حين تجالسه تستشف جاذبية حديثه وعمق الرسالة التي يحملها. فهو من دعاة الحوار بين الحضارات، ولكنه يناقض ما يثار حول صراعها. تجده مشغول دوما بالهم الثقافي والحضاري، ويسعى جاهدا إلى تعديل صورة العالم الإسلامي والعربي في الذهن الغربي، من خلال المحاضرات والدراسات العديدة التي ينجزها. إنه الدكتور عبد العزيز بن عثمان التويجري المدير العام للمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة «ايسيسكو». (البيان) التقت التويجري في دبي أثناء مشاركته كضيف شرف في منتدى راشد الإنساني الأول، الذي نظم أخيرا، فكان الحوار التالي:

بداية، كيف تقرأ ما تشهده العواصم العربية من تغيرات وحراك شعبي. وماذا عن قراءاتك لمكنون المشهد الثقافي العربي؟

الثقافة هي روح المجتمع التي بها يتنفس ويبدع ويجدد. وواقع العالم العربي اليوم ثقافياً ليس على ما كنا نأمل، فنحن ما زلنا بعيدين عن مقدمة الركب وقد سبقتنا دول كثيرة في مجال الإبداع الثقافي بمجالات مختلفة، وما زال الواقع الثقافي لدينا حبيس ضوابط ومحاذير كثيرة، وما زلنا بحاجة إلى معرفة كيفية توظيف الثقافة لبناء الأوطان والعقول التي تبدع وتتعايش وتحترم الاختلاف والتنوع الثقافي في المجتمع، وبلا شك ان التنوع الثقافي هو مصدر غنى لكل مجتمع.

والمشكلة إننا ما زلنا نعاني من بعض الحساسيات في المجتمع العربي والإسلامي، من التنوع الثقافي واختلاف الآراء، فعندما نختلف مع الآخر أحيانا نقوم بتصنيفه ونحذر مما يقول، ولا ندرك بأنه يعبر عما يؤمن به، وبتقديري ان الأفكار هي التي تصحح الأفكار وليست المواجهات العنيفة والتجريح والقدح، وفي هذا الإطار أرى أن الثقافة في العالم العربي ما زالت تحتاج إلى أن تطور في مجتمعاتنا روح التفاهم والاحترام وقبول التعددية والاختلاف في الآراء، لأن الكون كله مبني على التنوع في كل مظاهره، بما فيه البشر.

 

انعكاس إيجابي

أحد مطالب الحراك العربي الحالي، توفير الحريات على كافة الأصعدة. هل يمكن لهذه التحركات أن تجذب الحرية للمثقف العربي؟

هي ستغير شكل الحياة بكل صورها في مجتمعاتنا، لأن بعض الشعوب العربية عاشت في ظل القمع، وهيمنة الحزب الواحد والرأي الواحد والسياسة الأمنية، وما يحدث في العالم العربي هو موجة من التغيير المندفعة بقوة، والتي ستغير الكثير من الأفكار والرؤى والمفاهيم ما سينعكس إيجابياً على الثقافة، وتأثيرها في المجتمع.

هل تشعر بأن هذا الحراك قادر على تغيير الصورة النمطية الموجودة في الذهن الغربي عن المواطن العربي؟

لقد غير هذا الحراك تلك الصورة، والغرب الآن يرى الشباب العربي بعين أخرى، وأصبح يدرك أن الشباب العربي مثل شباب الأمم الأخرى، له طموحات وتطلعات وكرامة يريد المحافظة عليها، وبالتالي تغيرت الكثير من المفاهيم لدى الغرب بهذا الشأن، وأصبح الناس هناك ينظرون باحترام للشباب العربي الذي بات مضربا للمثل في المنتديات والبرامج الحوارية والكتابات الغربية، وقد شاهدت بعضها وقرأت عن الإعجاب بهذه الجرأة وثورة التغيير والإصلاح، وبلا شك أن هذا يشكل مصدر اعتزاز لنا.

استراتيجية للحوار

طالبتم مرارا بضرورة مواصلة دعم العمل الإنساني المشترك لتعزيز الحوار بين الثقافات والتحالف بين الحضارات. كيف هي ماهية التصورات بهذا الشأن ؟

العالم تتقاسمه حضارات وثقافات متعددة، ومحكوم على دوله التعايش والتعاون فيما بينها، بما يخدم القضايا الإنسانية الكبرى، ويخدم السلم والأمن والتعايش السلمي بين الدول، وباعتقادي أن الحوار هو الوسيلة المثلى والوحيدة التي يجب أن يلجأ إليها العقلاء لفض النزاعات وإيجاد الأرضية المشتركة التي يتفاهم عليها أتباع الحضارات والثقافات المختلفة، وإذا لم نلجأ للحوار المتكافئ الذي يحقق المصالح المشتركة، فالصدام هو المسلك الآخر وهو ما لا نريده.

ومن هذا المنطلق فإن منظمة الإيسيسكو نشطت في قضية الحوار بين الثقافات والتحالف بين الحضارات، وارتبطنا مع العديد من الهيئات والمنظمات الدولية في الأمم المتحدة مع المندوبية السامية في تحالف الحضارات، والتي يترأسها الوزيران الأولان في كل من إسبانيا وتركيا. وعين لها الأمين العام للأمم المتحدة مفوضاً سامياً هو جورج سمبايو، الممثل السامي للأمم المتحدة لتحالف الحضارات والرئيس البرتغالي السابق، وقد انخرطت كشريك في حركة تحالف الحضارات، كما انخرطت من قبل مع اليونسكو في برنامج تقارب الثقافات الذي اعتمدته المديرة العامة لليونسكو إيرينا بوكوفا، ولتفعيل ذلك وضعنا استراتيجية للحوار مع الطرف الآخر (غير العربي المسلم)، واستراتيجية أخرى للتقريب بين المذاهب الإسلامية.

بحكم نشاطك في هذا الجانب، هل ترى انه يوجد هناك صراع حقيقي بين الحضارات ؟

لقد سبق أن فندت مقولة «الصراع بين الحضارات» عبر العديد من الدراسات والكتب التي ألفتها. إن الحضارات لا تتصارع وإنما تتلاقى لتستفيد من بعضها، وبتقديري أن الحضارة الإنسانية كبيرة وفيها عديد الحضارات التي تغني وتقوي مسار الحضارة الإنسانية، أما الصراع فهو بين المتعصبين وأصحاب الأفكار الشاذة المتطرفة، وهم الذين ينشرون الصراع باسم الحضارات، والتي ليست لها علاقة بذلك. كما ان الأديان ايضا لا تتصارع، وذلك كونها رسالات سماوية جاءت لهداية الناس.

رؤى مغلوطة

أين يقف العالم العربي والإسلامي من مسألة تعزيز التحالف بين الحضارات؟

العالم العربي الإسلامي في حالة تراجع وانقسام، واليوم لدينا عملية اصطفاف طائفي وإقليمي خلقت العديد من الصراعات التي تتركز في منطقتنا، والسبب هو غياب الحكم الرشيد في معظم المناطق الإسلامية، لأن الحكم الرشيد معناه أن تسخر إمكانات الدولة ومواردها لتنمية المجتمع، ونحن استخدمنا الحكم للهيمنة على المواطنين والاستئثار بالسلطة، ولذلك يجب علينا البحث عن أسباب الضعف لنتمكن من البدء بمرحلة البناء الحضاري الذي يفتح أمامنا آفاق التقدم والازدهار.

كيف يمكن إنجاح التحالف بين الحضارات ؟

الذي يخيفني واهتم بالبحث حوله ودراسته ومعالجته، هو حمى التطرف والتعصب في الغرب، حيث إنها بدأت تظهر جلياً بعد فوز عديد الأحزاب اليمينية المتطرفة بالانتخابات وحصولها على مقاعد في المجالس التشريعية والبرلمانية في بعض الدول الغربية، وأعتبر مثل هذه الأصوات التي تحارب الأجنبي، سواء كان مسلما أو إفريقيا أو آسيويا، وتدعو لتنقية أوروبا من كل شيء غير مسيحي، لدرجة أن بعض القادة الأوروبيين صرحوا بأن أوروبا هي قارة مسيحية، تمثل نوعا من التعصب الأعمى، إذ لا وجود لقارات من نسيج مكون اجتماعي واحد صافي، وهذا بسبب تداخل العالم.

وبتقديري، فإن كل الدعوات المتطرفة ستوجه الأنظار في المقام الأول للمسلمين، لأن القرارات التي صدرت في العديد من الدول الأوروبية تعتبر نوعا من الانغلاق الذي يناقض ما كانت تدعو إليه أوروبا من أفكار ليبرالية تحررية.

واحترام للديمقراطية وحريات التعبير، ونجد أن الغرب اليوم يخالف ما كان ينادي به بالأمس، في ظل وجود فئات كثيرة في الغرب تدعو للانعزال ومحاربة التنوع الثقافي والديني، وبتقديري أن هذا يضر بالعلاقات بين العرب والمسلمين والغرب، ويتعارض مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ومع مبادرة تحالف الحضارات وأفكار الحوار بين الثقافات التي انخرطت فيها هيئات ومؤسسات غربية عديدة، مثل تلك التي يرأسها رئيسا وزراء اسبانيا وتركيا، ومن هذا المنطلق أتخوف من الانغلاق الذي بدأنا نشهده بالغرب، والانغلاق الموجود لدينا من بعض الأطراف المتعصبة سيؤدي إلى مواجهة بين الجهالات وليس الحضارات، ولهذا سيكون هناك آثار وخيمة على العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب، وعلى الأمن والسلم الدوليين بصفة عامة.

 

وأد الفتنة

دعوت إلى ضرورة تفعيل استراتيجية التقريب بين المذاهب الإسلامية، التي اعتمدها مؤتمر القمة الإسلامي العاشر في ماليزيا سنة 2003. ما مضمون وملامح هذه الإستراتيجية؟

بخصوص استراتيجية التقارب بين المذاهب الإسلامية، التي وضعتها الايسيسكو، وشارك فيها علماء المذاهب الإسلامية الفقهية المختلفة، حيث اعتمدت في المؤتمر الإسلامي العاشر الذي عقد في ماليزيا 2003، فقد أنشأت الإيسيسكو مجلساً أعلى لتطبيق هذه الاستراتيجية يضم في عضويته مجموعة من العلماء من المذاهب المختلفة، ودعونا إلى توظيف مضامين هذه الاستراتيجية في التعليم والمنابر الثقافية والخطاب الديني لكي يتعارف المسلمون على بعضهم البعض عن قرب، لمحو وإزالة ما يتردد من أقاويل وإشاعات قد تحدث الفرقة بينها، وقد رأينا في الفترة الأخيرة خطر ذلك بظهور بعض الدعوات الطائفية، وهو ما حذرنا منه.

وبلا شك فإنه حدث خلال السنوات الثلاث الأخيرة انحراف عن الاستراتيجية، ولذلك فالدعوة التي وجهتها أخيرا، تهدف إلى تفعيل الاستراتيجية لوأد الفتنة الطائفية والعمل على تضافر جهود العلماء والمفكرين، لتوجيه عقول الشباب في جميع العالم الإسلامي نحو الاحترام المتبادل والتفاهم فيما نتفق عليه، ولنخلص الى التسلح بقناعة أن يعذر كل طرف الآخر في كل ما نختلف فيه.

 

الفكر أساس

هل تعتقد أنه يجب علينا إعادة ترتيب البيت الإسلامي من الناحية الفكرية، بحيث نستطيع تقديم صورة صحيحة ونموذجية عن الإسلام والمسلمين، للعالم الغربي؟

هذا صحيح. يجب ان نعيد ترتيب البيت الاسلامي فكرياً وثقافياً واقتصادياً، ليكون قادرا على مواجهة الدعوات المتطرفة التي تخرج من الغرب، وكذلك هناك ضرورة لتفعيل استراتيجية التقارب بين المذاهب الإسلامية لمواجهة خطر الطائفية التي قد تفتت المجتمعات العربية والإسلامية. ولأن يكون التخطيط والعمل العلمي أداة ورؤية تقديمنا لواقعنا الجديد، وان نبتعد عن الارتجال والتفكير الذي لا يؤدي إلى نتيجة. كما يجب الاعتماد على البناء على أسس واضحة، خاصة وأننا نمتلك كل مقومات النهوض والثروات الهائلة من قوى بشرية ومواقع جغرافية استراتيجية يمكن أن تتحكم بكل العالم. والمؤسف هو ما نراه من تهميش للعالم الإسلامي، ويمكن تخطي ذلك عبر الرجوع لمصادر قوتنا وعوامل الاقتدار الموجودة لدينا، وبتوظيفها يمكن وضع خطة تتوافق عليها كل الدول العربية والإسلامية، بشكل جدي وليس عاطفيا، كما يجري في مؤتمرات القمة التي تخرج منها مجلدات لا يطبق منها سوى النزر اليسير مما تم الاتفاق عليه.