(مرثية للحاج سعيد أحمد آل لوتاه)

في عينِهِ وطنٌ

جرحٌ بوجهٍ إذن، أم أنَّ ذاك فــَمُ

فَكُلُّ حَرْفِ رِثَا -مِمَّا يَقُولُ- دَمُ

كيْفَ استعرْنَا السَّمَا، والحزْنُ سَيَّلَها

سحابَ دمعٍ بعينٍ، ماؤها الأَلَمُ

واستأذنتْ ألفُ شمسٍ من مجرَّتِها

إلى قلوب بنار الفقد تضطرمُ

نَعَوْهُ، لكنَّ شيئاً ما بداخلهم

يقول: لا، إن هذا كلَّهُ حلُمُ!!

لا شكَّ سوف يعودُ الآن، مبتسماً

كما تعوَّدَ في الماضي، فنبتسمُ

وسوف يرجع للأيتامِ، يمسح -عنْ

عيونِهِمْ- حرّ دمْعٍ حارَ مُذْ حُرِمُوا

(أبو اليتامى) الذي منذ استوى وطنٌ

وكل أفكارِهِ في حبِّهِ خَدَمُ

من صوتِهِ اقتبس التاريخُ أوَّلهُ

ومن هَوَا رئتيهِ رفرف العلَمُ

ومن خطَاهُ وعَتْ أرضٌ بقيمتها

وعادَ بالمجْدِ من جذرٍ -بِهَا- القِدَمُ

فكان ما كان من معنى الحضارةِ في

لفظِ البدايةِ، والأعمالُ منه فَمُ

فَمُ (السعيدِ) الذي أعطى تفاؤلُهُ

لصفرَةِ الصحَرَا لوناً، به اتَّسَمُوا

فما توانى عن الإشراقِ ذات ضحى..

ومثلُ بدرٍ بجهْدِ النور منتظمُ

إن قالَ جسَّدَ في الحرْفِ الرؤى، فبدتْ

للعينِ أعمقَ، أو منْها سرَى نسَمُ

لكل صبحٍ مضيفٌ صبحَ بسمتِهِ

وكلَّ ليلٍ تُرَى مِنْ نُورِهِ نُظُمُ

أحلامُهُ ثورَاتُ الأرضِ، مذْ نجحتْ

والخير في كل شبرٍ صار يعتصمُ

يكاد خطّ اسمه في السطرِ يجعلُ -منْ

سطرٍ- بساتينَ، بستانيُّها القلمُ

لولا الوداعُ الذي في حزنِهِ هرمتْ

كل المعاني، وزلتْ بالرؤى القدَمُ

كأن حزناً عليه لا عليه فقط

وكيف وهْوَ بكل الخلْق مزدحمُ

لو أن حب اليتامى تهمةٌ عظُمَتْ

لقال: إني بحبِّ الكلِّ متَّهَمُ

وظلَّ يبذر من معناه سنبلةً

أخرى، لتنبتَ من أفضالها أممُ

لا فرقَ في حقلِهِ إن كان في عربٍ

أو ذاقَ -من ثمرٍ أشهى به- عجمُ

فلم يزلْ في يديه البحرُ في كرمٍ

للأقربين وللأغرابِ ذا الكرمُ

واليومَ يرحَل، لم يرحَلْ إلى عدَمٍ

بهِ يُعَمَّرُ -طولَ الرحلةِ- العدَمُ

(سعيدُ لوتاه) ميراثٌ محبَّتُهُ

بين القلوب بشرع الله يُقْتَسَمُ

وليس يكفيه في وصفي له كلمٌ

وكيف يكفي -لوصف الجوهرِ- الكلمُ؟!

كيف اختصار بحار الأرضِ في نُقَطٍ

وهل تساوت سفوحُ الأرضِ والقممُ

بَنَى.. بَنَى.. لَمْ يُرِدْ أَجْراً عَلَى حَجَرٍ

مِمَّا بَنَى منْ صِغَارٍ هَدَّهُمْ يَتَمُ

يُعِيدُ سيرةَ خِضْرٍ حينَ مَرَّ عَلَى الْــ

ــجِدَار، شيَّدَ، شِيدَتْ باسْمِهِ الْقِيَمُ

بنى بيوتاً، بنوكاً، ملجأً، مُدُناً..

وكلَّ مدْرَسَةٍ تبني إذا هَدَمُوا

رأى الصِّغَارَ بِهَا مستقبلاً، رسَمُوا

على دفاتِرِهِمْ منْهُ الذِي رَسَمُوا

رأوا ملامحهم في عينه وطَناً

من الجمال، انْتَموا... لما انتَمَوْا فَهِمُوا

رأوْهُ فيهمْ، بما بين ابتسامتِهِ الْــ

ــخضراءِ مِنْ قَرْيَةِ الْمَعْنَى، وَبَيْنَهُمُو

فصار بينهمُ الْحُبُّ -الحجا- رَحِماً

أُخْرَى، وَأَنْعِمْ بِهَا لَوْ تُوصَلُ الرَّحِمُ

فظلَّ -ما ظلَّ فيهمْ- وَالِداً، وَهُمُو

أَطْفُالُهُ، وَلَهُمْ في القرب مَا لَهُمُو

شهْم، حَيِيٌّ، سَخِيٌّ، قلبُهُ نَهَرٌ

في سَقْيِ كُلِّ الْوَرَى بِالعَطْفِ مُلْتَزِمُ

فظَلَّ يُشْبِهُ نخلاً كُلَّمَا قَطَعُوا

جُزْءاً، يَطُولُ، وما بالسِّنِّ يَنْهَزِمُ

جرُوحُهُ أَنْ يرى طفلاً بلا سَكَنٍ

فكانَ يُسْكِنُهُ والجرْحُ يَلْتَئِمُ

إذا العِدَا انْتَقَمُوا بالسَّيْفِ، سَلَّ لَهُمْ

أعوَادَ وَرْدٍ، مِن الأَحْقَادِ يَنْتَقِمُ

فَكُلَّما ابتدأوا فَوْضَى معارِكِهِمْ..

مَضَى بِعَقْلِ السَّلامِ الْخصبِ يَخْتَتِمُ

فَلَمْ يُخَاصِمْهُ مِمَّنْ حَوْلَهُ، وَلَهُ

فِي كُلِّ مشْكِلةٍ جَاؤُوا لِيَخْتَصِمُوا

كأنَّ نظرتَهُ خيطٌ لمسبحةٍ

وكلُّ قلبٍ بهذا الخيط ينتظمُ

حتى إذا سبَّحَتْ عينَاهُ أثَّرَ فِي

صدور أَهْلٍ، سَيَبْنِيهِمْ إذا انهدموا

فَكَانَ فِي كَفِّهِ -مِنْ خَوْفِهِمْ- سَكَنٌ

وكان في صدْرِهِ -كي يهتَدُوا- حَرَمُ

وكان ما كان حتى لم تكن نِعَمٌ

في النَّفْسِ تُذْكَرُ إلا كان ضِمْنَهُمُ

ولم تكن في طريق الصبْرِ مِنْ هِمَمٍ

إلا وأغنى اسمُهُ عَنْ أَنْ يُقَالَ: هُمُ

إلى اللقاء إذن يا راحلاً، رحَلَتْ

-مع اسمهِ، من سعاداتٍ هنا- قِسَمُ

 


شاعر مصري

طباعة Email
تعليقات

تعليقات