ربما لم يقبض نبيل السمان في طفولته على ريشة الرسم ليخلق لوحة ما، لكن عيناه قبضتا على سحر الألوان والخطوط التي دمغت لوحات فنانين تشكيليين كان يزورهم مع والده في مراسمهم، ابن السنوات الست آنذاك يعد نفسه اليوم من الجيل الثالث في المحترف التشكيلي السوري، اليوم وبعد عودته من مهرجان القرين في الكويت يقول السمان إنه يسعى إلى التفرغ لقراءة كتاب وسماع الموسيقى ورسم لوحة.
عدت من مهرجان القرين في الكويت، ما المعايير التي تعتمدها المهرجانات لاستضافة الفنانين؟
هناك لجنة تجتمع بين وقت وآخر تضع المعايير، وتختلف آلية العمل حسب المهرجان، فكل لجنة لديها فكرة عن الفنانين الذين ستستضيفهم، بالنسبة لي التقيت مجموعة فنانين كويتيين في لبنان وتعرفت إلى بعضهم، وأصبح لديهم فكرة عن عملي، وعادة مثل هذه اللقاءات الحوارية تفسح المجال للتعارف، إضافة إلى معرفتهم بالفنان وأعماله وتاريخه.
هناك رموز من تاريخ المنطقة حاضرة دائماً لديك، فما الذي تغير في عملك منذ بدأت حتى الآن؟
لدي مشروع أعمل عليه يتطور ويأخذ تماهيات بين فترة وأخرى، وهو إنجاز لوحة تحوي عدة أزمنة وتدافع عن نفسها، إضافة إلى قيام المتلقي بنزهة بصرية عقلية وروحية ضمن اللوحة، مع أني في النهاية أعمل لكي أرضي نفسي، ولكن ليس من فراغ، فبداية أنا ابن حضارة ممتدة في التاريخ وأشعر بأنها موجودة في جيناتي الوراثية، لذلك أستنهض هذه الجينات لأعرف ما لدينا إن كان بالآثار الموجودة في المتاحف أو عن الآداب والأساطير وليس فقط الفن البصري الذي تركه الإنسان، وكيفية تطوره عبر العصور.
كيف تربط التراث الحضاري ورموزه في المنطقة بالحاضر؟
بداية اللوحة يجب أن تكون مستقبلية حكماً، فإذا أخذت رموزاً من التراث فليس الهدف توثيقي وهذا بالتأكيد ليس دوري، لكن استلهام بعض العناصر من التاريخ أجدها اليوم فرصة لمقاومة العولمة وإلغاء الهويات من وجهة نظري الشخصية، صحيح أنه يوجد فوائد كثيرة للعولمة حيث أصبح العالم قرية واحدة وبكبسة زر تستطيع أن تأتي بأية معلومة، وعليه لايزال مطلوباً منا أن تبقى هناك نكهات للشعوب، هذه النكهة تميزنا ولا تحولنا إلى مجتمع حشرات أو مجتمع يصبح فيه الإنسان مجرد رقم ولا يعود اسمه فلان الفلاني، لأننا كبشر ذاكرة متنقلة ومهم جداً أن نشعر بأنفسنا كجزء من سلسلة، أي هناك من هو قبلنا ومن سيأتي بعدنا، هكذا أرى أو أشعر، خصوصاً أن الفن التشكيلي يقدم لوحة فنية فيها شيء يشبه التكثيف الشعري، لذلك نحن مئة عام فن تشكيلي عربي ولم توجد تجمعات وتيارات مثل أوروبا ومدارس فنية وكيف تطورت من الكلاسيكية والتعبيرية الوحشية والسوريالية وحتى التجريدية وبكل مرحلة كان يوجد تيارات من المثقفين، فعندما نقول سوريالية كان هناك فنان وشاعر وموسيقي سوريالي مثل ديبوسيه، حيث كان هناك مرحلة كاملة تكون فيها هذه المدرسة أو تلك، وبالتالي قامت ثورات حتى الفن غادر الكنيسة وقصور البرجوازيين وأصبح لعامة الشعب لذلك فنحن لم نأخذ فرصتنا.
على اعتبار أن لوحتك غير توثيقية هل نستطيع القول إنها تسعى لاستعادة مخزونات الذاكرة الثقافية والحضارية؟
كل هذا غير مهم، لأن الأهم وصلت اللوحة أم لا- ناجحة أم لا، وليس الفكرة كم أحملها مضامين لأن هناك معايير لتقديم لوحة فيها مواصفات العمل الفني الناجح، فيجب أن تحوي الفروقات اللونية والصراع أو الدراما اللونية، كذلك يتوجب أن ينتصر لون على الآخر وهناك عناصر قوة للوحة، وكثرتها تشتت المتلقي وبالتالي سيشعر بارتباك ولن يستمتع، لذلك المهم أن تخلق مساحات للعين ترتاح بأماكن معينة، وعليه فالموضوعات المختارة ليست مهمة لأنها حجة للرسم ومتى قل الكلام في اللوحة لصالح الجانب البصري هذا مهم، لأنه بالجانب البصري ليس المطلوب أن نتكلم ساعة عن اللوحة ولكن أن نشاهد ونستمتع بجرعة بصرية جمالية، وإذا أردنا أن نقرأ لوحة نبدأ بفك رموزها؛ حيث هناك مفاتيح معينة من الممكن أن تدلنا على نفسها وهي تحتاج إلى الاطلاع وحد أدنى من الثقافة البصرية وخاصة من ناحية المتلقي.
هل تقصد بلوحتك هذه المفاتيح أم أنها تأتي بشكل عفوي؟
مثل كل الفنانين في بداية عملهم أو حياتهم الفنية يقومون بدراسات وكروكيات، ولكن بعد أن يصبح الفنان محترفاً يأتي إلى عمله بقصدية وليس فقط يقوم بالتجريب أو يعتمد على المصادفات في إنجاز عمله، ولكن السؤال هنا عن مدى استطاعة الفنان تقديم هذه الجرعة بانفعالية معينة، ودون تكلف وهنا تكمن أهمية العمل.
كلمة «فراغ» نسمعها كثيراً في النقد التشكيلي ما رأيك بها داخل نطاق اللوحة وكيف تقوم بقتلها؟
لدينا رعب من الفراغ باللوحة، نظراً إلى علاقته بمورثنا الثقافي الديني، وكل الإنتاج الفني كان يحاول تعبئة الفراغ؛ حيث العنصر الزخرفي نراه غير منتهي، لذلك أقول ان الفراغ هو العدم وعلى الفنان ملؤه يعني الاستمرارية واللانهاية التي ترتبط في ذهننا بالله، والفكر الصوفي كان الأقرب لحالة الاستمرارية، وهذا ما ترونه بمجموعة الدوائر التي أنجزتها وتوجد فيها الحركة الدائمة، وبالوقت نفسه هذه الحركية ممكن أن تصل إلى مكان ما يشبه النيرفانا عند الهنود وهي الشيء الكوني والميتافيزيقي اللانهائي.
نرى دائماً في لوحاتك وجود الحيوانات بجانب الإنسان، فما السبب؟
بكل تاريخ الفن والآثار وجد الكائن مرافقاً للإنسان عبر التاريخ، فهناك كائنات محببة لديه وأخرى تخيفه وكائنات يستمد منها القوة كالأسد، كما وجدت كائنات أسطورية هو يشكلها فيأخذ عناصر القوة باللبوة ويرسم الجسم ورأس النسر وأجنحته وبذلك يتشكل كائن خرافي، وفي التاريخ نرى صراع جلجامش مع الثور، لذلك الفنان يتكلم عن صراعه مع الطبيعة، وليس الكائن نفسه ليبين كم لديه من التحدي ليستمر بالحياة، ويدافع عن وجوده ويكتشف ما حوله ليقوم بنقلة، فقراءة الأساطير اليوم تجعلنا نرى كيفية التفكير عبر الآثار الموجودة، وإذا تغلغلنا بالتاريخ نقرأ الشعر الذي تقوله إنانا في الأسطورة لحبيبها تشعر وكأنه كتب البارحة فيه الشغف والعشق والكم العاطفي ليكون السؤال هل ذلك الإنسان الذي يبلغ من العمر ثلاثة آلاف عام مشاعره تشبهنا أم هي بدائية وغرائزية والحقيقة بأنه لدينا الفضول لنعرف عن ذلك الزمان.
من أين تستلهم أفكارك لرسم لوحة إذا اعتبرنا أنك عبرت عنها بعدد من الأعمال؟
يجب على الفنان أن يكون متابعاً فلا أتغيب عن أمسية شعرية أو موسيقية، ولدي مكتبتي وقراءاتي وكل هذا فيه تحريض، والفنان لا يستطيع العيش معزولاً فإما أن يستهلك نفسه أو يستعير تجارب الآخرين، لذلك على اللوحة أن تكون مستقبلية وعلى الفنان أن يكون طليعياً كالذين سبقوا زمنهم في فرنسا، على سبيل المثال سبق فإن كوخ عصره لذلك لم يقبل، فبينما كانوا يريدون لوحات تزين القصور البرجوازية أو لوحة الأيقونة، رأى كوخ حصادي القمح وآكلي البطاطا من عمال المناجم وهي من أهم أعماله، ولم تعجب هذه اللوحات أحداً، وفي النهاية استطاعوا فهمه ولماذا قام برسمها، لذلك هناك الكثير من التجارب التي تظلم ولا تفهم، ونحن في حاجة ليكون لدينا حركة نقد تقدم نصوصاً بمستوى ما ينتج، ويوجد داخل سوريا كم من الفنانين التشكيليين ينتمون لعدة أجيال وإذا اعتبرنا أن جيل الشباب الحالي هو الخامس فأكون من أبناء الجيل الثالث.
كيف تعرف لوحتك اليوم بعد تراكم التجربة؟
الآن لوحتي هي أنا، فيها الكثير مني، إضافة إلى أنها تملك خصوصية نفسها ولها حضور بهي، بمعنى إذا وضعت بأي مكان تدافع عن نفسها، ولديها القدرة على فتح باب للحوار مع المتلقي.
لماذا نشاهد للمرأة دوراً أساسياً في لوحاتك بينما يظهر الرجل كثانوي؟
لأني تأثرت بالأسطورة فأنا مع المرأة ثم المرأة، فهي واسطة لاستمرار الحياة، وكل الأساطير مجدتها، وجزء من عملي أن أنتصر لها، فاليوم زمن الأصوليات ولا أعني الدينية إنما أي شكل من أشكال التخلف هو يكرس حالة من حالات التعدي على حقوق المرأة واعتبارها كائناً ملحقاً، ومعظم من يشاهد لوحاتي يسألني بتعجب لماذا كل نسائك قديسات ألا ترى الجانب الشرير منها؟ وأرد عليهم بأني لا أراه.
ماذا تفضل، اللوحة الدائرية أم المربعة خصوصاً أنك أنجزت مجموعة لوحات دائرية؟
خلال هذه المرحلة أنا في زمن المربع والدائرة اللذين يعتبران الأصعب تشكيلياً، فالمستطيل يتم التعاطي معه كقيمة تشكيلية أسهل، بينما المربع يصبح الوضع وكأن الفنان خلق مشكلة وعليه حلّها، وبما أني أعمل حالياً على الصوفية واللوحة المشرقية، أشعر هذه الفترة أن المربع والدائرة يعبران عن الذي أريده.
كيف تقرأ حركة الفن التشكيلي في سوريا؟
لا ننكر أن هناك مجموعة فنانين ومن أجيال مختلفة، وجدوا وأثبتوا أنفسهم وتجاربهم من فاتح المدرس وقبله ميشيل كرشة، وتأثر الفنانون بالمدارس التي تعلموا منها إن كان في مصر أو أوروبا وهو الشيء الطبيعي الأخذ من هذه المدارس وبعدها ينتقل الفنان إلى الأسلوب الخاص فيه، لكن لدي عتب صغير على الفنانين الشباب لأنهم لا يقرؤون، فاللوحة اليوم ليست فقط ألوان، لذلك إذا لم يكن لدي حد أدنى من المعرفة والثقافة والإطلاع ستخرج اللوحة فقيرة وليس لها نكهة.
