هو كتاب أقرب لرحلة تبحر بك في عوالم من الإبداع المليئة بالجنون والعبقرية والشجن، «الدخان واللهب» أحد تجليات الدكتور شاكر عبدالحميد وزير الثقافة المصري الأسبق، والصادر مؤخراً عن دار العين في القاهرة.

ويمكننا أن نقول إن هذا الكتاب ليس ككثير من الكتب التي تسكن أرفف المكتبات ويذهب أثرها مع الزمن، فهو من تلك الكتب التي تُخط لتبقى زاداً ينهل منه كل محب للآداب والفنون؛ حيث يسلط الكتاب الضوء على عدد من أهم مبدعي العالم الذين عانوا أمراضاً نفسية، مثل الاكتئاب والهوس العقلي والخوف من الموت.

مقاربة

كرّس شاكر مقدمة كتابه ليشرح للقارئ معنى الدخان واللهب عبر التاريخ الإنساني، منطلقاً من قصة بروميثيوس سارق النار، وهي إحدى أهم قصص الميثولوجيا الغربية، فيصور الدخان بالاكتئاب واللهب بالهوس، ويقارب هذا التصور بدراسة أعمال أهم أساطين الفن والأدب والفلسفة ومعاناتهم مع الاكتئاب والهوس.

دلل على ذلك بمحاولة انتحار بيتهوفن وإصابة تشايكوفسكي بالهوس، وكذلك معاناة شوبان اكتئاباً لازمه طوال حياته، ويستدعي أسماء أخرى دارساً أعمالها ومعاناتها هي الأخرى مثل: توماس ويليس في القرن السابع عشر، ميشيل فوكو، وبرليوز وبروخن ومالر ورحمانينوف وشومان وهوغو، فيما لم يغفل شاكر عن استدعاء أسماء بعض القامات المصرية، مثل: أحمد عاصي ومنير رمزي وفخري أبو السعود.

في الفصل الأول يتحدث شاكر عن الفلسفة، ويبدأ من أفلاطون حتى فريدريك نيتشه، ويشرح معنى الجنون وارتباطه في الوجدان الشعبي بالإبداع، أمَّا الفصل الثاني فناقش الاكتئاب، واستدعى أشهر الأسماء التي أصابها هذا المرض النفسي، وعلى رأسهم صلاح عبدالصبور وونستون تشرشل، فيما حاول تعريف مصطلح ميلانخوليا أو السوداوية، والفصل بينه وبين مرض الذهان.

قمم وقيم

خصص المؤلف فصلاً للمخدرات والكحوليات والانتحار عنوّنه بـ«مياه ونيران ورماد»؛ مؤكداً فيه نفي ارتباط الإبداع بتعاطي المخدرات، مؤكداً أن الإبداع يحتاج إلى قدر من المرونة العقلية والمثابرة، وبالطبع شخصية غامضة عاشت معاناة طويلة مع المرض النفسي لم تغب عن صفحات الكتاب، فنجد فصلاً كاملاً يتحدث عنه ويقدم دراسة لأهم أعماله الفنية.

اختتم شاكر الكتاب بفصل أسماه «قمم شاهقة وسفوح عميقة»، قدم فيه نماذج ممن انتحروا مرفقة بتفسيرات لإقدامهم على الانتحار، ومنهم الفنان الإنجليزي ريتشارد رَداد، والموسيقار روبرت شومان، ثم فرجينيا وولف، وسيلفيا بلاث الشاعرة، حتى يصل إلى همنغواي، لينتهي عنده كتاب «دخان ولهب».