تشكّل أساليب الحياة وتنوع وسائل العيش في المدن الحديثة واحدة من أبرز الأهداف التي تسعى الدول جاهدة إلى تنسيقها وتنظيمها لتأمين أجواء صحية ومعيشية آمنة لا لرفاهية المجتمعات فقط؛ بل لتكون تلك المدن أمكنة دائمة للحياة، ولقد استطاع مجلس أبو ظبي للتخطيط العمراني خلال فترات عمره القصيرة نسبياً أن يخلق نوعاً جديداً من الرؤية المستقبلية للعيش والحياة في العاصمة أبوظبي التي باتت محط أنظار العالم خلال السنوات القليلة الماضية.
ومع تسارع وتيرة المشاريع الإنمائية والعمرانية والحياتية بكافة مناحيها، وضع هذا المجلس مجموعة خطط ومشاريع ونظريات لتوازي التطور الحاصل بصورة تكفل ديمومة الحياة في العاصمة مع شروط الأمان والراحة والمساحات الخضراء .
وأسباب الراحة للمواطنين والمقيمين وإنشاء مشاريع قائمة على الاستدامة وعدم هدر الطاقة، «الحواس الخمس» التقى سعود الجنيبي مدير إدارة التطوير المستدام والتصميم العمراني في المجلس، للتعرف عن كثب إلى برنامج استدامة وإشراك المجتمع الظبياني في هذا البرنامج والانطلاق صوب الرؤية الاستراتيجية لأبوظبي؛ فكان هذا الحوار:
حدثنا في البداية عن برنامج «استدامة» الذي أطلقه المجلس وماهية هذا البرنامج وتوجهاته؟
تهدف مبادرة «استدامة» التي أطلقها مجلس أبوظبي للتخطيط العمراني في مايو 2008 إلى تعزيز مستوى الاستدامة والارتقاء بجودة الحياة في الإمارة، وتمثل هذه المبادرة مساهمة أبوظبي في الحوار العالمي حول أفضل السبل لإقامة مجتمعات سكنية ومدن ومشاريع عالمية أكثر إستدامة.
وتستند «استدامة» إلى تصور واضح يقوم على أربعة أركان، هي البيئة والاقتصاد والمجتمع والثقافة، و«استدامة» هي ثمرة رؤية ملهَمة لتطوير المجتمع وفكر جديد يرمي إلى بناء عاصمة عالمية رائدة في تحقيق الاستدامة، ويعتبر هذا البرنامج الأول من نوعه الذي صمم خصيصاً ليناسب منطقة الشرق الأوسط.
ويدعو إلى مفهوم العيش في تناغم مع ثقافة أبو ظبي وبيئتها مع الحفاظ على نمط الحياة الإماراتية لكي تستفيد الأجيال القادمة من الخيارات الحكيمة التي يجري اتخاذها في الوقت الحاضر، ومن ناحية أخرى تشكل «استدامة» دعامة أساسية لرؤية أبوظبي 2030 من خلال التأكيد على تضمين الممارسات المستدامة في التخطيط على مستوى كل من المدينة والمجتمعات السكنية والأحياء.
يعرف عن المجتمع الإماراتي والخليجي بصورة عامة اتجاهه نحو الاستهلاك الكبير بصورة تقترب من التبذير لكثير من وسائل الاستخدام اليومي من طاقة كهربائية ومائية وغيرها، كيف ينظر القائمون على المجلس إلى هذه الظاهرة وكيفية التعامل معها في ضوء الخطط المستقبلية؟
تشكل المحافظة على الطاقة والمياه أولوية لدى «استدامة»، ولذلك هما من بين الفئات السبع في نظام التقييم بدرجات اللؤلؤ المستخدمة لتصنيف أداء استدامة المباني والمجتمعات السكنية والفلل.
فالمتطلبات المندرجة تحت فئة «موارد الطاقة المتجددة» تراعي خفض الطلب على الطاقة وتحسين أداء الطاقة وتقليل استخدام أجهزة التبريد وتوليد الطاقة المتجددة في الموقع، وأما المتطلبات المندرجة تحت فئة المياه فتركز على خفض الطلب على المياه وتشجيع مصادر المياه البديلة والتوزيع الفعال والحد من تسرّب المياه.
كما تشمل المتطلبات التي تتعاطى مع توفير المياه داخلياً وخفض الحاجة إلى مياه الري ومراقبة استخدام المياه تحسباً لأية تسربات محتملة، من ناحية أخرى، إن الثقافة وأسلوب العيش الذي تسعى «استدامة» إلى إرسائهما في مجتمع أبوظبي ستؤديان إلى سلوك عام يثمن موارد الطاقة والمياه ويحرص على المحافظة عليها واستدامتها.
لقد تم إطلاق مبادرة «استدامة» منذ 2008 ، فما كانت خططكم لإشراك المجتمع في هذه المبادرة؟
يعتمد عمل مجلس أبوظبي للتخطيط العمراني على مبدأ الحوار والتفاعل والمشاركة، ولهذا يستبق المجلس إطلاق مبادراته الكبرى بجلسات الحوار والتشاور مع كافة الشركاء الفاعلين، لتحديد احتياجاتهم سواء من حيث متطلبات التخطيط والتطوير للمستقبل أو البنية التحتية والمرافق المجتمعية.
وقد طبقت «استدامة» منذ البداية هذا المنهج التعاوني في تواصلها مع كافة الشركاء الفاعلين، وبادرت إلى التواصل معهم لخلق وعي لديهم بأهداف «استدامة» وبالفوائد التي تعود بها عليهم وعلى المجتمع قاطبة وضمان دعمهم للمبادرة الجديدة. وقد نظمت «استدامة» في سبيل ذلك عدة حملات إعلامية وإعلانية ومبادرات اتصال استخدمت العديد من أدوات الاتصال الفعالة، من بينها:
برنامج الاتصال مع الجامعات، مسابقة تصميم الفريج المستدام وشكلت هذه المسابقة انطلاق برنامج التواصل مع الجامعات حيث قامت «استدامة» بالتعاون مع شركة الدار العقارية بتنظيم مسابقة بين طلبة الجامعات في الإمارات لتصميم بيت إماراتي ضمن الحي السكني الإماراتي «الفريج»، وقد شارك في المسابقة أكثر من 100 طالب وطالبة، إضافة للعلاقات الإعلامية، والدورات التدريبية والموقع الإلكتروني التفاعلي.
إلى أي مدى ستسهم مشاريع وقوانين المجلس في تسهيل حياة الناس في إمارة أبوظبي وفق رؤيتكم؟
كما أسلفت فإن أحد الأهداف الرئيسية لـ«استدامة» يكمن في تطوير مجتمعات مستدامة وتوفير بيئة ملائمة يطيب العيش فيها. ولـ«استدامة» دور محوري في عملية التخطيط والتصميم والتأثير الايجابي، حيث تسهم في الارتقاء بجودة الحياة والتعايش مع البيئة الطبيعية فضلا عن صون الموروث الثقافي من خلال تطوير مبان ومواقع عمرانية صحية تسهم في تخفيض البصمة البيئية والحد من التلوث وترشيد استهلاك الطاقة واستخدام الطاقة المتجددة والمحافظة على الموارد الطبيعية.
ومن خلال تطبيق نظام التقييم بدرجات اللؤلؤ، ستتوفر للمجتمعات السكنية في أبوظبي شوارع صديقة للمشاة ومظللة ومحكمة الترابط فضلا عن أماكن عامة ترتقي بجودة العيش وتحد من استخدام المركبات، وتماشياً مع مبادرة «استدامة» أعد مجلس أبوظبي للتخطيط العمراني بالتعاون مع الجهات الحكومية ذات العلاقة «دليل تصميم الشوارع الحضرية» لتحسين مستوى الربط بين مختلف مناطق أبوظبي.
ويهدف الدليل إلى خفض الإعتماد على المركبات الخاصة من خلال تنفيذ شبكة نقل عام تشمل خطوط قطار سريع وخيارات نقل سريعة مثل «الترام» والحافلات، ويرمي «دليل التصميم الحضري للشوارع» إلى أن تصبح أبوظبي نموذجاً عالميا لسهولة حركة المرور والتنقل من خلال تنويع خيارات الحركة والمرونة في الوصول إلى الوجهة المطلوبة وفعالية توفير الوقت وتعزيز جودة الحياة.
كما يهدف الدليل إلى تأسيس بيئة مرورية صديقة للمشاة، لتشجيع السكان على المشي وتقليل استخدام المركبات في التنقل والحركة مع تقريب المرافق إليهم في إطار مجتمعات سكنية متكاملة الخدمات، وإضافة إلى ذلك، تقدم «استدامة» حلولا لنمط حياة صحي يعالج مشكلات جودة الهواء داخلياً وخارجياً للاستمتاع بمكان صحي للعيش.
فالمجتمعات السكنية ستزود بالمرافق والخدمات والأماكن والحدائق العامة التي تقع على مقربة من السكان، لاستخدام عدد أقل من المركبات على الطرق، كما أن الانبعاثات الكربونية للمباني ستكون أقل من خلال استخدام مواد الإنشاء المناسبة والتصاميم الداخلية ونظام تكييف هواء ذكي، هذا بالإضافة إلى العديد من الحلول الأخرى ليستمتع سكان أبو ظبي ببيئة صحية ومريحة.
إلى أي مدى تتعاون معكم الجهات والمؤسسات الرسمية والخاصة في تنفيذ مشاريعكم؟
منذ انطلاقتها، تبنت «استدامة» مقاربة في عملها تعتمد على المبادرة في التواصل مع كل الجهات المعنية سواء من القطاع الخاص أو العام، فنحن نعتبر أن لكلا القطاعين دور رئيسي في التطوير العمراني المستدام لإمارة أبوظبي.
وقد حرص مجلس أبوظبي للتخطيط العمراني و«استدامة» على إقامة تواصل فعال مع كل الشركاء من خلال العديد من الحملات الإعلامية والإعلانية ومبادرات الاتصال المؤسسي والعلاقات العامة وتنظيم ورش أعمال وجلسات التشاور والتدريب التي أشرت إليها سابقا.
وعلى سبيل المثال، أطلقت «استدامة» مؤخرا سلسلة من ورش العمل التدريبية للمطورين والمهندسين المعماريين والمصممين والمستثمرين والجمهور العام لزيادة الوعي لديه وتثقيفه حول الآثار والمنافع المترتبة على نظام التقييم بدرجات اللؤلؤ.
