حافية القدمين، ليست القصيدة التي كتبها السوريّ نزار قبّاني، ولحنها العراقي كاظم الساهر، وإنّما هي الحال التي قابلتني بها، البريطانيّة من أصل هنديّ سونيا صبريّ، بُعيد تحيّتها للجمهور الذي قصد المسرح الاجتماعي في مول الإمارات ليستمتع بأدائها.
بعد انتهاء الحفل، خرجت سونيا لألتقيها في قاعة استقبال المسرح، وقد اتّشحت بغطاءٍ أحمر، عليه طبعات الورد الجوريّ، قالت إنّها جلبته من الصين. وعلى الرغم من أنّها لم تهدأ طوال فترة العرض، ترقص وتُغنّي بعدّة لُغات، إلا أنّ حديثها مع «الحواس الخمس» لم تستوقفه تنهيدة أو محطّة لالتقاط الأنفاس.
ماذا عن المسرح الاستعراضيّ، في كلمات؟
عرضنا عبارة عن أسلوب لخلق نوعٍ من الحوار بين مختلف أجناس الموسيقى والرقص. وحضارة موسيقى الهيبهوب تُمثّلنا نحن المؤدّيون في العرض، فكلّنا جاء من مكان مختلف، وخلفيّاتنا الثقافيّة لا تتشابه، وكذلك هي الحال مع أشكالنا. لذا يُخلق هنا نوعٌ من الفصل، حيث تكون الخيارات محدودة، وعليك أن تندرج تحت واحدةٍ من الفئات، وإلا فلن تتمكّن من تحقيق أيّ نوعٍ من الانتماء. فالانسان منّا معقّد لدرجاتٍ بعيدة، تدخل في تركيبته الكثير من العوامل التي لا يُمكن ان تتشابه مع إنسان آخر، وهذا هو سبب خلق الصداقة التي يجب ان نحتفل بها يوماً بعد يوم، انّها عبارة عن نقطة التقاء الأطراف المختلفة عن بعضها البعض. وصناعةُ هذا المزيج من مُختلف أشكال الفنون، هو تعبيرٌ عن البحث على هذه النُقطة، فأسلوب «كاثاك» قديم جدّاً من شبه الجزيرة الهنديّة، والهيب هوب معروفٌ عنه بأنّه أسلوب رقصٍ حديث. وعرضنا هذا هو عبارةٌ عن طرح تشابهات هذين الجنسين من الرقص، من ناحية الألحان وحركات الجسم أو الأقدام. ما أقصده هو انّ أجناس الرقص هذه كانت موجودةً منذ أقدم العصور، إلا أنّ أساليب الرقص الحديثة هي التي قرّبتها منّا، لأنّها قدّمتها بإطارٍ جديد. وعليه الرسالة هي أنّ رقص «كاثاك»، ليس للهنود فقط، وإنّما هو لغةٌ عالميّة وأشعر أنّا أن واجبي هو إعادة نشر هذا الفنّ حول العالم. فقد كان بإمكاني ان أقدّم أجناساً أُخرى من الرقص، كالأفريقيّ او الآسيويّ،إلا أنّني اخترت «كاثاك» لأنّه قادر على روايةٍ مجموعةٍ من الأحداث توصل الفكرة المطلوبة.
وكيف اجتمعت ببقيّة أفراد الفرقة الذين شاركوا في الأداء الاستعراضي؟
المؤدّي الأساسيّ هو مدير الشركة المنظّمة، زوجي، أمّا بقيّة الفريق فقد اخترناهم من مختلف أنحاء المملكة المتّحدة، إلا انّهم وبمحض الصدفة يسكنون في مدينة «برمنغهام»، مقرّ الشركة والمدينة التي نعيش بها نحن. وعليّ هنا ان اتحدّث عن هذه المدينة، التي تحتضن الكثير من الأحداث على المستوى العالميّ، وعلى الرغم من أنّ الناس لا يعرفون سوى لندن، معتبرين إيّاها المدينة الحلم، إلا أنّ برمنغهام تُشبه دبيّ بكونها مدينة عالميّة، فيها أشخاصٌ من كلّ الأجناس. وهؤلاء الأشخاص لطالما عانوا من مشكلة التصنيف ضمن فئات، ومنهم فريقنا، وتجاربهم التي مرّوا بها خلقت فيهم القدرة والإبداع على مواجهة تحدٍ كهذا لتغيير المفهوم الذي عانوا منه.
وكيف جاء اختياركم لدولة لإمارات لتحتضن أوّل عرضٍ لهذا الإنتاج؟
كنّا محظوظين بالمبادرة المشتركة التي تمّ تنظيمها من قبل المركز الثقافي البريطانيّ و «ADACH» هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث، و«DUCTAC» مسرح دبي الاجتماعي ومركز الفنون، وهي السبب وراء وجودنا هنا هذه الليلة. فدبي على سبيل المثال، مدينة عالميّة، فيها أنّاسٌ من كلّ جنسيّات الأرض تقريباً، ومن المتوقّع أن يجتمع هؤلاء إلى بعضهم البعض، ويتبادلون الكثير من جوانب ثقافاتهم، إلا أنّك في النهاية ترى أنّ المجموعات المنتميّة إلى جنسيّة أو ثقافةٍ ما تُشكّل تكتّلاتٍ، تتحدّد نشاطاتهم مع بعضهم البعض. ولهذا السبب شعرنا انّها من الوُجهات الأكثر مناسبةً لإطلاق مشروعنا، حيث سنجد هنا الكثير ممّن سيعجبون بمشروعنا ويجدون فيه فسحة املٍ تدعوهم إلى الاحتفاء بأنفسهم وشخصيّاتهم بعيداً عن الاختلافات البسيطة. والجدير بالذكر أنّ علاقاتنا مع المركز الثقافي البريطانيّ هي التي أعطتنا الفرصة للسفر إلى وُجهاتٍ مُختلفة لتقديم عروضنا.
ولماذا لم تقوموا بتنظيم عروضٍ أُخرى في المنطقة؟
ضيق الوقت لم يسمح لنا تنظيم حفلات أُخرى، إلا أنّنا سنعود بالتأكيد لتقديم إنتاجات جديدة خلال فترة قريبة.
ولكن كونك من أٌسرة هنديّة، ألم تواجهين أيّ صعوبة في احتراف الفنّ الذي اخترتيه؟
في شبابه، كان حلم والدي الأكبر هو احتراف التمثيل، والعمل في بوليوود. إلا أنّ كونه من أسرة تقليديّة، لم يُتح له الفرصة للعمل على تحقيق حُلمه، ومن ثمّ كان الانتقال إلى المملكة المتّحدة. إلا أنّ والدي لم يدع حلمه يتوقّف عند جيله، فحاول أن يمرّره إلينا، وعليه شجّعني لأخذ صفوف دراما في مدينة برمنغهام، رغبةً منه في أن أُصبح ممثّلةً مشهورة في بوليوود يوماً ما. ودخلت تلك الصفوف فعلاً، وبين التقليد والأداء الإلقاء والشعر، تعلّقت بالرقص، وعملت مع مدرّبتي ذات الأصل الهندي أحد عشر عاما تقريباً، بشكلٍ يوميّ. وبدأت عملي راقصة مٌفردة، إلى أن أنشأنا الشركة وزوجي سنة 2002 لتسهيل أمور التمويل.
وماذا عن دراستك، هل هناك أي انسجام بين ما درست وما تفعلين؟
بالتأكيد، فقد دخلت كليّة الأدب الانجليزيّ، واختصصت في الدراسات المسرحيّة، وفي تلك الفترة حقيقةً اتّخذت قراري بأن أحترف الرقص الإيقاعيّ وغيره من الأساليب الكلاسيكيّة، وتخلّيت تماماً عن حلم والدي في أن أٌصبح ممثّلة بولووديّة.
ألم يسبّب هذا الخيار خيبة أمل لوالدك؟
لقد عملت في بوليوود فترة، أجريت بعض البحوث لتطوير شركتي في «مومباي»، إلا أنّني اكتشفت وللصراحة أنّها ليست بالمكان المناسب للمرأة للأسف. ربّما والدي لم يُعجبه الأمر في البداية، إلا أنّه فخورٌ بنا الآن، فشركتنا تطوّرت، وما نقوم به قد لا يوصلنا إلى شهرة ممثّلي بوليوود، إلا أنّه لابدّ يُشعرنا بالرضة عن أنفسنا. فليس أجمل من رؤية ابتسامات الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصّة ونحن نقوم بالرقص أمامهم، أو نقدّم لبقيّة الأشخاص الوسيلة التي يُمكن لهم أن يعبّرواعن أنفسهم من خلالها إلى جانب الرقص. فهذا الفنّ يوصلنا لمرحلةٍ نُفضّله على أنفسنا، لأنّه المرتبة الأولى في قائمة أولويّاتنا بكونه أصبح الوسيلة الأفضل لمشاركة الأطفال، وتحقيق التغيير الإيجابيّ في المجتمع.
