يعد نجيب نصير من أبرز كتاب الدراما السورية في السنوات العشر الأخيرة، وشكلت تجربته مع أستاذه حسن سامي يوسف علامةً فارقة في كتابة الدراما الاجتماعية، فكانت ناقدة ملامسة لبيئة المجتمع، في محاولةٍ جادة لكشف عيوبه. نصير الذي حصل مسلسله «زمن العار» العام الفائت على أعلى نسبة متابعة جماهيرية، إلى جانب حصوله على جائزة دبي للإعلام، صرح مرةً أن «الدراما السورية تشبه سيخ الشاورما»، ليتابع توصيفها معتبراً إياها دراما التواصي»، وبدل أن تكون شعلة للتنوير في العالم العربي» أصبحت «لمبة محروقة»، وأن «المنتجين السوريين هم سماسرة ولا علاقة لهم بالانتاج الفني».
هل استطاعت الدراما السورية أن تثبت نفسها كمنتج ثقافي؟
على أساس النتائج الاجتماعية المطروحة الآن لم تستطع الدراما إثبات نفسها، حيث عول عليها كخطاب جماهيري مؤثر، هذا التأثير يجب أن يظهر بالبنية الاجتماعية، فنتائج الفعل الاجتماعي بالعالم العربي تسير إلى الوراء كثقافة اجتماعية متخلفة، وهذا نتيجة لانضواء هذا المنتج تحت إمرة مناصب ثقافية تراثية مدعية، تتحول لوسائل إيضاح بسيطة لشرح طريقة ممارسة الأخلاق والثقافة الكلاسيكية، أو أنها تتحول إلى منبر شفهي يعتبر تقنياً غير معاصر وغير صالح.
في أعمالك الاجتماعية تقدم صورة المجتمع الذي يعاني دمارا وعطبا، هل وصلت الأمور إلى هذه الدرجة من التشاؤم؟
هناك تحدٍّ أساسي مطروح اليوم على مجتمعات العالم العربي هو العلاقة بالتكنولوجيا، بمعناها الواسع والممارس من قبل المجتمعات البشرية لكي تحافظ على السلام فيها، وهي كالدولة والأحزاب والمجتمعات الأهلية فهؤلاء تقنيات ممارسة الحياة بالعصر، والسؤال المطروح على هذه المجتمعات تكنولوجي وعلى هذا الأساس ظهر عصر النهضة؛ حيث شاهدنا قبل قرن ونصف منذ 1850 انطلاقة مجموعة تنويريين وعقلانيين عرب حاولوا أن يقوموا بعصر النهضة مثل فرنسيس مراش وعبد الرحمن الكواكبي وطه حسين، لكن بالحقيقة في منتصف 1950 استطاعت البنية الثقافية التي قاومت التنوير والعقل أن تنتصر عليهم، كالشيخ سعيد الغبرة عام 2010 انتصر على أبو خليل القباني. هذا العطب ليس له مقاربات لأنه في التكنولوجيا إما أن تقوم بعمل صحيح أو تدمّر، والمشكلة أن ملامح الدمار أصبحت واضحة على وجوه المجتمعات العربية ونحن ندفن رأسنا بالرمل، وهناك أمثلة كالعراق فهو لم يتم إلغائه بل مازال يمارس الثقافة والتراث الكلاسيكي حيث الناس تقتل بعضها، فالتقنية الأولى للوجود البشري هي تكنولوجيا تعاقد الناس بين بعضها على السلام داخل المجتمع، وهذا ما لم نستطع الحصول عليه وكذلك من الأمثلة السودان والصومال ولبنان ومصر أخيراً، وبهذه الملامح إما أن تمارس تكنولوجيا العيش بمعناها الثقافي المعاصرة أو أن الأمور تتحطم ومعها القارئ.
لم تقدم أي عمل تاريخي، إنما اقتصرت إنتاجك على الأعمال الاجتماعية، لماذا؟
عادةً في أي سوق أو حرفة يتجه الناس نحو المنتجات الأسهل تسويقا، بالنسبة لي وللأستاذ حسن سامي يوسف كان لدينا طريق أن نقوم بالأعمال الاجتماعية المعاصرة عبر ملاحظاتنا للمجتمع، وكيف يتصرف تجاه المستجدات، وطبعاً لم يتسنَّ لنا التكلم عن كل المستجدات والتحولات إنما قدمنا البعض منها وهذا هو المشروع.
عملياً نجح الرهان، فالعمل التاريخي كان أغلى سعراً وسهل التسويق والكتابة، فهو يحتاج للقليل من المراجع إذا كان على الطريقة الكلاسيكية، أما إذا أراد الكاتب تشغيل عقله فهو صعب مثل تجارب غسان زكريا وممدوح عدوان في الزير سالم، ولكن غالباً يستسهل التاريخ، ويعتمد على التمجيد خضوعاً للمنصب الثقافي، فيأتي بأي شخصية تاريخية وتمتدح وهذا أمرٌ سهل.
كيف ترى شراكتك مع حسن سامي يوسف في وقت فضت فيه كثير من الشراكات الفنية والثقافية، وما هو مستقبلها؟
شراكتي مع حسن سامي يوسف كانت مبنية على التحليل المنطقي لأن أي دراما بالعالم هي عمل جماعي، وحتى الأعمال الفردية الكبرى تكتب من قبل مجموعة من الكتّاب على مستوى فيلم ساعة ونصف الساعة، والدراما التلفزيونية والعربية بالذات هي دراما تنقصها التقنية، ففيها الحكاية ومواهب الخيال وصبر الكتابة، لذلك عندما التقيت حسن سامي يوسف وهو من كبار تقني الدراما في العالم العربي طرحت عليه فكرة الورشة بما معناه أن هناك أحدا يقع بالمشاكل والآخر يحلها، وهكذا بنيت شراكتنا على أساس علمي، بالإضافة إلى نوع من الجدية والكبرياء، فلا توجد مشكلة مادية ولا مشكلة فيما يخص الشهرة، والسبب باستمرار الشراكة أن العلاقة عقلانية، كما أتمنى لو كان العمل التلفزيوني مجزيا اقتصاديا حتى يشترك فيه عدد من الكتاب.
هناك دعم للدراما السورية حتى من المستوى الرسمي، ألا يأتي هذا على حساب المنتج الثقافي في سوريا مثل المسرح والسينما أو حتى دور النشر؟
الكلام عن دعم الدراما التلفزيونية صادر عن وزارة الإعلام وعن خطة إعلامية تطرحها الدولة، وإذا اعتبره الناس منتج ثقافي لأنهم اكتشفوا أن كل شيء أصبح ثقافي حتى الأكل وتسريحة الشعر وغيرها، ونحن رأينا اليوم أن السينما ماتت والمسرح مات، وعادة القراءة والإذاعة، وذلك كله بين يدي المجتمع لأن هذه الثقافة الاجتماعية الكلاسيكية تقتل المسرح والسينما، والناس ربما ترى الدراما منتج ثقافي كنوع من التعويض.
كيف ترى قدرة الدراما السورية على المنافسة مع عودة الدراما المصرية وصعود الخليجية واللبنانية؟
المشكلة أن العقل الكلاسيكي معطوب، فعند نهاية الثمانينات وبداية التسعينات عبرنا عن طاقتنا الفنية بالدراما التلفزيونية؛ حيث كنا سباقين ومتجاوزين للمطروح في العالم العربي، والآن عندما نجحنا تمترسنا خلف هذا النجاح وأصبح هناك سقف، ولم يكن جراء ظرف عالمي بل هو قصر يد، فبعد أن حركنا الجو الدرامي بالعالم العربي، بعثت رسائل ضد الدراما منها الاستسهال بعمل الدراما، وكذلك التكلفة غير العقلانية بمعنى أنه يمكن إنتاج مسلسل واحد إما بأربعمئة ألف دولارأو بأربع ملايين دولار فكل شيء فضفاض، كما تم التنازل للسوق وأنتجت تواصي خضوعاً للرقابات العربية وبدل أن نكون شعلة تنوير أصبحنا لمبة محروقة.
المطب الخير الذي وقعت فيه الدراما السورية أنه بعد نجاحها لم تستطع أن ترفع سقفها الفني ولا الإبداعي، فاعتبرت أن هذه السلعة مكتملة بذاتها ووصلت للكمال، لذلك عندما يوجد مسلسل (ضرب) كباب الحارة أو مسلسل بدوي فهو تنويع على المهن المشاركة بصنع الدراما، فمرة تكون الملابس رائعة وأخرى المكياج خارق وطبعاً أنا ضد التعميم، وعليه لم نستطع التقدم بل نحن نتراجع، فاليوم المعلومات أو المواهب التي دخل بها هيثم حقي واستثمرها بالدراما لا يملك عشرة بالمئة منها مخرج يعمل منذ عشر سنوات وهم كثر، كما أنه يوجد انفصال بينهم وبين المادة التي يخرجونها، لذلك فهناك كثير من الدراما العربية التي تنتج لكن السوريون يريدون الاحتفاظ بالمال بحوزتهم وإنتاج دراما من قفا الإصبع بالعامية.
هل ترى أن أبواب الدبلجة التي فتحت بالعالم العربي ستأثر سلباً في الدراما السورية؟
إن الدراما السورية ليست في القمة حتى تؤثر عليها سلباً وهي ضمن واقع تجريبي، فعندما يحصد الدوبلاج كل هذا النجاح يعني أننا نعاني فراغ في مكان ما، وليس بالاستطاعة رؤية الأمور من باب القدرة على إلغاء الدراما التركية، فحتى لو توقف شراءها من الممكن أن يقوم الأتراك أنفسهم بالدبلجة والبث وسيجدون نفس الجمهور والصدى.
المشكلة هي بعدم تجاوز السقوف، ففي زمن العار القضية شديدة البساطة والسذاجة بالعشرية الأولى من القرن الحادي والعشرين ونحن طرحناها لسذاجتها ولتفاهتها، من الممكن أن مسألة تافهة كالعذرية قادرة على قلب كيان بيوت، فمثل هذا المسلسل أقام الدنيا ولم يقعدها على أساس أن هذا الأمر يصلح وآخر لا يصلح، ويأتي المسلسل التركي ويطرح هذه القضية وهم يشربون الخمور وفي المسابح والمتلقي العربي لا يعلق، كما أنه مستقبلاً يمكن أن تاتي الدراما الايطالية والاسبانية وغيرها.
الأمر مثل موضوع الماء التي تسير على الأرض المنخفضة فصانعو الدراما السوريين سقفوا أنفسهم، ووصلوا إلى مرحلة لا يستفيد منها الممول، فماذا يعني أن آتي بمسلسل لأحافظ على سكون وثبات الثقافة الاجتماعية، هذه دراما التواصي بالفعل.
متى ستبتعد الدراما عن تصوير المرأة إما كضحية أو رخيصة؟
لن تبتعد، فنحن لم نستطع أن نتصور المرأة كمواطن كامل الأهلية قادرة على الزواج أو العيش وحيدة وأن تكون حرة بجسدها أو بقرارها ، فنتصورها تنويعا على الذكر فقط.
ما سبب عدم تجسيد أمل عرفة لدور بثينة في «زمن العار»؟
بدايةً لقد أدت سلافة معمار دورها بطريقة جداً ممتازة، وبما يخص أمل عرفة فعادة نجتمع مع المخرجة التي سألت بمن تفكرون فقلنا بأمل، لتجيب أنها حامل، وانتهى النقاش عند هذا الحد.
معظم شركات الإنتاج في سوريا تعمل كمنتج منفذ لشركات خارجية ، ما أثر ذلك على العمل الدرامي؟
هي لا تعمل كمنتج منفذ فهي كمهنة جزء من آلية العمل الفني إن كان دراما أو مسرح أو موسيقى، فالمنتج المنفذ ليس سمساراً، لكن استطاع المنتجون السوريون بعبقريتهم الفذة أن يحولوا المنتج لسمسار، وهو عملياً لا له علاقة بالإنتاج، وأنا لست ضد الأرباح حتى لو كانت فاحشة لأن كل المنتجات الثقافية لها ثمنها، لكنهم ليسوا منتجين منفذين بالمعنى الفني بل وضعوا لافتة كتبوا عليها صفتهم.
كيف تنظر إلى الأثر الذي تتركه الجوائز على الدراما؟
إذا تكلمنا مثلا عن تجربة أدونيا فهي جائزة منطقية وصغيرة وفيها تقدير، وبحكم تجربتي معهم كعضو لجنة تحكيم أراها جائزة شريفة بغض النظر إذا كانت عادلة أو العكس، لكن المشكلة أن كل الوسط السوري يعتبر نفسه يستحقها وأنا أقبل، لكن لا توجد سوى جائزة واحدة، وعليه إذا أخذها فلان سيحرد الآخر وكذلك الأمر على الجميع، أي يريدون الجائزة لشخصهم وإلا فهي غير جيدة وفيها غش، فأهل الوسط لا يعرفون كيف يفرحون لبعضهم، فهم لا يشاهدون كيف أن «سكور سيزي» يربت على كتف شاب أخذ الأوسكار ويشجعه بل يرون أنهم يستحقون الجائزة كل سنة ولعشرات السنين.
من جهة ثانية نرى الجوائز الإعلامية والإعلانية الأخرى التي يقف وراءها رسميون أقل من المستوى المطلوب، كجائزة التلفزيون السوري برعاية معمل علكة، حتى جائزة دبي التي أعلنوا عنها بمليون دولار والتي اكتشفنا أنها قسمت وذلك نتيجة تدخلات وضغوطات.
ماذا عن مسلسلك الجديد؟
يصور الآن مسلسل السراب الذي عدلت شركة الإنتاج اسمه عن انفلونزا الطيور وهو أمر عادي، ويمثل فيه بسام كوسا وسلاف معمار وغيرهم من الفنانيين السوريين وهو من إخراج رشا شربتجي.
