»بدأت هاوياً في المسرح المدرسي في العراق، لم أكن أهتم بأن أكون عاملاً في المسرح أو قريباً من أي فن آخر، كنت أرغب أن اعمل في القضاء أو أركب السماء بالطائرة، كانت طموحاتي كثيرة ولكن المسرح كان السباق للقبض علي متلبساً بأحلامي تلك«.

هذا ما قاله الفنان المسرحي الكبير وعميد الفنانين العرب ابن الخامسة والثمانين عاماً، يوسف العاني، الذي يعترف بأنه وقف على المسرح لأول مرة في 42 فبراير 4491 في مسرحية كتبها وأخرجها هو بنفسه وكان صاحب الدور الأساسي فيها، وكانت تلك حسب ما يشير بداية متواضعة وصغيرة يصمت قليلاً، ثم يعلق بضحكة عابرة يعدل من خلالها نظارته التي تزيده وقاراً وقسوة، تلك المرحلة كانت مهمة في حياتي، بل هي الأبرز لجهة التأسيس الذي أدركته لاحقاً كان المسرح بالنسبة لي مجالاً للبوح والتعبير والضحك، ولكن لاحقاً هذه المهمة كانت محورية بالنسبة لي والذين شاهدوا العرض وصفقوا لي لاحقاً ملؤوا روحي بالنشوة والنصر وهذا لاحقني في كل مراحل حياتي الى ان احترفت المسرح ولا أزال، وذلك الشاب بحيويته وحضوره قبل ستين عاماً، بل وأكثر من ذلك، وتميزه حاضر في مخيلتي ودافع لي لأقدم الأهم والأجمل دائماً.

في بداياته، أسس جمعية مسرحية اسمها جمعية »جبر الخواطر« في كلية الحقوق عام 8491 ليقدم لوناً مسرحياً تميز بالنقد والسخرية من تناقضات الحياة غير العادلة كما يحب أن يوصفها، لم يكن هناك فرق مسرحية كافية في تلك الفترة أو في مطلع الخمسينات من القرن الماضي وعلى حد تعبيره تفرد هو ورفيق دربه الفنان المسرحي الكبير سامي عبد الحميد في تقديم خيارات واقتراحات مسرحية مفتوحة عبر بوابة الفرق المسرحية التي ما كانت موجودة أيام زمان كما هي الآن وبهذه الكثافة.

في حياة يوسف العاني محطات كثيرة ربما أبرزها دخوله معهد الفنون الجميلة وهو »محام«، كانت دراسة القانون بالنسبة لديه المجال الذي سيحميه لاحقاً من كثير من القضايا الجدلية السياسية والاشكالية التي بدأها مبكراً، ولم ينته منها حتى الآن، إذ ارتبط المسرح لديه بالقضايا السياسية والإنسانية والاجتماعية يعلق بصوت فيه إحساس بالحزن »لم أكمل الدراسة في كلية الحقوق على الرغم من كوني الأول في كل الدورات أفصل وأنا في الصف الرابع لمواقفي السياسية الوطنية لأجل هذا الظلم الذي لاحقني ويلاحق كل أبناء جيلي«.

في المرحلة اللاحقة يقول العاني »أسسنا مع إبراهيم جلال عام 8591 فرقة المسرح الحديث، لنستمر حتى اليوم مؤكدين على مسرح مثقف يرتبط بالشعب قاعدة ومنطلقاً فكرياً وأسلوباً، وما زلت في الدرب أنظر إلى الأمام بتفاؤل على الرغم من كل الظروف الصعبة التي تحيط بالعملية المسرحية في العراق مارست المحاماة بعد تخرجي في كلية الحقوق عام 0591، ولكن التعلق بالمسرح، وإدراكي في المسرح وسيلة كريمة ونبيلة تدافع عن الإنسان والحق في الحياة، ووجدت أن دوري في المسرح أعمق تأثيراً وأثراً، فانصرفت إليه باعتزاز وإيمان وثقة.. ومازلت«.

يعترف العاني في حديثه للحواس الخمس عقب إلقائه كلمة يوم المسرح العربي في بيروت، ضمن فعاليات مهرجان المسرح العربي الثالث. يعترف بأن مسرحية الفصل الواحد كانت البداية، وكانت محاولات جادة من أجل أن تكون مضامينها ترتبط بحياة الناس، وأن تكون بمثابة الرؤيا الحداثوية للمسرح العراقي آنذاك لتأسيس مسرحي »شعبي« حقيقي وكان المشوار صعباً، فالخروج عن القواعد الكلاسيكية بالمسرح والفنون لا يمر ببساطة ودون معوقات كان لدينا مشكلاتنا ومعوقاتنا ولكننا تجاوزناها، في هذا الوقت كانت مسرحياتي الواقعية الناقدة والساخرة مليئة بلمحات الكوميديا السوداء.

وما كنا نعرف آنذاك »المسرحية السوداء من البيضاء«، يضحك، ولكن دراساتنا اللاحقة للمسرح كشفت لنا أن ما نقدمه هو شكل من أشكال الكوميديا السوداء وهي أرقى أنواع الكوميديا بل أصعبها على الإطلاق، يبدو ان التوجهات النظرية التي خرجت لاحقاً كانت تجربتنا العملية قد سبقتها بمراحل وهذا إنجاز طيب لنا كانت البداية لعملنا بالمسرح بمسرحية »رأس الشليلة« أي رأس الشلة، أو رأس كومة الخيوط، ثم »تؤمر بيك« و»ماكو شغل« أي لا يوجد شغل، لأبدأ بمسرحية »أني أمك يا شاكر« منتصف الخمسينات، كنموذج للمسرح الثوري الواعي الذي اتخذ الأم العراقية المناضلة نموذجاً، في تلك المسرحي، وهي تقدم ولديها شهيدين في المسيرة النضالية للمسرح العراقي، ثم كتبت المفتاح مستوحاة من التراث الشعبي العراقي، ثم »الخرابة« ونجمة. يرى العاني ان المسرح العراقي الآن في حال رديئة وهو متوقف عن »العمل« جزئياً إلا من خلال إنتاجات تعرض في مهرجانات عربية متفرقة وهي في النهاية نتيجة اجتهادات فردية فقط، وحينما يكون هناك أمان سيكون الوضع افضل بكل تأكيد.

دمعة في ذكرى سقوط بغداد

على هامش المهرجان التقى العاني أحد الإعلاميين، وفي هذا الحوار سئل عن إحساسه بسقوط بغداد وان كان قادراً على أن يستعيد تلك اللحظات الأليمة فقال: »كانت حالة أفقدتني اليقين لزمن، وأشعرتني بأن ما كان في تقديرنا صواباً كان محض خطأ في التصور، وكان على أن أعيد النظر في بعض ما كان، سواء في إطار المنطق أو خارجه. ما زال الألم دفيناً في النفس، العتمة تملأ الروح، أحاول بين حين وآخر أن أجعل من كلماتي المكتوبة شمعة عساها تضيء درب الآتين بعدنا.. عساها«. يصمت العاني بعد أن قرأنا عليه هذه الإجابة ودمعة زمن عينه كانت كفيلة بإنهاء هذا الحوار معه وتركه ليسكن ويلملم بعضاً من روحه في نص مسرحي جديد.