توحد مع آلة البيكلو، ترسم ملامحه، لا تفارقه في حله وترحاله،، وهو لا يحملها، بل يحتضنها، لا تختلف كثيراً عنه، فكلاهما يتميز بالارستقراطية والهدوء والاتزان، لا يعزف عليها بل يذوب فيها بكل نبضاته، حتى أصبح واحداً من أكبر عازفي (البيكلو) في العالم، والوحيد في السودان، ذلك هو المايسترو والموسيقار، أسامة بابكر التوم، الشهير بأسامة (بيكلو)، الذي جعل موسيقاه تحمل مضامين عميقة؛ روحية وفلسفية، جدد في أساليب العزف، واستفاد من روح الموسيقى الشرقية ومعطيات الموسيقى الكلاسيكية العربية والعالمية ليصبها في قالب فني تعبيري جديد، فارضاً حضور (البيكلو) في الساحة الموسيقية كآلة رئيسية بعد أن كانت مجرد آلة ثانوية ذات خلفية مهملة بين الآلات الموسيقية، ففي أعماله دمج فريد بين العربي والغربي، الجملة الموسيقية الشرقية عنده تخرج من عباءة نسيج غربي أضاف لها بريقاً، ولمعاناً، وانسجاماً يعكس لغة التوحد، والتقارب؛ فالموسيقى توضع في برواز أنيق يجعلها تتخطى الحدود، والشرائح وتصل إلى كل الطبقات.

 

وفي حوار خاص لـ«الحواس الخمس» يتحدث الموسيقار الكبير أسامة بيكلو عن عالمه الخاص، الذي ولد لنا هذه النوعية من الموسيقى الراقية التي لا شك أنها أسهمت إلى حدٍّ بعيدٍ في تغيير شكل وملامح موسيقانا.

يقول «بيكلو»: هناك موسيقيون استطاعوا أن يجعلوا من موسيقاهم مرآة لشخصيتهم، لها شكل موسيقى مستقل، ومختلف عن أسماء كثيرة موجودة، وفي ظروف العولمة، حيث تكسر الثقافات الحدود، تنقسم الأصوات بين متفائل بالانفتاح واتساع مساحة الحريات، ومتشائم يحذر من ذوبان الهوية وأفول تقاليد ثقافية وفنية عريقة. وإلى هذا الفريق الأخير ينتمي هو.

ويضيف «بيكلو»: قد تتهم الموسيقى العربية بأنها لا تصل إلى منطقة الحلم التي وصلت إليها الموسيقى الغربية، والدليل «تكوين أول اوركسترا سودانية»، حلمي الذي لم يتخطَ تلك الأفاق الوردية، فشكل الحلم مختلف لدينا عن الغرب، فالحلم يتشكل من مجموعة معطيات يكتسبها العقل الباطن، وبما أن التعددية مفقودة في مبدأ الحياة السياسية والاجتماعية جاءت الموسيقى معبرة عن لسان حال المجتمع، مضيفا أن تعدد الأصوات بدأ في أوروبا مع بداية نشوء البرلمانات فقبول مبدأ الرأي الآخر أعطى فرصة لقبول صوت ثان، وبدأ الهارموني بالظهور والبارفوني، وتعددت الأصوات؛ فنحن امة أحلامها فردية في الغالب، لذلك ننجح في العمل الفردي، ونخفق كثيراً في العمل الجماعي!

وفيما يتعلق بتأسيس ذائقة موسيقية جماعية يرى «بيكلو» انه علينا أولاً وضع سياسة تبدأ من رياض الأطفال، وتستمر حتى الجامعة، فالعمل الجماعي في حاجة إلى رعاية دولة، ولا يمكن أن تنجح «اوكسترا» تتألف من ستين عازفاً من دون جهود دولة ما، وعندما تتبنى الدول العربية ذلك ستبدأ تقاليد فنية جديدة بتأسيس حلم لا يشبه أحلام الغرب، بل يشبه تمنياتنا، خصوصاً ان الحلم يجب أن يحمل رؤيتنا وملامح بيئتنا وثقافتنا.

ويرى الموسيقار «بيكلو» أن الموسيقى العربية يعتريها عدد من الإشكالات التي تعوق انتشارها وتطورها، موضحاً أن الحلول تكمن في إدخال مادة التربية الموسيقية ضمن المنهج الدراسي العام، لمعرفة الشغف والميول، ومن ثم فحص الموهبة، والاهتمام بالتوزيع الموسيقى، موضحاً أن إدخال التوزيع بجرعة زائدة على المتلقي قد يؤدي إلى نفوره، فيجب التعامل مع الأذن العربية بجرعات مخففة حتى يتعود عليها خاصة في إضافة صوت سادس أو سابع.

وفيما يتعلق بالقضايا الفنية والاجتماعية ذات العلاقة بالموسيقى السودانية، والتي تؤثر في انتشارها وتميزها وتطورها يقول «بيكلو»: للموسيقى السودانية تاريخ ضارب في القدم، ولكن هناك الكثير من المعوقات أهمها كيفية التعاطي معها، والموسيقى إجمالاً لابد أن يكون الطريق لها عبر الدراسة، وهناك مشكلة واضحة في ما يتعلق بفحص الموهبة نفسها، ومهمة التربية والتعليم، بإدخال التربية الموسيقية و(تعلم أبجديات الموسيقى) في المنهج لما قبل التعليم المدرسي، لأنه علم يعتمد على الصغر، خصوصا تعلم النوتة الموسيقية الذي يحتاج إلى ذكاء خارق.

وعن ألبوم «شيء في خاطري» والذي يعد الأول في تاريخ آلة (البيكلو) يوضح انه يضم 12 مقطوعة موسيقية منها؛ (عشت يا سودان، صباح العيد، جولة في الحي القديم، رحماك يا ملاك، ربيع الحب، وحدة وادى النيل، أشجان، يا ناسينا، شيء في خاطري» من بينها مقطوعة غالية علي قلبي باسم (حبي للإمارات)، تلك الدولة التي أقمت فيها 12 عاماً، معلماً للتربية الموسيقية في مديرية الثقافة، وكان عنوان هذا الحب في مقدمتها الموسيقية هو جزء من السلام الوطني لدولة الإمارات، فغالباً ما يكون المؤلف الموسيقي عندي مرتبطاً بحدث ما أو لحظة ميلاد طبيعية لمولد جديد، وغالباً هو موسيقي، فعندما ألفت مقطوعة صباح العيد كان لها قصة، وهي تعبير عن فقدان الأسرة في يوم العيد، وضرورة أن تكون مع أبنائك للذهاب للصلاة وترنيمة الصلاة (الله أكبر الله أكبر) .

وكان ذلك هو الفكرة الأساسية.وحول تجربته كعازف محترف يضيف: تعتبر آلة (البيكلو) والتي تنتمي إلى فصيلة آلات النفخ الخشبية اصغر آلة موسيقية، وأعلاها من ناحية الصوت والرنين وفي الوقت نفسه هي آلة حادة تسيطر على أصوات الآلات الأخرى، وعلى مستوى الساحة الموسيقية السودانية والعالمية تعد تجربة جديدة، وتأكيد لذلك وفي تاريخها منذ صناعتها ووجودها في حيز الموسيقي العالمية أصبح لها دور أساسي بدلاً عن الأدوار الثانوية، وما أقوم به هو وضعها في مقام (الصولو) وبقية الآلات في المقام الثانوي، وهذا عكس ما يحدث مع طبيعتها، وأعتقد أن هذا يضاف لرصيد الموسيقي السودانية، وما أقوم به هو نوع من الاستقلالية لأنها تؤدي دوراً موسيقياً بحتاً، وليس موسيقى مصاحبة لأغنية.

وهذا يعني أن هنالك كياناً موسيقياً جديداً على كل المستويات يقوم على توظيفها بطبائع غير طبائعها المعتادة، وهذا سبق أنا فخور به على المستوى المحلي والعالمي.ومن وجهة نظري بمقدور (البيكلو) أن تصل بالإحساس الموسيقي السوداني إلى جغرافية جديدة؛ فهذا ما يميز الموسيقى عن الغناء لأن الموسيقي لغة عالمية يسهل جداً فهمها وهضمها وهي لغة العالم الأولى وتتجاوز الحدود بغض النظر عن اللغة، و(البيكلو ) محبب جداً للمستمع السوداني من خلال كل الأغاني العظيمة لمبدعينا الكبار، وهو قادر على أن يصل بعيداً ويتحدى الجغرافيا، ويقفز فوق أسوارها.