وداد الأورفة لي، ليست مجرد عازفة موسيقية تطربنا بأجمل المقطوعات، أو فنانة قدمت من خلال لوحاتها إنجازات فنية رائعة ملهمة بأسلوب مفعم بالإبداع، وإنما هي فنانة راقيه تحاول الارتقاء والمحافظة على الفن الأصيل. وعلى الرغم من عمرها الثمانيني، تواصل وداد دأبها الثقافي والإنساني من خلال إصدار ألبومٍ خاصٍّ يضم مقاماتٍ أصيلةً مثل العجم والحجاز والنهاوند والبيات.

تشعرُ بالحزن لضياع الفن الراقي، فهي ترى أن الأغنية القديمة كانت ثرية والدليل أنها مستمرة في الوجدان حتى يومنا هذا، أما الآن فالأغنيات التجارية هي الرائحة والتي تهدف إلى تحقيق الربح، لذا قلما تجد أغنيةً تعيش بين الناس فترة طويلة. «الحواس الخمس» التقى الفنانة وداد في دبي ليهنئها على ألبومها الجديد، وتحدثنا عن تاريخها الفني في السطور التالية.

لطالما صرحت أن مدينة بغداد ألهمتك وفجرت بداخلك إبداعات الرسم، فما هي المدينة التي ألهمتك في عالم الموسيقى؟

كان زوجي الراحل حميد العزاوي دبلوماسياً، لذلك كنا نتنقل كثيراً من بلدٍ لآخر، ولكل مدينة عشت فيها، ذكرى جميلة في حياتي، وتأثيرها المباشر على فني سواء في مجال الرسم أو الموسيقى، إضافة إلى أن الموسيقى تسكن في أعماقي ولا تفارقني.

يعود تاريخ إحدى المقطوعات في ألبومك إلى الأربعينات، فهل لك مؤلفات قديمة أخرى؟

ألفت العديد من المعزوفات في سن يافعة، ومع هذا لم تسنح لي الفرصة لتسجيلها صوتياً، إذ لم تكن تلك التقنية متوافرة بسهولة، كما هي الآن، وللأسف لم يبقَ في ذاكرتي سوى معزوفتين هما «جنون الفرح»، و«ألم» بسبب عزفي لهما باستمرار على آلة البيانو حتى بقيتا في ذاكرتي ولم أنسهما.

ماذا عن بداياتك الموسيقية؟

تتلمذت في طفولتي على يد أستاذ تركي، وعندما انتقلت إلى المرحلة الثانوية درست على يد أستاذ إيطالي لمدة 4 سنوات، وكان دائما يحفزني ويؤكد لي أنني سأصبح عازفة عظيمة، وفي الجامعة كنت أعزف باستمرار، إضافة إلى أنني شاركت ضمن فرقة الرحبانية في حفل موسيقى بالجامعة الأميركية ببيروت. وفي عام 1996 ألفت أول مقطوعة على العود فيها مقامات والحان متعددة، ثم انطلقت بسرعة لتأليف مقطوعات موسيقية (فرح، عتاب، غربة...)، إلى جانب ذلك كنت دائمة للاستماع لمقطوعات موسيقية كثيرة لعبدالوهاب وفريد الأطرش وللطرب الأصيل.

أيهما تفضلين بالنسبة لك؛ الرسم أم الموسيقى؟

كلاهما وجهان لعملة واحدة، فاللوحة عبارة عن مقطوعة موسيقية جميلة، والحياة من دون موسيقى أو رسم كنهر بلا ماء، كحب بلا عاطفة، كبستان بلا أزهار .

حدثينا عن ألبومك الجديد «أنغام عربية»؟

يضم الألبوم مجموعةً متنوعةً من المقطوعات الموسيقية التي تضم مقامات أصيلة مثل العجم والحجاز والنهاوند والبيات. وسوف أقيم حفلاً لتوقيع الألبوم يوم 26 من الشهر الجاري، بجاليري ــ دبي.

كيف تم التعاون بينك وبين شركة EMI للإنتاج والتوزيع الفني؟

اتصلت بشركة إي إم أي وعرضت عليها فكرة الألبوم، وتحمسوا كثيرا، وأنا سعيدة لانضمامي لهذه الشركة المحترمة.

حينما افتتحت أول «غاليري» في بغداد خاص بالرسم، ليكون الرئة الثقافية التي يتنفس من خلالها المثقفون والفنانون والنقاد والأدباء، ألا تفكرين بالعودة مرة أخرى للعراق وافتتاح الغاليري مرة أخرى؟

كنت أول سيدة تفتح غاليري يحتضن مختلف الفنون في العراق، فإلى جانب كل أنواع الفنون التشكيلية، كانت هناك محاضرات في الموسيقى والكمبيوتر وغيرها، حيث كنت أكتشف الأصوات الجميلة وأدربها على تقديم الطرب الأصيل، ولكن إثر الاحتلال عام 2003 تم تدمير القاعة وسرقة محتوياتها، وفي ظل الوضع المتأزم في العراق لا أفكر في العودة مرة أخرى.

غيرت أسلوبك في الرسم ليتحول من الواقعي إلى التعبيري؛ فما هو الأسلوب الذي تنتهجينه في الموسيقى؟

يعتمد عملي الموسيقي على فكرة المزج بين الموسيقى الشرقية والغربية، لأن الجمود في الموسيقى سواء كانت ذات طابع شرقي أو غربي يعد بدائية. لذا أؤلف الموسيقى انطلاقا من وجهة نظري وعبر معرفتي بالموسيقى العلمية وكيفية التواصل مع الآخر وفهم مكنوناته.

ألا يحزنك أن تجدي ألبوماً غنائياً لا يحتوي علي أية قيمة يحقق مبيعات تفوق بمراحل ألبوماتك الموسيقية؟

المادة لا تعنيني، ولكن ما يحزنني هو انقراض الموسيقى الراقية، فمع الأسف العملة الرديئة طردت العملة الجيدة، فاليوم الموهبة لم تعد تكفي للنجاح، وذلك لأسباب عدة، من ضمنها عدم وجود رقابة أو لجنة لاستماع الأصوات، لذلك نلاحظ أن الأغنية القديمة كانت ثرية والدليل أنها مستمرة في الوجدان حتى يومنا هذا، أما الآن فما نسمعه هو أغنيات تجارية هدفها تحقيق الربح، لذا قلما تجد أغنية تعيش بين الناس فترة طويلة؛ فهي كالزبد تذهب ولا تمكث في قلوب الجماهير.

هل تخاف وداد الموت؟

أنا لا أخشى الموت ولا أنتظره، دع الموت ينتظرني، فعلى الرغم من كبر سني إلا أن فكري لا يتوقف عن الإبداع، وإلى جانب الموسيقى أعمل في الوقت نفسه على إصدار مذكراتي.

هل وصل حب الفن والموسيقى إلى أبنائك عبر الجينات الوراثية؟

أشعر بأنهم ذواقون للفنون، ولكن ليس بالضرورة أن يكونوا محترفين.

هل أنت راضية عما قدمته في مسيرتك الفنية؟

دائما أطمح للأفضل، فعلي الرغم من تقديمي إنجازات فنية رائعة إلا أنني لا أزال أمتلك إمكانيات كثيرة، أرغب في الكشف عنها. لدي العديد من الأغنيات الجاهزة قمت بتلحينها وتأليف كلماتها، منها الطربية والخفيفة، ومنها باللهجة المصرية والخليجية واللبنانية.

هل تفكرين بإعطائها لمطرب أو مطربة لتقديمها؟

إطلاقا، فليس هناك صوت يمكن أن أعطيه هذه الأغاني، فكما ذكرت سابقا لم يعد هناك فن راقٍ، فالعصر الذهبي للفن انتهى، وتحولت الساحة الفنية إلى مافيا مدمرة، لا تسمح بوجود الأصوات الجميلة، وتعمل على إزاحتها وتدميرها، إضافة إلى بعض شركات الإنتاج التي تقوم باحتكار الفنانين حتى تفقدهم جمهورهم وحسهم الفني.

دائما ما تهدين نجاحك لزوجك، فما هو الدور الذي لعبه في حياتك؟

زوجي كان مشجعي وناقدي الأول، فهو كان يمثل بالنسبة لي الزوج والحبيب والصديق والأب، فكان يفرح عندما يراني سعيدة، ويحزن حينما أتوقف عن الرسم أو العزف، لطالما شجعني على إصدار الألبوم، ولكنه رحل قبل أن يسمعه، لذلك أهديت الألبوم إلى روحه.