بالندم من تأجيل إعلان هويتك؟

لا، أبداً، وكما ذكرت سالفاً فإن تكريمي في جائزة الشيخة شمسة بنت سهيل كان السبب الرئيسي للكشف عن هوية «غياهيب»، وأعتقد أن الوقت كان مناسباً جداً لذلك، بعد عدد كبير من القصائد التي تغنى بها جمع من فناني الإمارات والخليج العربي، وأصبحت «غياهيب» حاضرة على الساحة الشعرية شعراً وغناءً، فلم يعد هناك ما يبرر عدم الإعلان عن اسمي والظهور به.

لك في الشعر الغنائي أسلوب، فما أقرب ما غُني إلى نفسك؟

لكل أغنية مناسبة خاصة، وذكرى عزيزة على نفسي، لذلك أحبها جميعها دون استثناء، ولكل قصيدة لونها الغنائي الذي يتناسب معها، بالتالي ليس هناك ما يجعل هذه تطغى على الأخرى، أو أن تكون هذه أقرب وتلك أبعد، فجميعها قيلت في مناسبات بمختلف أنواعها، وأحبها كلها.

ما أجمل ما كتبته الشيخة فاطمة، وما هي القصيدة التي لم تكتب بعد؟

أجمل كتاباتي هي ما أعجب جمهوري، لأنها قناة للتواصل بيني وبينهم، ويبقى الحكم في النهاية للجمهور، والذي أيضاً بدوره سيكون حكمه مبنياً على ما يلامس نفسه أو موقف مر به أو أثر فيه أو تأثر به، فالأمر نسبي يصعب علي ككاتبة تحديد أجملها، فكل واحدة تعبر عن حالة أو موقف، وبالتالي ليس بالضرورة أن يكون ما أراه الأجمل هو بالفعل كذلك، وليس بالضرورة كذلك أن يتفق الناس على ذلك، وهنا أعلن أنني بصدد كتابة قصيدة تصف شعوري تجاه من حضروا تكريمي، وفرحي وسعادتي من حديث القلوب قبل العيون الذي دار بيني وبينهم.

يقال للألوان دور في نفسية الشاعر ماذا تقولين في هذا؟

كل لون له جماله الذي يشع فيه، وأحب ذلك الشعور الذي ينتابني إذا نظرت إلى ألوان علم إماراتي الحبيبة، هي أجمل الألوان في نظري وأقربها وأحببها إلى نفسي، هي الألوان التي تشعرني بالفخر والعزة لقيام اتحاد دولتنا الغالية.

مَن مِن الفنانين تمكن من إيصال ما تكتبه الشيخة فاطمة إلى المستمع؟

كل الفنانين الذين غنوا كلماتي، قدموا أحسن ما لديهم، من إبداع في الأداء، وجمال في الصوت وإحساس بالكلمات، فالفنان لا يطرب سامعه إن لم يكن إحساسه عالياً بما يؤديه كلاماً ولحناً وأداءً، والحقيقة أني سعيدة بكل من غنى من أشعار «غياهيب»، وأشكرهم جميعاً على ذلك.

ومَن مِن الفنانات تتمنى الشيخة فاطمة أن تسمع أشعارها بصوتها؟

كل صوت جميل قادر على إيصال إحساسي ومشاعري إلى قلوب المستمعين، والساحة كما هي مليئة بأقلام تجود شعراً، هناك أيضاً أصوات فيها من الشجن والجمال الكثير، ويبقى الرهان على القدرة على الإيصال، والولوج إلى قلوب المستمعين.

ما جديد الشيخة فاطمة بنت راشد آل مكتوم؟

أغنية «علينا وعد»، كتبت كلماتها في يوم اتحاد إماراتنا الأربعين، وتم تصوير الأغنية «فيديو كليب»، بصوت الفنان عيضة المنهالي، وألحان إبراهيم السويدي، وإخراج بسام الترك. وكذلك أغنية «يا موت» التي كتبتها تأثراً بما يقع على شبابنا من جرَاء السرعة والانشغال بالهواتف النقالة وغيرها أثناء القيادة، هي مساهمة مني لنبذ السرعة، والتركيز على القيادة حتى تكون آمنة.

كلمة أخيرة؟

اللهم اجعل إماراتنا بحكامنا، ممَن أشارت إليهم أعلام الهداية، ووضحت لهم طريق النجاة، وسلكوا سبيل الإخلاص واليقين، وأنعم علينا بالأمن والأمان، واحفظ اللهم الإنسانية جمعاء.