رجل في الثمانين من عمره، يهرول بين أزقة دمشق القديمة، و يشير إلى الخراب الذي ألحقته الترميمات بزوايا وحارات تشكّل تاريخه وذاكرته. وحين يصل هذا المسن إلى غرفته يُفاجئ الجمهور بعامودين منتصبين وسط غرفته تماماً، لحماية السقف من الهبوط... هذا المشهد يُشكّل نهاية فيلم «سقف دمشق وحكايات الجنّة» للمخرجة السورية سؤدد كعدان، الذي حصد أخيرا الجائزة الثانية للمهر الذهبي في مهرجان دبي السينمائي.

تدور أحداث الفيلم في دمشق القديمة، حيث الحكايات الساحرة و القصص الخرافية التي يعتقد بها معظم سكان هذه المدينة، ليأتي إفراغا لذاكرة المخرجة، التي استخدمت الرسوم المتحركة لإضفاء الطابع الخرافي على الفيلم، كمغامرة تحمل من الصعوبة ما لا يمكن أن يزول بسبب المعلومات الكثيرة القادمة من متعة البحث.

لكن، ما الذي دفع كعدان الى خوض هذه المغامرة؟

تُجيب: كنت أحاول جمع حكايات و أساطير المدينة في كتاب. لكن عندما اختفى سقف سوق مدحت باشا القديم، شعرت أن عليّ جمع هذه الحكايات في فيلم وثائقي، يحتفظ بما تبقى من أمكنة قبل أن تتلاشى. أردت أن أنقل عبر الصورة السينمائية واقع المكان، وأعبّر عن أساطيرها عبر حكايات رسمتها بالألوان المائية الفنانة نادين كعدان. وأردت تحويل الفيلم الوثائقي إلى نوع جديد من كتب الحكايات الخيالية المعاصرة... أردته نافذة إلى حكايات الجنة التي لا تنتهي.

في محاولة توثيق من هذا النوع، لماذا استخدمتِ الرسوم المتحركة لإكمال الأجزاء المفقودة من الأماكن، أم لتوضيح القصص الخرافية، ما المبرر الموضوعي لاستخدام هذه الرسوم؟

دمشق ليست أسطورة بالنسبة لي؛ هي مدينة حية تمتلك أساطيرها، مثل أية مدينة أخرى. لكن بما أنها تدفن سبعة مدن تحت شوارعها، فلا يمكن أن نقاربها ببساطة... حاولت في هذا الفيلم المزج بين التحريك و الوثائقي، للعب بين مستويات المدينة المتخيلة و الواقعية، وبين أوهامها و قضاياها ما بين الجنون و الشجن. وحاولت مع مدير التصوير كريم غريب أن ننقل صور بيوت الشام بأجمل هيئة ، وكنا نحاول أيضاً أن نلتقط مشاهد عن تردي وضع أحيائها: مع مشكلة المجاري، و القاذورات، و التلوث. أردت أن أنقل صورة ذاتية للمدينة، كما يراها سكانها، كما ضخم الحنين من شكلها. صورة ذاتية، تأخذ منحى سرياليا، كوميديا مع الرسوم المتحركة، و كأنها تخرب كل ما كنت أحاول أن أبنيه سابقاً أثناء التصوير.

تكاد تنعدم المؤثرات الصوتية في الفيلم، هل هو اختيار تقني، أم أن المؤثرات البصرية شغلت حيزاً أكبر في العمل؟

عندما ينسى نهائياً المتفرج أن هناك عملاً كبيراً على الشريط الصوتي للفيلم، عندها نكون قد نجحنا في عملنا. لذلك حاولت أن أجعل المؤثرات الصوتية جزءا أساسيا من بنية الفيلم، حتى تكاد تشعر أنها جزء من المكان. هناك بعض الأصوات قد تم تسجيلها في الاستوديو. و من ثم تم إضافتها في الفيلم لتشكل مفتاحا للعودة إلى الماضي: صوت مفاتيح- صوت خطوات- صوت أبواب تغلق -صوت رش الزهور الاصطناعية بالمياه، صوت تكنيس الشارع، صوت تنهد و تعب... و هناك أصوات تتكرر في الفيلم، فتشكل تيمة صوتية ذات وظيفة درامية: صوت ضربات المطرقة و الترميم، يبدأ منذ أول مشهد في الفيلم، مع أنها لا تظهر بصرياً إلا في آخر حكاية. أما عندما يكون المشهد عبارة عن رسوم متحركة، فقد اخترت ألا تكون هناك أية مؤثرات واقعية، بل أن ترافقها الموسيقى فقط. لأننا في الحلم لا نسمع الأصوات إلا بشكل ذاتي انتقائي. وقد حاولت مع المؤلف الموسيقي ناريك عباجيان، أن تكون الموسيقى بسيطة، طفولية و أن تعتمد على آلة واحدة فقط : البيانو، لكي تشبه علب الموسيقى ذات الزنبرك، التي يحب أن يفتحها الأطفال. فقط في مشهد السمكة، تتدخل عدة آلات موسيقية، و تتحول الموسيقى إلى جاز، و تتحول إلى نوع من اللعب والفرح. فحكاية السمكة الطائرة، تكسر كل قوانين مشابهة الواقع.

بين إيقاع الحلم و إيقاع الحياة اليومية يتراوح إيقاع الفيلم، لماذا لا يوجد له إيقاع ثابت؟

تخنقني البنية المحكمة المغلقة، و لا أستطيع تحمل الإيقاع الدرامي المقسم إلى خمسة فصول كلاسيكية و ذروة. و على الرغم من أنني أحاول عند مرحلة الإعداد أن أصوغ الفيلم ببنية محكمة، و لكنني أتعمد كسر بنية فيلمي و أمازحها، أثناء التصوير و المونتاج. بالنسبة إلي الحياة أكبر من بنية درامية. لذلك أحاول أن تتنفس البنية في فيلمي. فأضحك و أشرد قليلاً و أغوص في موضوع يؤلمني، ومن ثم أعود إلى سير الحكاية. أحاول دائماً أن يشبه إيقاع فيلمي إيقاعا حديثا يوميا بسيطا بين صديقين يعرفان بعضهما منذ مدة.

و ما علاقة الأسطورة بالواقع (دمشق سابقاً و الآن) في فيلمك، كيف تجدين دمشق المحدثة بعد التعديلات و الترميمات ؟

ترافق كل مدينة حكايات و أساطير تعبر عن الذاكرة الجمعية لسكانها المعاصرين، و أرواح من سكنوها. و تعبر المدينة القديمة عن هذا التاريخ، عبر اختلاف أشكال و أحجام الحجارة في سورها القديم. مشكلتي مع دمشق المحدثة بأنها لا تمتلك مفهوم العمارة الحديثة الذي يمزج بين البحث عن هوية المدينة و الرغبة بتنظيمها. و هذا مفهوم، بما أن معضلة البحث عن مكان للسكن، البحث عن الخبز اليومي، أكبر من علاقة الإنسان مع المكان. لكنني أحزن عندما يحوّل ما تبقى من أماكن أثرية، إلى أماكن فلكلورية. هناك نوع من العجلة و التسرع في مفهوم الترميم لا يناسب إيقاع تاريخ المدينة.

من المعروف أن المخرجين العاملين مع شركات الإنتاج التلفزيوني يخضعون لقوانين إنتاجية، هل تعتقدين أنك استطعت اختراق هذه القوانين؟

هناك قيود و قوانين أينما ذهبنا و في كل ما نقوم به. يتطلب الخروج منها القليل من الجرأة و الكثير من العند و الكثير الكثير من الرغبة باللعب و الاستمتاع بما نقوم به. عندما أبدأ فيلماً أعرف أنني كمخرجة مستقلة لا أتبع الكثير من القواعد الإنتاجية، و الإخراجية. بل أحاول جهدي أن أوصل ما أحب قوله مع الشخصيات و فريق العمل. لكل منا حكايات و أحلام يرغب بأن يوصلها في أفلامه، و طريقته الخاصة بإيصالها. و الأفكار الجديدة مع القليل من الصبر، تجد في النهاية مكاناً لها في التلفاز.

في بلاد تكاد تنعدم فيها مساحات الحرية، ما المصاعب التي تواجه مخرج الأفلام الوثائقية، وخصوصاً صنع فيلم عن تشويه مدينة دمشق؟

ليس من السهل أن تخوض تجربة الوثائقي في مجتمعاتنا. منذ لحظة البحث عن شخصيات إلى لحظة عرض الفيلم ما أن يجهز. معظم الأبواب تغلق في وجهه، فالبيوت تخاف على خصوصياتها. بالإضافة إلى صعوبة البحث عن أماكن عرض للفيلم و تمويله، و تجاوز أمور الرقابة العامة.

لكن متعة الخوض في الوثائقي تنسي المخرج كل هذه الخطوط الحمر. متعة البحث عن أجوبة، و اكتشاف الآخر و إلقاء الضوء على أمكنة نسيها الزمن. هناك شيء غير متوقع أشبه بالتشويق أثناء التصوير، يفاجئك، يضحكك و يبكيك أحياناً . و أخيراً يجعلك الوثائقي أكثر تواضعاً لأنك تعلم أنك تدخل تجربة الفيلم، و أنت لا تملك كل الأجوبة، و لا تستطيع مهما حاولت أن ترسم مسبقاً مسار اليوم. و أن الفيلم في النهاية لا يخصك وحدك فقط، لأنه يحمل معه حكايات كل الناس التي مرت في الفيلم .