طالب الباحث والمؤرخ المستشار جمال بن حويرب، المدير التنفيذي لمؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم للمعرفة، بتعلم اللغة الصينية، وبتقوية الجانب البحثي مع الصين، مؤكداً أن الأرشيف الصيني والمكتبات المنتشرة في أرجاء الصين تزخر بالكنوز التاريخية الإسلامية والعربية التي تتطلب منا البحث عنها وكشفها.

جاء ذلك في محاضرة استضاف فيها مركز جمال بن حويرب للدراسات، الباحث والمستشار الصيني علي وانغ، في ثاني أمسية له بعد استئناف نشاطه الذي توقف إثر جائحة «كورونا». قدمه خلالها الدكتور حمادة هجرس بحضور عدد محدود من المهتمين والإعلاميين يتقدمهم الباحثان التراثيان عبدالله بن جاسم المطيري ورشاد بوخش، والأديب عادل المدفع، والمستشار التراثي راشد بن هاشم، والفنان والخطاط خالد الجلاف والإعلامي محمد صالح بداه.

الإسلام والصين

وقال المحاضر: دخل الإسلام إلى الصين عن طريق محورين: المحور البري الذي جاء إليها من الغرب، وتمثل في فتح تركستان الشرقية في العصر الأموي، في منطقة كاشغر، وفي أواخر القرن الأول الهجري وصلت فتوحات (قتيبة بن مسلم الباهلي) الحدود الغربية للصين، وعلى الرغم من أن الفتوحات الإسلامية لم تتوغل في أرض الصين، إلا أن طريق القوافل بين غرب آسيا والصين كان له أثره في انتشار الإسلام عن طريق التجار في غربي الصين، وعرف هذا بطريق الحرير، وكان من أسباب انتشار الإسلام حول المنطقة.

المحور الثاني هو المحور البحري، وتمثل في نقل الإسلام إلى جنوبي وشرقي الصين، ففي نهاية عصر الخلفاء الراشدين، وتحديداً في عهد الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه، وصل وفد من التابعين إلى الصين في سنة 21 هجرية، ثم توالت البعثات الإسلامية على الصين حتى بلغت 28 بعثة في الفترة ما بين 31 هجرية -651 ميلادية و184 هجرية - 800 ميلادية، وتوالت البعثات الدبلوماسية والتجارية على الصين عبر هذا المحور البحري، وأخذ الإسلام ينتشر عبر الصين ابتداءً من الساحل الجنوبي.

وأضاف وانغ: تشير الإحصائيات الرسمية للحكومة الصينية إلى أن عدد المسلمين في الصين بحدود 24 مليون نسمة، بينما تقول إحصائيات غير رسمية أن عددهم يتجاوز 120 مليون نسمة، من 10 قوميات، تشكل قومية هوي (المكونة من أصول عربية وفارسية) الغالبية، وهم من قدماء الوافدين الذين جاؤوا مع الفتح الإسلامي للصين، وينتشرون في شينجيانغ ومقاطعات بي وخنان وشاندونغو «إقليم منغوليا ذي الحكم الذاتي».

قومية سالار: تستوطن محافظة شيونهوا ذات الحكم الذاتي ولهم لغتهم الخاصة.

قومية دونغشيانغ: يقطنون في مقاطعة قانسو، وهم من أصول منغولية وهم أول من اعتنق الإسلام من منغوليا.

قومية باوآن: يتواجدون أيضاً في مقاطعة قانسو، وهم فرع من المنغول ولغتهم من أصل اللغة المنغولية.

قومية القرغيز: وهم من أصول تركية جاءوا من قرغيزستان، ولهم منطقة ذات حكم ذاتي في إطار مقاطعة شينجيانغ.

وقد تمكن المسلمون من الاندماج في المجتمع الصيني خلال فترة الحكم المغولي في الصين وحتى الآن، وعلى الرغم من اندماج العرب المسلمين في الصين مع كل الفئات والشرائح والديانات المختلفة المنتشرة في المجتمع الصيني إلا أنهم تمكنوا من المحافظة على العادات والتقاليد الإسلاميّة والتمسك بشرائع الدين الإسلامي، الأمر الذي ساعدهم في تولي مناصب عالية ومهمة في عهد الدولة المغوليّة، بالإضافة إلى الظهور والانتشار السريع للفن الإسلاميّ في الصين، وحرص المسلمون على تثبيت أنفسهم في مختلف مناطق الصين من خلال المصاهرة من الأسر المسلمة في الصين من الصينيين والعرب وغيرهم من الأجانب.

مساجد الصين

يوجد في الصين نحو 35 ألف مسجد، منها 24100 مسجد في مقاطعة شينجيانج وحدها. بينما يوجد في العاصمة بكين 70 مسجداً. وقد بنيت المساجد في الصين وفق هندسة معمارية تنقسم إلى نظامين: أحدهما مسجد بهيكل خشبي يعكس الطراز المعماري الصيني التقليدي الذي ينتمي إلى الهندسة الإسلامية مع اللمسة التراثية الصينية، والآخر مبني على الطراز المعماري العربي القائم على المواد المحلية.

وقد تم بناء وإعادة بناء أغلب المساجد الصينية القائمة منذ عهد سلالة تانغ وسونغ ويوان ومينغ وتشينغ.

وتتميز المساجد التي بنيت في عهد سلالة مينغ بخصائص صينية مميزة من حيث التصميم العام والشكل المعماري والزخرفة الإسلامية مع بعض اللمسات التراثية الصينية. وخلال حكم سلالة تشينغ تم الانتهاء من ترميمات المساجد في الصين.

والغالبية العظمى من المساجد الموجودة في الصين حالياً تم إنشاؤها أو إعادة بنائها بعد عهد سلالة يوان، وتتميز مساجد سلالة مينغ بخصائص صينية من حيث التخطيط المعماري العام، والهندسة المعمارية، والزخارف، وتزيين الحدائق.

وتمثل سلالة تشينغ فترة النهضة لتطوير المعمار الإسلامي في الصين؛ إذ تم تشكيل الطراز المعماري الفريد للمساجد الصينية بالكامل في هذه الفترة.

وتتميز هذه المساجد ذات الطراز المعماري الصيني التقليدي بخصائص التصميم المعماري الشامل لأغلبية المساجد الصينية، إذ تستخدم نظام مجمع الوحدات السكنية الصينية التقليدية «سخه يوان»، حيث إن الساحات ترتبط ببعضها، وتشكل مجموعة كاملة، ولكل باحة وظائفها الفريدة وخصائصها الفنية، ومنها مسجد شیآن في شارع خواجيه.

طراز صيني

يتميز النظام الهندسي والأسلوب المعماري للمساجد وفق الطراز الصيني بأن حرم المسجد بشكل عام يتمتع بخصائص صينية تراثية. تتجلى هذه الميزات بشكل بارز في المباني الرئيسية: البوابة والمئذنة وقاعة الصلاة، وكذلك نظام البوابات فمنذ عهد سلالة مينغ، كانت البوابات المقوسة ذات الطراز العربي نادرة في الصين آنذاك، وقد تم استبدالها ببوابات على الطراز الصيني. وتمتاز المساجد بالزخرفة المعمارية الصينية والعربية، وتعتبر الزخارف المعمارية الملونة جزءاً مهماً من الفن المعماري للمساجد الصينية وإحدى السمات المميزة للمساجد الصينية. وتشتهر العديد من المساجد التراثية في الصين بفنونها الرائعة، مثل مسجد خاجيه في شيان.

وأضاف هناك أيضاً العديد من المساجد التي يغلب عليها الطراز العربي. ويتم توزيع هذه المساجد في منطقة شينجيانغ الويغورية؛ أما في المناطق الأخرى، فهي بعض المساجد القديمة في الفترة المبكرة أو المساجد المبنية حديثاً في السنوات الأخيرة، حيث تم بناؤها بصورة عامة في الزاوية اليمنى من المكان.

أهمية تاريخية

أثبتت هذه المساجد أهميتها التاريخية المتمثلة في کنوزها الفنية الثقافية من حيث الهندسة المعمارية الصينية القديمة المتمثلة بهياكل المساجد الفريدة من نوعها والمنحوتات الحجرية الإسلامية الرائعة، وفي الوقت ذاته هي أيضاً شواهد تاريخية على التأثير المتبادل بين الثقافتي الصينية والعربية.

واستطرد علي وانغ: يوجد بعض المساجد الحديثة المعاصرة بنيت وفق الطراز الأوروبي، وقد شيّدت معظم مساجد هذا الشكل في فترة متأخرة نسبياً. مثل مسجد التتار في هاربين، المعروف أيضاً باسم المسجد التركي.. تم بناؤه عام 1901 واكتمل عام 1906.

وقال المحاضر: بعض المساجد مهما كانت كبيرة أو صغيرة، تولي اهتماماً كبيراً بزخرفة أبراج البوابة، حيث تمتلئ البوابات بالكتابات العربية، أو مصنوعة من الطوب على شكل قوس مدبب، وهو أمر فريد ومميز. أما برج البوابة فهو مرتفع، له مئذنة دائرية على كل جانب، وهما متصلان بالبوابة ما يجعله مهيباً.

وأكد أن الفنون الزخرفية الأويغورية التي تتمثل في مساجد منطقة شينجيانغ الويغورية تعد فريدة من نوعها. ويتجلى هذا النوع من الفن في جميع مباني المساجد، تشمل تقنيات أدائها بشكل أساسي نحت الخشب، والطوب، والنقش المجصص والرسم بالألوان.

ونشأ فن الزخرفة في المساجد في منطقة شينجيانغ الويغورية من الممارسات الحياتية للسكان المحليين. لطالما اعتاد الأويغور على زراعة أشجار الفاكهة وزراعة الزهور في الأحواش، ومن الطبيعي أن ينعكس أسلوب الحياة هذا في الزخرفة في المسجد. بالإضافة إلى ذلك، تأثر الأويغور بشكل كبير بالبوذية والنسطورية والشامانية والمانوية عبر التاريخ، كما استخدمت أساليب الزخرفة المعمارية لهذه الديانات واستيعابها من قبل الحرفيين الأويغور الذين اعتنقوا الإسلام.

لذلك فإن الحياة الفنية الزخرفية للمساجد في منطقة شينجيانغ الأويغورية رائعة جداً، ما يجعل الناس يشعرون بقوة بأن شعب الأويغور يحب الحياة ويحب الطبيعة.

وأضاف المحاضر نستطيع القول إن بناء هذا النوع من المساجد هو نتاج التبادل الفكري بين الثقافات الصينية والعربية. وهي تختلف اختلافاً كبيراً عن المعابد البوذية والمعابد الطاوية والمعابد الكونفوشيوسية والكنائس المسيحية والمباني الأخرى؛ كما أنها تختلف عن المباني الإسلامية الأجنبية، حيث تظهر أسلوباً صينياً مميزاً وطرازاً صينياً.

وتثري هذه المساجد في جميع أنحاء الصين سلسلة مزدهرة للثقافة المعمارية الصينية والثقافة المعمارية العالمية. وتعكس حكمة الشعب من جميع القوميات، وتعتبر شهادة على العلاقات الودية بين الشعب الصيني والشعوب العربية.

وتطرق المحاضر إلى أول مسجد بني في الصين، وإلى العرقيات الإسلامية التي ساهمت ببناء المساجد، وإلى أهم 23 مسجداً في الصين وأماكن تواجدها. واختتمت الأمسية بعدد من الأسئلة أجاب عنها المحاضر.

أهم مساجد الصين:

1- مسجد هوايشنغ في قوانغتشو قيل إنه بني في عهد أسرة تانغ (618-907م) وهو يحمل اسم مسجد «المنارة» أيضاً ويعتبر أقدم مسجد في الصين.

2- مسجد تشينغجينغ في تشيوانتشو تم بناؤه بين عامي 1009 و1010م على الأقل.

3- مسجد العنقاء في هانغتشو قيل إنه بني في أسرة تانغ (618-907م) ودمر في عام 1203م وأعيد بناؤه في عام 1281م.

4 - مسجد الكركي في يانغتشو قيل إنه تم بناؤه بين عامي 1265 و1274م.

5 - مسجد نيوجيه ببكين بني في عام 996م حسب ما ورد في «تاريخ قانغشانغ».

6 - مسجد هوايديان في شنتشيو بمقاطعة خنان بني في عام 1273م.

7- مسجد سونغجيانغ بشانغهاي بني عام 1295م.

8- جامع جينان الجنوبي بني في عام 1295م.

9- مسجد دينغتشو بمقاطعة خبي بني في عام 1343م.

10- مسجد دونغسي ببكين بني في عام 1356م.

11- جامع جينينغ الشرقي بمقاطعة شاندونغ بني بين عامي 1368و1398م.

12- جامع بوتشن بمقاطعة خبي بني بين عامي 1368و1398م.

13- مسجد جينغجيوه في نانجينغ بني في عام 1388م.

14- جامع كايفنغ الشرقي بمقاطعة خنان بني في بداية أسرة مينغ 1367-1644م.

15- مسجد زقاق هواجيوه بمدينة شيآن بني في عام 1392م.

16- جامع عيد كاه في شينجيانغ بني في أواسط القرن الخامس عشر.

17- جامع كوتشار في شينجيانغ بني في القرن السادس عشر.

18- مسجد أمين في شينجيانغ بني في عام 1778م.

19- جامع دونغقوان في مدينة شينينغ بني بعد انتصار ثورة 1911م.

20- مسجد شياوتاويوان في شانغهاي بني في عام 1917م.

21- مسجد تايبيه بني في عام 1960م.

22- جامع نانقوان بمدينة ينتشوان بني في عام 1981م.

23- مسجد دونغقوان الشرقي في محافظة تساوشيان بمقاطعة شاندونغ بني في عام 1985م.