رواية «الجائحة» – الحلقة السابعة «فيروس هاكفيت.. وهوس التقارب القاتل» الجمعة 14 يناير 2050

خلال 24 ساعة، وحتى صباح يوم الجمعة 14 يناير 2050، وصل عدد فيروسات «هاكفيت»، كما أطلقت عليها سارة، واعتُمدت لاحقاً في أنحاء العالم، إلى أكثر من 7 الآف فيروس، دون إصابة بشرية واحدة، فالتحذير الذي أطلقته سارة، أمس، عبر موقعها، وبموافقة منظمة الصحة العالمية والأمم المتحدة وهيئة العزل الدولية، شمل على طلب بالعزل الكامل والفوري، لكل سكان الكرة الأرضية، ما حال دون دخول الفيروس لجسم أي إنسان واحد، فقد تلقت البشرية سابقاً، دروساً كثيرة قاسية، بسبب الفيروسات، فقدوا خلالها أغلى من يملكون من أحبائهم.

وتدربوا على الاستجابة الفورية العاجلة لأي طلب عزل، مهما كان بسيطاً، وفي ظل التقدم التكنولوجي الهائل، أصبح نظام العزل لا يأخذ أكثر من دقيقة، لمنع دخول أي فيروسات، بإغلاق محكم في البيوت، وتشغيل أنظمة ضخ الأكسجين النقي، التي أصبحت متوفرة في كل منزل تقريباً، وكذلك بجهاز صغير يوضع في الجيب، يمكن فتحه وارتداؤه خلال ثانية واحدة، لأي شخص لم يتمكن من الوصول إلى منزله، أو كان عمله يقتضي البقاء خارجاً.

بناء على التقرير والتحذير، تم تدمير كل منصات مجموعات الهاكرز في الدول الأربع المشاركة، إضافة إلى منصة الصين، التي لم تشارك، ولكن بقيت المشكلة الكبرى.

في وجود الفيروس يتكاثر في الهواء، لكنه يهيم شرقاً وغرباً، دون تمكنه من إصابة أحد، وأوضحت التقارير العلمية الفورية، التي كشفت عن هذا الفيروس، أنه يختبئ داخل جزيئات ثناني أوكسيد الكربون، ويقوم بمضاعفتها، لذلك، فهو يكره النبات الذي يُطلق الأكسجين، وكذلك يتجنب الحيوان الذي تطوّرت فيه فطرياً مناعة عالية مضادة فورية لأي فيروسات، فيلتهم جهاز المناعة أي فيروس، ويتناوله كما نتناول الشوكولا الساخنة.

بين الحلم واليقظة، شعرت سارة، أن عمر يضع يده على جبينها، ويتأكد من حرارتها، وأنها وضعت يدها على يده الرقيقة، وفتحت عينيها وهي تبتسم، لكنها رأت إيفا، وسمعت عمر يقول: «صباح الخير لأشهر شخص في العالم، تصوري، الرئيسة الأمريكية، سارة بلير، تنتظر استيقاظك لتشكرك على إنقاذ العالم..».

هامت سارة بين الخيال والواقع، أحسّت أنها تقبل يديه، وهي تقول: «لم أفعل شيئاً، لا تقلق على حراراتي، ستنخفض بعد قليل»، فأسندت ظهرها وارتكزت على حافة السرير، ووضعت وسادتها في حضنها، وأغمضت عينيها، مرة أخرى، وتنهدت، نزلت من عيونها دمعة حارقة، وهي تقول:

«اجلس، اشتقت لك كثيراً»، فقال: «اشتقت لك أكثر، وأخشى عليك من الإنهاك العقلي والجسدي، التقدم العلمي الذي تعيشونه الآن، يستنزف الروح البشرية، دائماً أحذرك، ولا تستمعين، إذا لم تستمعي لنصائحي، فلن أبقى هنا، ما أحتاجه هو رؤيتك تُطالعين كتاباً ورقياً، تمسكين قلم رصاص، وتكتبين الكلمات على ورق له رائحة منعشة، تجلسين مع أصدقائك جلسة حقيقية، تفيض منها المشاعر الصادقة..!»، هزّت رأسها موافقة، كما تفعل دائماً، لكن صوته اختفى، ففتحت عينيها ونظرت في عينيّ إيفا، وهي تقول: «معك حق».

قفزت لوسي إلى حضن سارة، فعادت إلى الوعي الكامل، راحت تلاعبها وهي تُلقي نظرة على المئات من طلبات الاتصال التخاطرية، منسقة حسب الأهمية، فعلاً، كانت الرئيسة الأمريكية سارة تنتظر الموافقة، مع اتصال فيديو حي، ليتم نشره في تقرير البيت الأبيض، كانت الساعة في دبي الثامنة صباحاً، وفي أمريكا العاشرة مساء، أعطت الإذن، ولحين إبلاغ الرئيسة، قامت تغسل وجهها وترتدي ملابسها، وهي تطالع المئات من رسائل الشكر من رؤساء الدول والمنظمات العالمية والإعلامية، وكبار الفنانين والمشاهير، شعرت بالفخر، من يصدق هذه المعجزة، أن تكون نباتاتها وتقنياتها أول من يكتشف الـ «هاكفيت»، شكرت إيفا، فاحمرّت وجنتاها، وجلست تتهيأ للاتصال التخاطري والرقمي الحي مع الرئيسة الأمريكية:

بلير: مساء الخير، عندكم صباح الخير، اسمك مثل اسمي، ولكنك مبدعة أكثر مني.

سارة: مساء النور، أنت القدوة في الإبداع، بفضلك أصبح العالم أكثر جمالاً ونقاء، لن ينسى العالم أبداً جهودك الكبرى بالتعاون مع فرنسا والإمارات وبعض الدول، للحد من الاحتباس الحراري، وتحويل العالم إلى جنة خضراء.

بلير: شكراً لك سارة، العالم كله يقف ليشكرك، ويشكر حكومة دبي على الإنجازات العلمية الهائلة في مدينة «دبي تك»، لقد أنقذتم العالم في دقيقتين، هل تذكرين فيروس «كورونا» كوفيد 19، في عام 2020؟.

لم تكن سارة بحاجة لمن يذكرها بعام 2020! ومع أن كلمات الرئيسة الأمريكية بلير عن فيروس «كورونا»، جعل الملايين من الأجيال التي ولدت بعد عام 2030، تقفز لتبحث عن الشيء الذي يُدعى فيروس «كورونا»، ويبدؤون بإرسال النكات عن تخلّف البشرية قبل 30 عاماً، ويتندرون أن العالم آنذاك، بدا وكأنه ما زال يعيش في العصور البدائية.

حيث إن التحذيرات الكثيرة التي أطلقتها منظمة الصحة العالمية، ودول كثيرة، منذ يناير 2020، ومع التطور المزعوم لوسائل الاتصال، ومع ذلك انتشر ذلك الفيروس بصورة رهيبة، بسبب الاختلاط غير المفهوم، والتجمعات التي كانت تتبادل الفيروسات، وكأنهم في حفل مخصص لتبادل الفيروسات المميتة القاتلة فقط، فقال بعضهم: «لا أفهم أبداً، لماذا لم يستجب جيل العشرينيات لنداء واحد فقط، وهو ارتداء هذه الكمامات المضحكة». ووضعوا صورة للكمامة البيضاء والزرقاء، مع خبر قديم منشور على موقع منظمة الصحة العالمية، بتاريخ 10 فبراير 2020، يقول:

«في الوقت الذي تشهد الصين انتشار فيروس «كورونا» المستجدّ، يتداول مستخدمون لوسائل التواصل الاجتماعي، منشوراً يتضمّن معلومات مضلّلة عن كيفيّة وضع الكمامات ذات اللونين الأزرق والأبيض بالطريقة الصحيحة. لكن لارتداء الكمامة طريقة واحدة، فالجهة البيضاء تغطي الأنف والفم.

وتبقى الجهة الزرقاء إلى الخارج»، وراحت التعليقات الكثيرة، تسخر وتضحك بشدة، على التخلف البشري، الذي سمح لفيروس «كورونا» أن يصيب الملايين، ويحصد في أقل من ثلاثة شهور، ما يزيد على 300 ألف إنسان، وسط ما كانوا يدّعونه من تقدم علمي وثورة صناعية رابعة، وما قالوا عنه بأنه أخطر ما بلغه العالم من تقدم في الإعلام الجديد، ووسائل الاتصال التي أطلقوا عليها اسم «الذكية..!».

علّقت سارة، بعد انتهاء المكالمة، على تلك السخرية الجارحة التي انتشرت في الأرض، بعد التفتيش عن ماضي فيروس «كورونا»، بأن هزّت رأسها موافقة، وقالت لإيفا: «معهم حق»، وبدت متألمة وهي تقول: «حتى أنا شخصياً، لم أكن أفهم ذلك الجهل وتلك اللا مبالاة»، وبكت وهي تشهق، ثم تتنفس بسرعة، وتنهمر دموعها، وتضع يدها على وجهها وصدرها، وهي تقول:

«لماذا؟.. لماذا كانوا يفعلون ذلك؟ لماذا هذا الهوس على التقارب القاتل؟ لماذا؟ كنت أكتب لهم كل يوم (لنتباعد رجاء، لنتقارب لاحقاً أكثر)، وفُرض عليهم جميعاً الحظر، ومنع التجول والمراقبة والغرامات والعقوبات، ومع ذلك ظلوا مُصرّين على التقارب، بل التلاصق، لماذا؟!!»، فرفعت إيفا كتفيها ثم يديها متسائلة أيضاً، حيث لم تجد في برمجتها الشاملة، ولا عقلها المذهل، ولا في سجل تاريخ البشرية المؤرشف لديها، إجابة عن سؤال سارة: «لماذا هوس التقارب القاتل؟».

 

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات