بين مغنية شابة وفرقة موسيقية وأم وحبيب موسيقي نجم، حكاية مشوار مشته يولا مارسيل خليفة، يضجّ بمخزون كبير من الإحساس والشجن. فليس سهلاً أبداً أن تكون تلك المرأة الهادئة الرزينة والذكية، زوجة مارسيل خليفة وأم ولديه الموسيقيين بشار ورامي. فكل هذا النجاح للثلاثي يمكن للمرء معرفة سرّه حين يتعرّف على يولا التي لا تخطو خطوة من دون حساب.
واليوم بعدما ارتاح بالها وصارت جدّة وحلّق الأولاد في نجومية رسمتها لهما، تفرّغت الأم الرؤوم ذات الصوت الحنون لنفسها، وقررت تسجيل أسطوانة تصرخ بها الـ (آه). كأنها تستعيد فيها ذكرياتها في قريتها جزين في جنوب لبنان، حيث عشقت الموسيقى على مقاعد الكنيسة، وذكرياتها وهي تغني مع الكورس في فرقة «الميادين» التي أسسها مارسيل خليفة حين كانا صديقين فقط.
كأن صوتها الذي يؤدي 12 أغنية بين التراثية والفولكلورية والحديثة بمرافقة موسيقيين مقدونيين، يصرخ في وجه سنّ اليأس وفي وجه مرض السرطان الذي شُفيت منه. كأن صوتها في هذه التجربة الأولى التي أتت متأخرة، يفتح ذراعيه للحياة ليؤكد أن كل شيء ممكن، وأن الطموح لا حدود له ولا يمكن للسنين أن تكسّره أو للظروف محوه. هي تعرف حدودها وطاقتها، لذا لم تقترح يولا نفسها في أسطوانة (آه) كمطربة، إنما «حالة إنسانية خاصة».
«الحواس الخمس»، التقى يولا خليفة التي درست الفلسفة في الجامعة اللبنانية وعملت في التعليم قبل أن تدخل فرقة «الميادين» وتلفتها أغنية «جواز السفر»، ثم تتغير حياتها وتتزوج نجماً اضطرت أن تهاجر معه من مدينة الى مدينة بسبب الحرب الأهلية اللبنانية.
لماذا (آه)؟
«لأنها تختزل أشياء كثيرة: التحرر او النَفَس الذي هو أساسي في الغناء. ولأن الآه تمثل أشياء كانت موجودة في داخلي كان من اللازم عليّ أن أُخرجها بطريقة ما».
لكن ألم تطل هذه الآه؟
بلا تأخرت، لكن على ماذا؟ الموسيقى تعيش فيّ. فعندما كنت صغيرة كنت أحب الغناء، إنما لم يكن حلمي أن أكون مغنية. لكن في السنوات الأخيرة المؤلمة والجميلة، شعرت بحاجة ملحّة لأقول شيئاً على العلن على طريقتي الخاصة، فكان الغناء سبيلاً.
هل تعمّدت أن يتجلى المستمع من خلال اختياراتك للأغاني من التراث والمعاصر؟
لم أتعمدّ أي شيء. بل كنت أبحث من خلال هذه الأغنيات عن السلام بعد تعب الهجرة والحرب والمرض. أقدم في هذه الأسطوانة ما أشعر به وما أحبه وما يُشبهني.
كيف تصنفين عملك؟ ما الإضافة على ما سمعناه من استعدادات فولكلورية مغناة سابقاً؟
خلال رحلتي الفنية كنت دائمة البحث عن معنى خاص لغنائي. ما اكتفيت أبداً بالجاهز والمنجز وهذا ما تسمعينه في ألبومي الجديد. كانت أسئلتي دوماً تقلقني فأنا إنسانة شديدة الحساسية، أتأثر بكل شيء يحصل من حولي، وفي عملي الجديد تجدين تأثراتي التي في جزء منها الحرب والخوف والمرض، كما في المقابل أحمل ذكريات هانئة عن طفولة عذبة قضيتها في صفاء الطبيعة. فعل الغناء إذا أردتِ، هو حاجتي للعودة إلى الذات بعد كل هذه السنين من الحياة الصاخبة، من السفر والتنقل في المدن، والغربة عن البلد. كنت أريد لحظة حقيقية فكان فعل الغناء هو طريقي لملاقاة أناي الحقيقية.
هل يكون الغناء الفردي هو مهنتك بعد اليوم؟
رغم أنني لم أمتهن الغناء قبلاً (بمعنى الغناء الفردي) فإن عملي هذا نابع من معرفة اكتسبتها بالممارسة والعيش. أحببت الفنون دائماً، بشكل عام، كون الفن هو فعل تحرر، به تمتلكين الوسيلة للتعبير عن هواجسك وأحلامك، وبه تكسرين حواجز الضغوط النفسية، ومن خلاله تستطيع الاقتراب من حريتك والقفز إلى فضاء رحب من الخيال والنشوة.
لماذا اخترت موسيقيين من مقدونيا، ما الذي أخذك إلى هناك، وما هو الجامع المشترك بينك وبين فرقتك الموسيقية؟
في إحدى رحلاتي إلى مقدونيا تعرفت إلى هذا الشعب النقي، البسيط والمحب للموسيقى من كل قلبه. أحسست بانسجام فوري مع فرقتي الموسيقية من مقدونيا، وقد التقيتها أثناء عملي في «الميادين» ومديرها هو ألكسندر بتروف موسيقي من فرقة الميادين، وصديق لأولادي يعشق موسيقانا، والتقينا هكذا على هذا المشروع. بتروف والموسيقيون المصاحبون أحبوا فكرة عملنا معاً، وأنا وجدت في بلادهم شيئاً يذكرني بطفولتي ويستعيد ذاكرتي البعيدة وهكذا انطلقنا في مغامرة لطيفة من الميلوديات، والألحان. افتتن المقدونيون بالشرق وسحره، فكان ان حلّقنا في العمل سوياً، واهبين كل ما نملك لتلك اللحظة المجنونة.
هل ساعدك مارسيل ورامي وبشار؟
مارسيل ورامي وبشار كانوا موجودين أكيد، ولكن ليس بشكل مباشر. هم محترفون لدرجة عالية، مما زاد من مهمتي صعوبة، ولكن كان لا بد من هذه الخطوة لأتصالح مع ذاتي ومع الاشياء من حولي وهم بالفعل فرحوا لأجلي وأحبوا عملي وأهداني مارسيل مقطوعة موسيقية أضيفت للعمل، وكذلك رامي على البيانو.
من أين لك هذا العشق للموسيقى، وهل التجارب هي مخزون لها؟
هو عشق نابع من طفولتي في جزين في جنوب لبنان. كنت أستمع الى تراتيل الكنيسة وفي المدرسة أغني لرفاقي في الصف وخلال الرحلات. كان الغناء رفيقي الدائم. وعندما اشترى أبي راديو ونحن صغار، وسمعت نغمات الموسيقى عبره، صرت أبكي وأرقص وأقفز في البيت لشدّة الفرح. وهكذا حملت عشقي الى الجامعة حيث تعرفت الى فرقة الميادين، وبدأت أتعمّق في الثقافة الموسيقية وخصوصاً خلال مشواري مع مارسيل. فتجربتي هي مجموعة تجارب مجتمعة.
لماذا أنت متردّدة ولا تعترفين بأنك مطربة؟
لأن المطربات يبدأن بتعزيز قدراتهن منذ الصغر، ويشتغلون على الدعاية لأنفسهن في وقت مبكر. ثم أنني لم أتفرغ للغناء والموسيقى فأنا هاوية. وهكذا أكون حرّة من الألقاب. فأنا أصلاً لا أِعر بأنني مطربة وهذه الأسطوانة عبارة عن تجربة خاصة تُشبهني وهي أبعد من الغناء. هي تجربة روحانية نسانية ووسيلة تعبير. فالتعبير بالكلمات قد يكون حدّ، لكن التعبير بالغناء سلس ويلامس مشاعر الانسان. والفن يخرجني من المباشر وعندما أغني أشعر أنني ريشة عصفور أطير في السماء.
