قدمت إلينا السينما المصرية نماذج كثيرة لمخرجين استطاعوا أن ينقشوا أسماءهم على الساحة الفنية، ومن بين هؤلاء المخرج عصام الشماع الذي يمتلك قدرات فنية مختلفة برزت من خلال مسلسل «أسلحة دمار شامل» و«رجل من زمن العولمة»، وإذا تتبعنا لتاريخه الفني سنجد أنه فنان ذو طابع خاص.. بارع، على حد تعبير النقاد، في نقل رؤيته الفنية والتي صنع معها مكانته بين الجمهور.. ولكن هذه المرة يقدم لنا وجبة سياسية ساخنة باستعراضه لقصة حياة الشاعر أحمد فؤاد نجم والشيخ إمام من خلال فيلم (الفاجومي).. عن الرسالة التي يريد أن يوجهها لجمهوره من خلال فيلمه الأخير ورؤيته الخاصة بالعمل كان لـ «الحواس الخمس» معه هذا الحوار:

 

ما الأسباب التي جذبتك لتقدم عملا سينمائيا يحمل بين طياته فكرًا سياسيًا خاصًا ومن وراء ستار لقصة الثنائي الشاعر أحمد فؤاد نجم والشيخ إمام؟

هناك أسباب كثيرة جذبتني لتقديم هذه الرؤية فأنا مخرج ولي رؤيتي الخاصة، وقبل أي شيء أنا مصري وعشت مرحلة مهمة من تاريخ مصر بكل حلاوتها ومشكلاتها وتناقضاتها وتقلبات أوضاعها، وأكثر الأسباب التي دفعتني لتقديم هذا العمل هو رغبتي الخاصة لرسم صورة للوضع الذي عاشه المصريون جراء نكسة 67 وحتى انتصار 73 من خلال إلقاء الضوء على ظاهرة غنائية شعبية لشخصيتين أثرا في وجدان العرب، حيث كانا نبض الشارع في ذلك الوقت وعبرا عن غضب المصريين وشجنهم أيضًا، بالإضافة إلى أنهما كانا الوقود الذي كان يشعل القلوب بأشعارهما التي أمدت المصريين بالقوة والدماء القوية التي ساهمت بشكل كبير في إشعال حماس المصريين؛ مما أدى إلى سجن الشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم في وقت اعتبر به الغناء تهمة ووصمة عار في جبين أي فنان.

وهدفي من خلال تقديمي لهذا العمل هو تعليم الأجيال القادمة أشياء كثيرة لم يعرفوها عن جيل المصريين الذي ساهم في انتصار 73، بالإضافة إلى أن كل فريق العمل سعى إلى تقديم عمل مختلف عن كل ما يقدم بسوق السينما الموجودة الآن من خلال هذه الرؤية الخاصة، وهدفنا جميعا إحداث نوع من الجذب إلى السينما المغايرة، وأتمنى أن ينال العمل رضا الجمهور، والذي أعتبره نتاج بذل مجهود كبير من كل فريق العمل لتقديم رؤية فنية مختلفة اتسمت بخلفية سياسية واضحة.

 

قضايا الوطن

هل الفيلم يحمل مدلولاً سياسياً؟ وما هي الرسالة التي تبعث بها للجمهور بين سطور فيلمك؟

الفيلم ليس سياسيا بالمعنى المقصود، وإنما الفيلم بني على خلفية سياسية من خلال الظاهرة الغنائية للشاعر أحمد فؤاد والشيخ إمام، أما الرسالة التي أريد توجيهها لجمهور السينما، فهي تقديم رسالة شكر وتقدير للجيل الذي قدم لنا انتصار 73 بعد هزيمة 67، إلا أن هذا الجيل كان لديه من الوعي السياسي ما أهله ليحول الهزيمة إلى نصر، بالإضافة إلى رغبتي في أن أنقل صورة لجيل شباب اليوم عن هذا الجيل ليدرك ويتعلم من انتصارته ووعية بقضايا الوطن العربي.

 

ما الوقت الذي استغرقته لكتابة فيلمك؟

عام وأكثر قمت خلاله بدراسة وافية لمذكرات الشاعر أحمد فؤاد نجم، كما قمت أيضاً بعقد جلسات معه لمعرفة كل تفاصيل حياته الخاصة جدًا؛ للوصول لرؤية واقعية وقريبة حتى استطعت رسم تفاصيل الشخصية بشكل متميز، حيث اكتمل كل شيء حين عثرت على الإنتاج الذي ساهم معي في نقل صورة لتلك الظاهرة الغنائية السياسية في عمل مختلف من كل جوانبه من حيث الشكل والمضمون وعن السائد بواقع السينما الآن.

 

وثيقة تاريخية

ولماذا لم نر«الفاجومي» في عمل درامي كبير؟

لأن العمل يمثل وثيقة تاريخية، فكيف يتم تقديمه بشكل درامي موسع، بل يجب أن يقدم في شكل وثائقي سينمائي، ولا أستطيع أن أقدمه في قالب درامي.

وكيف تم اختيارك لفريق عمل الفيلم؟

اختياري تم على أساس دقيق، ولو نظرنا لكل أبطال العمل سنجد أنهم جميعا يتمتعون بقدر كبير من الوعي والثقافة العالية التي أهلتهم جميعا لتجسد أدوارهم في الفيلم، بالإضافة إلى أنهم مطلعين وعلى دراية كاملة بالظاهرة الغنائية أحمد فؤاد نجم والشيخ إمام، فمثلا الفنان خالد الصاوي هو أحد مثقفي مصر ومهتم بكل قضايا بلده، وهو فنان يمتلك فكرا إيجابيا فعالا لكل الأحداث العربية بشكل عام، أما الفنان صلاح عبدالله فهو سياسي قديم ويمتلك قدرات أدبية كبيرة، بالإضافة إلى أنه كان أحد المريدين للشيخ إمام، أما الفنانة جيهان فاضل فتجمعها بنجم صداقة أسرية قديمة؛ لأنه كان صديقا لوالدها، فطفولتها كانت ترتبط بصلة وثيقة بنجم والشيخ إمام ولهذا فكل أبطال العمل لديهم مؤهلات فنية وإبداعية كبيرة ظهرت واضحة مع بداية التصوير، وأنا أرى أن العمل سيمثل بصمة قوية لكل الأبطال المشاركين فيه.

 

أثناء تصويرك للفيلم، ما هي أصعب المشاهد التي قمت بتصويرها؟

الصعوبة ليست في تصوير المشاهد، بل كانت في جمع المثقفين والسياسيين، وكيف استطعت أن أصل للحظة الحميمة لكل فنان لكي يستطيع أن يتعايش مع تلك الفترة الزمنية بكل تفاصيلها، ومن خلال التعايش مع الشخصيات التي تمثل محاور أساسية في العمل، بالإضافة إلى عمل الإكسسوارت الخاصة بمرحلة الستينات والسبعينات والجمع بين المثقفين والطلبة، وكذلك تعايش الأبطال مع الأغاني القديمة التي كانت متداولة في هذه الحقبة التاريخية، فالصعوبة في التناغم الذي صنعناه بين أبطال الفيلم وبين المرحلة التاريخية التي تعايشوا فيها.

 

عمل متناغم

لماذا لجأت إلى تغيير الأسماء الحقيقية بالفيلم، على الرغم من أنه يمثل سيرة ذاتية؟

حتى لا ندخل في مشكلات أخرى قد تجعلنا نخرج عن الإطار الذي رسمناه للعمل، ولأنني أريد أن أوجه رسالة محددة للجمهور، بالإضافة إلى أنه من خلال الفيلم أستعرض تاريخ مصر من خلال إلقاء الضوء على شخصيتين محوريتين عاشا فترة زمنية صعبة وأثرا في وجدان المصريين بهذا الوقت، بل كانا الوقود الذي أشعل حماس المصريين، والهدف من العمل هو استعراض لإسهامات المناضلين بتاريخ مصر، بغض النظر عن الأسماء الحقيقية.

 

وهل واجهتك أي اعتراضات من قبل الرقابة أثناء تصويرك للفيلم؟

لا، بالعكس بل وجدت ترحيبا كبيرا ومساندة من قبل رئيس الرقابة سيد خطاب الذي قدم لي سبل التعاون الكبير الذي جعلني أقدم على تنفيذ العمل بكل سهولة، وبالإضافة إلى أنه كان متفهما لطبيعة الفيلم وإلى الهدف الذي من أجله أقدمنا كلنا كفريق عمل لتقديم فيلم مختلف.

 

هناك بعض الكتاب يرفضون تدخل المخرجين بعملهم، فما تعليقك؟

العمل الفني سواء كان دراميا أو سينمائيا هو عمل متناغم وجماعي، ومن أجل نجاحه يجب أن يتكاتف ويتفق كل فريقه من مخرج وسينارست حتى يخرج العمل بشكل جيد، ولا نستطيع أن نفصل دور كل منهم على حدة؛ لأن أي عمل فني متميز يكون وراءه خلية تعمل بشكل يسوده التفاهم والتناغم الذي بدوره يصنع عملا رائعا.

 

هل هناك قضايا تحب أن تلقي الضوء عليها خلال الفترة المقبلة؟

كل القضايا التي تمس واقعنا العربي وتمس حياتنا كمصريين بوجه خاص، أتمنى أن أتناولها في أعمالي القادمة، طالما هذه القضايا تحمل ثقافة ووعيا قويا يفيد مجتمعنا العربي، فما المانع من مناقشتها واستعراضها، سواء في عمل درامي أو سينمائي؛ لأن الفن رسالة، ويجب أن نوجهها لتدعيم وحل مشكلاتنا.

ما تعليقك حول الأفلام التي قدمت صورة سيئة عن المجتمع العربي؟

هذه هي حال السينما، ولكننا اعتدنا عليها أنها تصلح من أحوالها ما بين وقت والآخر؛ لأنها لا تسير على وتيرة واحدة، ولكننا لا نستطيع أن ننكر أن هناك أعمالا سينمائية متميزة، وألقت الضوء على أوضاع كثيرة بمجتمعنا، مثل فيلم «هي فوضى»، كان فيلما محترما جداً، وقدم رؤية متميزة، وفيلم «حين ميسرة» حمل فكرا واعيا وكبير، وفي الواقع كل أفلام خالد يوسف هي أهم أفلام السينما المصرية في هذا الوقت من وجهة نظري؛ لأنه مخرج يحمل رؤية مختلفة وشديدة الخصوصية، بالإضافة إلى فيلم آخر أعجبني بشدة هو فيلم «الفرح»؛ لأنه فيلم حمل نضوجًا كبيرًا ظهر في كل جوانب الفيلم وتفاصيله.

 

احتفالية كبيرة

مع تعدد المهرجانات العربية.. هل ترى لها دورا في الارتقاء بالسينما العربية؟

وجود المهرجانات في حد ذاتها شيء مفيد وصحي للتفاعل الذي يتم بين ثقافات مختلفة وحضارات متنوعة، فضلا عن أن الاحتكاك بين الفنانين من كل الدول يفيد الجميع بوجه عام، ويعود بالتأكيد بشكل إيجابي على الصناعة السينمائية، والمهرجانات تمثل احتفالية كبيرة نعلن من خلالها عن ثقافتنا العربية.

هل تعتقد بأن مقياس نجاح أي فيلم في حجم الإيرادات التي يحققها بشباك التذاكر؟

لا، ليس بالضرورة أن يحدث هذا، فعلى مدار عمر السينما لم تكن الإيرادات هي المعيار والمقياس الذي يحدد نجاح الفيلم من عدمه، ولو نظرنا إلى تاريخ السينما قديما لوجدنا أن هناك أفلاما لم تحقق إيرادات، بل لم تنجح، ولكنها أصبحت تمثل الآن تاريخ الصناعة السينمائية مثل فيلم «الناصر صلاح الدين» وفيلم «باب الحديد» و«الاختيار»، وكلنا نذكر رائعة صلاح أبو سيف «بين السماء والأرض»، وأعتقد بأن السبب هو أن الوعي السينمائي سبق الوعي الجماهيري، بالإضافة إلى نقطة مهمة هي أن هناك أفلاما حققت إيرادات كبيرة بشباك التذاكر، وعلى المستوى الجماهيري أيضا، ولكن على المستوى الفني لم تكن على المستوى الجيد.

 

هل هناك جديد في انتظار الشماع بعد «الفاجومي»؟

في الوقت الحالي لا توجد أعمال جديدة، بل سألتقط الأنفاس حتى أجد عملا أقدم من خلاله شيئا جديدا لجمهور الدراما والسينما العربية.