حياة جينا نجيب الريحاني أو «جيزيل».. مثل قصة حياة والدها الفنان «الضاحك الباكي» نجيب الريحاني مع اختلاف التفاصيل. إنها قصة فيلم كتبتها السنون والأيام والليالي ساعة بساعة.. ويوما بيوم، أو قل مسرحية لعبت الأيام بطولتها؛ تراجيديا مكتملة، بها عناصر ومقومات الدراما، بكل ما فيها من حلقات صراع بين الخير والشر، بين القدر والإنسان، جميع الخيوط لها أصل واحد ثم تتشعب؛ كل خيط يتصاعد مستقلا ويخوض معارك عدة منفصلة.. ذات صلة بالخيط الرئيسي قبل أن يلتقي بقية الخيوط؛ ليصنع معهم ذروة الحدث ويتم حل القضية موضوع الدراما.. إنها قصة حياة جينا ووالدتها لوسي ووالدها نجيب الريحاني..

«الحواس الخمس» التقى جينا وحاورها عن نفسها وعن مشاريعها لإحياء ذكرى والدها المولود في الحادي والعشرين من يناير عام 1889، وعن والدتها، ورحلتهم جميعا مع الحياة، رحلتهم معا ومعارك كل منهم المنفصلة حتى التقوا جميعا في نهاية المطاف، رحلة اختفاء جينا عن العيون في حد ذاتها قصة درامية مكتملة، وفيما يلي فصول القضية، أو وقائع الحوار مع جينا:

أين كان مولد الريحاني؟

في حارة درب مصطفى بباب الشعرية، من أم مصرية وأب عراقي من الموصل كان يعمل بتجارة الخيول.

ما الاسم الحقيقي للريحاني؟

نجيب إلياس ريحانة.

هل كان له أشقاء؟

نعم كان له ثلاثة أشقاء؛ (توفيق) الذي أنجب بديع الريحاني، وتوفي منذ خمس سنوات وكان بديع متزوجا من إنجليزية، والأخ الثاني يوسف وكان أحدب، أي متقوس الظهر، وعمل محاسبا بمسرح الريحاني ولم يتزوج، وكان مقامرا، كما كان أبي يخشاه دائما، وأخوه الثالث، فقده وهو صغير؛ ما ترك أثرا في قلب الريحاني استمر حتى مماته.

لماذا ترك اختفاء أخيه أثرا في قلبه؟

أبي كان مسؤولا عن إخوته بعد وفاة والده وعمره في ذلك الوقت 15 عاما؛ ما أشعره أنه مقصر في مسؤوليته، ولو كان أخوه قد مات بمعرفته لكان أفضــل من أن يفقده دون أن يعرف عنه شيئا.

ما اسم المدرسة الابتدائية التي تخرج منها الريحاني؟

مدرسة «الخرنفش»، وكان اسم أستاذه يدعى «دومينيك».

البداية.. نجع حمادي

متى بدأ حب الريحاني للفن؟

كان أبي يعمل في أحد البنوك بنجع حمادي في صعيد مصر ومعه عزيز عيد، وكانا دائما يجسدان العديد من المسرحيات داخل البنك إلى أن رآهم مدير البنك ذات مرة فقام بفصلهما من العمل، لينتقل الاثنان إلى القاهرة، ويفتتحا أحد المسارح الكوميدية ومع الوقت طغت شهرة الريحاني، فانفصل عن عزيز عيد وكون أبي بعدها فرقته المسرحية الخاصة، وقدم فيها مسرحية «حكم قراقوش» على مسرح «برنتانيا».

ما أولى مسرحياته وأول أفلامه؟

«الفلوس، الحظوظ، ومملكة العجائب» ثم الكوميديا بمسرحية «الجنيه المصري» التي لاقت نجاحا كبيرا عام 1947، أما أول فيلم فهو «ياقوت في باريس».

وما آخر الأعمال التي قدمها ؟

مسرحية «سلاح اليوم»، كتبها له بديع خيري، والتي عرضت لشهر واحد وبعدها توفي أبي، أما في السينما فآخر عمل قدمه كان «غزل البنات» مع ليلى مراد.

مسيحي مسلم

كيف تعرَّف والدك ببديع خيري؟

كان بديع على علاقة بشخص يدعى جورج شفتشي، الذي كان يأخذ منه المسرحيات ويعطيها للريحاني، إلى أن دب خلاف بين شفتشى والريحاني، واكتشف الأخير أن بديع خيري هو المؤلف الحقيقي فقابله في مسرح «الإجيبشيان» عام 1918 وبعدها استقال بديع من وظيفته كمدرس لغة فرنسية ليبدأ المشوار مع الريحاني.

ما الدليل على أن الريحاني كانت تربطه بخيري علاقة قوية أكثر من مجرد عمل؟

كان أبي نجيب، وخيري أصدقاء لا يفترقان أبدا، وكانا يقضيان وقتا طويلا معا، لدرجه أن أبي كان يعتقد، كما اعتقد الآخرون، أن خيري مسيحي مثله، حتى ماتت أم بديع «جلفدان»، وعندما ذهب بابا نجيب لتقديم واجب العزاء قابل الشيخ محمد رفعت الذي قال له إنه قرأ القرآن في الصوان فذهب أبي إلى بديع وقال له «لماذا لم تخبرني أنك مسلم؟»، فقال له خيري «لأنك لم تسألني».

ومتى تعرَّف إلى سيد درويش؟

عام 1919 عن طريق بديع خيري، وحصل منه على العديد من الأوبرتات لمسرحياته.

هل كان هناك فنانون يكرهون الريحاني؟

يوسف وهبي الذي كان ينافسه بشدة، وعزيز عيد وفاطمة رشدي وجورج أبيض رغم أنه لجأ إلى الريحاني عندما كان مديونا ولم يبخل عليه والدي.

كيف خان جورج أبيض الريحاني؟

كان جورج أبيض يمر بضائقة مالية وعلى وشك إغلاق مسرحه؛ فأعطاه أبي الأموال التي عاد بها من البرازيل، وبعدما اشتد عوده تنكر لوالدي وطرده من المسرح.

كيف كانت المنافسة مع علي الكسار؟

مسرح الكسار كان الأسبق، وعندما كان الكسار يقدم مسرحية كان الريحاني يرد عليه بأخرى مثل «إحنا اللي فيهم» للكسار، فرد الريحاني بمسرحية «ولو»، والكسار كان يقدم مسرحا لعامة الناس، بينما الريحاني يخاطب المثقفين.

هل كان الريحاني يغضب من بديع خيري عندما يكتب مسرحيات للكسار؟

لا، بل كان يطلب منه ذلك ويشجعه، حيث كان أبي دائما ما يسافر إلى الخارج لفترات طويلة، وبالطبع لن يستطيع خيري البقاء دون عمل كل تلك الفترة.

هل لجأ والدك لكاتب آخر غير بديع؟

لا؛ لأنهما كانا بمثابة شخص واحد في كل شيء، حتى في التفكير، ولم يختلفا أبدا.

ما هي المواقف المؤثرة في حياة الريحاني؟

عندما توفيت جدتي والدة الريحاني «لطيفة» عام 1922 ذهب ليعرض مسرحيته «العشرة الطيبة» قائلا: إنه حزني أنا، أما جمهوري فقد جاء ليسعد».

هل كان يعد قصره ليكون مسرحا؟

نعم، وكان يقع في منطقة قوت القلوب الدمرداشية، والذي صار ملكا لوزارة الثقافة، وقد جهزه ليكون مسرحا ومسكنا له وللفنانين الذين لا يجدون مأوى، وأخبرتني الفنانة تحية كاريوكا قبل رحيلها بأنه كان يجمع الفنانين حوله ويساعدهم ماديا.

الورد وقلب والدتي

مَن أكثر النساء قربا لقلب والدك؟

الريحاني أحب كثيرات بصدق، بعضهن تركنه؛ ما سبب حسرة لقلبه منهن «جوزفين بيكر» الفرنسية وعاش معها 3 سنوات بالقاهرة بعد خلافه مع بديعة مصابني واختفاء أمي لوسي التي كانت الأكثر قرباً لقلبه، لكنه لم يكن يحب بديعة مصابني لتسلطها الشديد، وزواجها منه كان لمصالح فنية، وكذلك تحية كاريوكا التي كانت لها مكانة في قلبه وحزنت هي الأخرى كثيرا على فراقه.

كيف تعرف إلى أمكِ لوسي؟

كان أبي يريد راقصة أجنبية تعمل معه في مسرحية «كش كش بيه في باريس»، وعلم أبي آنذاك بوجود فرقة فرنسية في مصر؛ فذهب ليشاهدها ويختار راقصة منها فأعجب بوالدتي، حيث كانت تعمل راقصة في تلك الفرقة التي جاءت إلى مصر عام 1918 للعمل في أحد الكازينوهات بمصر.

كم كان عمر والدتك آنذاك؟

18 عاما.

لماذا كان الريحاني يستعين بنساء أجنبيات في مسرحياته؟

لأن بعض الأدوار كانت تحتاج إلى أجنبيات مثل «كش كش بيه في باريس» الذي جسد فيه دور العمدة وكذلك فيلم «ياقوت».

كيف بدأت أمكِ العمل مع الريحاني، وهل وافقت مباشرة عندما عرض عليها العمل؟

عندما رآها أبي للمرة الأولى طلب منها أن تعمل معه، ولكنها رفضت وتعجبت من طلبه في البداية، ثم أرسل لها بوكيه ورد مكتوب فيه «أنا منتظرك يوم الأحد في بروفة المسرح الساعة 12»، فذهبت في الميعاد، وكان أكثر شيء أخافها من العمل أنها لا تتحدث العربية، لكنه طمأنها.

لماذا غيرت والدتكِ رأيها بتلك السرعة ووافقت بعد رفضها؟

لأنها أحبت والدي نجيب وانجذبت إلى جرأته وأسلوبه.

ما الفترة التي عملت فيها لوسي مع أبيكِ؟

ليست فترة طويلة.

ما السبب؟

لأنها شعرت بأنها مكروهة من زميلاتها في المسرح مثل ميمي شكيب وغيرها من خلال نظرتهن وهمساتهن التي شعرت أنها موجهة ضدها.

كم سنة عاشت أمكِ مع الريحاني؟

عاشت معه في البداية ثلاث سنوات في شقة بمصر الجديدة بالقاهرة، وتحملت معه الفقر لدرجه أنها كانت تشرب معه من كوب شاي واحد.

أمريكا ـ باريس

متى سافر الريحاني إلى أمريكا، وما الفترة التي قضاها هناك؟

سافر عام 1924 وقضى بها ثلاث سنوات ثم ذهب مباشرة إلى باريس قبل العودة إلى مصر؛ ليسأل عن والدتي التي عرف من خلال بعض الجيران أنها تزوجت.

هل انفصل عن بديعة مصابني فور عودته من أمريكا؟

نعم؛ فقد انفصل عنها عام 1927، وكان مجرد انفصال لعدم وجود طلاق في المسيحية.

ما أسباب انفصاله عنها؟

كانت امرأة متسلطة، كما أنها كانت تعرف رجالا آخرين عليه.

متى عاد الريحاني إلى لوسي مرة أخرى؟

عام 1936، حيث تقابلا بالمصادفة في أحد بيوت الأزياء التابعة لمسرح «كوميك» في باريس، والذي كانت تعمل أمي فيه كمصممة أزياء بعد انفصالها عن زوجها؛ لأنها لم تكن تستطيع العودة إلى الرقص مرة أخرى لكبر سنها، وعندما ذهبت لمدير المسرح في ذلك البيت لتعطيه الملابس قابلت أبي هناك بعد غياب 16 عاما، حيث كان أبي دائم التردد على ذلك المسرح والذهاب إلى باريس كل عام لمعرفة الجديد في عالم المسرح.