لكل ثورة، أغانيها التي تعبر عنها.. مثلما لكل سياسة ثقافتها.. وفور اندلاع ثورة 25 يناير كان لابد أن يكون هناك من يقدم صياغة لحنية لهتافات الجموع، شخص بوزن الفنان والملحن حلمي بكر الذي خاض دوما معارك فنية كثيرة وقدم المئات من الأغاني الشهيرة.. يعترف بأن الفترة الأخيرة لم يكن فيها للأخلاق الفطرية مكانا، وربما كان هذا ما استشرفته كوكب الشرق أم كلثوم حينما عرفت أخلاقه الأصيلة فداعبته قائلة: «يا ريت ألحانك متبقاش زي أخلاقك»، مشفقة عليه من أن يعاني الاضطهاد.. أما وقد تنفس الصعداء بعد ثورة 25 يناير التقيناه، وجاء هذا الحوار..

 

عاشت مصر لحظات فارقة بدأتها يوم 25 يناير.. كيف رأيت هذه الثورة البيضاء؟

هي بحق ثورة مباركة، لم يرتكب أبناؤها خطأ واحدا على الرغم من كل ما تعرضوا له من تنكيل، وأنا أقول إن الله كان غير راضٍ عما يحدث بالوطن ما جعل شبابنا يقومون بهذه الثورة التي كتب لها كل هذا النجاح، والمطلوب الآن هو العقل وألا نجعل غرور الشباب أو نشوة الانتصار تسبق العقل فتدمر كل شيء، بل يجب أن يبقى العقل في المقدمة، ومع نجاح الثورة يجب الحذر وأن نسمع أكثر مما نتكلم، ومن المهم أن نجعل لأهل الخبرة دورا مع أهل الفكرة من الشباب، وأرى أن كل من له صلة بالفساد يجب بتره.

 

مطربات العري إلى زوال

كيف ترى الأغنية المصرية بعد الثورة؟

اعتقد أن الأجيال التي لم تتلوث وتتلون بالمفردات البذيئة هي التي ستبقى وتتصدر في الفترة المقبلة، أما من اعتمدوا على التربيطات والعلاقات الشخصية والإثارة الجسدية فهم إلى زوال، كمن تغني في رمضان للتوبة والمغفرة، وما أن ينتهي الشهر الكريم حتى تجهز فستانها العاري وتعاود فحيحها من جديد باسم الطرب.. وهذا ما لن يكون له وجود بعد ثورة الشباب..

ثورة 1952 أفرزت أغاني عملاقة.. فأين أغاني ثورة 25 يناير؟

ظهر عبدالحليم حافظ والمطربون العظام وغنوا للثورة فنجحت الثورة ونجحوا معها، وأصبحوا معبرين عن جيل الثورة، أما ثورة 25 يناير فلم تكتمل بعد، ومع ذلك بادر العديد من المطربين ومنهم أنغام ومحمد منير وحمادة هلال بتقديم أغان سريعة تدعم صمود الشباب، وآمل أن نجد من يعبر عن جيل الشباب الآن خصوصا من بين الأصوات التي آزرت الثورة وساندتها حتى تكون هناك مصداقية في الأداء وتجاوب من الجمهور.

وما رأيك في الأغاني التي تم تقديمها عن الثورة حتى الآن؟

يمكن وصفها بأنها مبادرات طيبة، لكنها متعجلة، لم تأخذ حقها في الكلمة واللحن والأداء، فيجب ظهور أغانٍ تعبر عن المستحيل الذي حدث فعلاً، فمثلا أعجبتني أغنية «في كل شارع في بلادي»، وكذلك أغنية «البلد بلدنا» لهشام عباس، وأغنية ريهام عبدالحكيم، وأنا أحييهم جميعا على محاولاتهم، لكن يجب ظهور أغنيات أكثر نضجا من الآن فصاعدا.

كيف رأيت دور الإعلام في تناول ثورة مصر؟

الإعلام قام بدور النظام ولم يقم بدوره؛ لأنه لو ترك له الحرية لقال غير ما قيل.

في رأيك.. هل وصل الفساد في النظام السابق إلى الأغنية؟

بكل تأكيد، وأبرز صورة لذلك غناء اللحم الرخيص، ويجب أن نعترف بأننا خلقنا جيلا ضائعا، لذلك لا يمكن أن أتصور أن مطربا يغني للإثارة الجنسية مثل تامر حسني يمكن أن يغني للثورة الجديدة، إنها كلمات لا تليق بمفرداتنا العربية وكانوا داخلين في طريق كاد أن ينهي الغناء العربي، وكل هذا كان عبارة عن مسكنات سياسية حتى يرتع الفساد.

هل آراؤك الجريئة جعلت لها تأثيرا على نفسك؟

ما يتعبني حقا هو نكران الجميل، فبعد أن أصبحت حلمي بكر أخذت بيد مطربين ومطربات كثيرين، لكننا للأسف نعيش في جيل احتضنه الفساد، فلا تحزن إذا ما أخذت بيد أحدهم إلى النجومية ثم فوجئت به يقطع أصابعك.

هل قدمت تنازلات خلال مشوارك الفني؟

لا؛ لأني لو قدمت تنازلات لكنت الآن راقصة في سوق العبيد، لكن منذ 35 سنة كل شيء أقوله لا أغيره، حتى كان الأستاذ عبدالوهاب يقول لي «ما تعبتش» فأجيبه «لا».

ما أحب الأصوات إليك؟

أصوات كثيرة، منها شيرين عبدالوهاب وريهام عبدالحكيم وأنغام ونادية مصطفى وغادة رجب وأمال ماهر.

من الصوت الذي يجعلك تدير ظهرك له؟

هناك أصوات تجعلني أذهب للطبيب لأتناول حبوب الضغط مثل لطيفة ومصطفى قمر.. الطبيب منعني من الاستماع لهما، وهناك من يغني بالجسد ويجعل من يسمعه يثار ولا يسمع، وهذه الأصوات هي التي دمرت جيلا بأكمله.

إصلاح الأغنية يبدأ من الكلمة أم اللحن؟

يبدأ من المجتمع، فإذا أردت أن تعرف شعبا فاستمع إلى أغانيه؛ لأن الأغاني مرآة المجتمع.. وحين تظهر آفة المجتمع على السطح فأول من يعبر هو الأغنية، فكيف يغني مطرب «أكثر حاجة بحبها فيكي هو دا».. هذا كلام مخجل، والتي غنت «قبل ما نطلع سوا على الروف هتديني كام».. هذه دعارة غنائية، فكيف تؤثر الأغنية في المجتمع بالمصطلحات الرخيصة.. المجتمع قابل للتأثر وحين يبيع المطرب مادة اسمها غناء ويشتريها المجتمع فليس العيب فيمن غنى ولكن العيب في من اشترى.

مطربو النغم الأصيل مثل إيمان البحر درويش ومحمد الحلو وعلي الحجار غير مسموعين.. فما السبب؟

حين ظهر عبدالحليم كان قائدا، وحين جاء جيل ما بعد عبدالحليم كان ترتيبهم العاشر، وكان منتظرا من هذا الجيل أن يكون ترتيبهم الأول.. لكن بين العاشر والأول ظهر القردة من الأصوات، فتخلف هذا الجيل عن احتلال مكانة عبدالحليم وحال ظهور الدخلاء دون وجود الحجار والحلو في المقدمة، فتعودوا على ترتيبهم المتأخر وهذا الجيل ينقصه الطموح الفني.

عاصرت عملاقين فنيين هما عبدالحليم حافظ والقديرة أم كلثوم، فلماذا لم تلحن لهما؟

لحنت لعبدالحليم ست أغانٍ، لكني واجهت عثرات عدة، وعبدالحليم استفزني بسؤال «عندك استعداد تشتغل معايا» فوافقت على الفور ولحنت له عدة أغانٍ، لكن «أولاد الحلال» قالوا: حلمي بكر عصبي وإياك وحلمي بكر، فقلت له «هل يستوي الملحن بجد مع الملحن الـ«أي كلام»؟.. أما أم كلثوم فلحنت لها «هواك بيملى حياتي»، وحين جلستْ مع السنباطي قال لها: «لماذا لا تغنين لحلمي بكر» وحين قابلت عبدالوهاب محمد قال لها «أعرف حلمي بكر» فقالت له «أطلبه ليأتي»، وحينما تقابلنا قالت لي:

«أتمنى ألا تكون ألحانك مثل أخلاقك» ولما سألتني «لماذا لم تلحن الأغنية» قلت لها «لم أقدر على التلحين» فقالت لي «مش أنت لحنت لفايزة ونجاة ووردة اعتبرني واحدة زيهم» وكانت الجملة كوقع السحر، ولما سمعت قالت لي «الشغل حلو قوي أوعى حد يسمعه وأنا مسافرة رحلة العلاج ولما أرجع أسجله»، لكنها ماتت بالخارج وكانت الأغنية من نصيب وردة.

من صاحب الكلمات التي تسارع إلى تلحينها؟

مرسي جميل عزيز حين أقرأ كلماته أجد ألحانها فوراً، وكذلك حسين السيد، ومأمون الشناوي عبقري الأحاسيس، وعبد الرحمن الأبنودي ومحمد حمزة.

كيف ترتب جيل ما بعد عبدالحليم حافظ؟

بالترتيب «هاني شاكر، محمد الحلو، محمد ثروت، علي الحجار، إيمان البحر درويش، مدحت صالح».

أكثر ما يفرح حلمي بكر؟

أغنية حلوة جديدة.

ما الذي يبكيك وبشدة؟

تبكيني نغمة موافقة للكلمات فحين أسمعها أكون مثل التي تزوج ابنتها وتبكي من الفرح.

هل تعاني من حالة نكران الجميل؟

كثيرا جدا.

ما أكثر ما يميز شخصيتك؟

العناد؛ وهذا اكتسبته من برج القوس الذي أنتمي إليه وسببه ذكائي، وهو سبب مصائبي، فمن يقول إن الصراحة راحة محق، ولكن يقال لي أحيانا إن الصراحة فيها وقاحة وأنا أرحب بالوقاحة في سبيل الصراحة؛ لأننا في زمن تحتاج فيه أن تكون وقحا حتى تفهم الناس ما تريد.

ماذا يمثل لك عبدالحليم حافظ؟

صاحب إحساس فوق العادة

أم كلثوم؟

الأرض الخضراء وأي شخص يخرج عن مساحة صوت أم كلثوم لا يغني.

محرم فؤاد؟

مطرب جيدا جدا، لكن كان يعوزه ثقافة العلاقات العامة.

وردة؟

غنت دون أن تدري، ودون أن تدري نجحت.

نجاة؟

الشيء الجميل الذي يحيطه الشوك، فما أن تقترب من هذا الجمال حتى تصاب بالشوك.

فايزة أحمد؟

أساس الطرب أخلاقه، وهذا ينطبق عليها.

شادية؟

رائدة المراهقة الغنائية.

محمد عبدالوهاب؟

هو الغناء المصري وهو (أبويا وجدي وجد جدي)!

بليغ حمدي؟

صاحب مدرسة السهل الممتنع الذي نزل للناس وأراد الصعود بهم إلى أعلى.

وكمال الطويل؟

الجملة الجميلة تظهر منه دون أن يدري.