حمدان بن محمد في رائعته «خمسين عام قبل وبعد»

قصيدة السهل الممتنع تستلهم مآثر رموز الوطن

من يتمعن في قصيدة سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم، ولي عهد دبي، يعجب بالمستوى الأدبي الذي تتمتع هذه القصيدة وتتميز به بحيث يمكنك من خلال هذه المميزات التي تحتويها أن تعرف ناظمها لأنها تشترك مع جملة من قصائده في قواسم مشتركة، بحيث تتشابه في كثير من هذه الميزات من ناحية السبك والصياغة وقوة وعمق المعنى وجمال الصور البلاغية التي عادة ما يوشي الشاعر شعره بها.

وإن كان المتتبع يرى أن منحى المعنى والمضمون فيها أبرز وأدل على مستوى الشاعر وتلك عندي ميزة قوة ومتانة للنص الشعري الذي يميل بصاحبه على التركيز فيه على المعاني والمضامين وما تحتويه النصوص من فكر وصور.

كما أن الواضح للمتمعن أن الشاعر لا يميل في صياغته إلى الأسلوب السهل والعادي، وإنما يختار مفرداته من وحي المعاجم والقواميس اللغوية، وذلك لتتناسب وتتناغم المفردات مع قوة المعنى وعمق المضامين، ليتماشى الجانبان مع بعضهما وإن كان كما قلت بروز المعنى والمضمون بشكل أوضح من الصياغة من وجهة نظري.

قراءة: إبراهيم محمد بوملحه

 

 

الشاعر، وكما ذكرت، لا يميل إلى سهولة اللفظ وبساطته بقدر ما ينظر إليه من خلال قوته وعمقه لأن النص الشعري لدى الشاعر يحمل في طياته فكراً ومعنى عميقاً فلا بد أن يناسبه لفظه الذي يتماشى معه من المتانة.

والأمر الثاني في شعر سمو الشيخ حمدان بن محمد هو قربه من اللغة العربية الفصيحة، بحيث تلمس في صياغته قرباً كبيراً من مفردات اللغة العربية التي تتطابق معها مفرداته الشعرية في بعض الأحيان تطابقاً تاماً. ويدل هذا بشكل واضح على ثقافة سمو الشيخ حمدان بن محمد وتأثره بالنص الشعري الفصيح بحيث جاءت بعض أشعاره على لغة الشعر الفصيح، بحيث إذا قرأتها من الناحية النبطية أو من الناحية الفصيحة فبذات القدر دون أن تجد فيهما اختلافاً، سواء من حيث اللغة أو الوزن، وهذه ميزة تضاف إلى شعر الشاعر بحيث يقر به ذلك من ذهن القارئ للشعر الفصيح، إذ لا يجد صعوبة في قراءته وفهمه والتفاعل معه، بعكس الشعر النبطي الذي لا تتوافر له هذه الخاصية فيقتصر الاطلاع عليه على القارئ النبطي وحده.

الأمر الثالث أن مفرداته ذات جرس عالٍ وطرق قوي وموسيقى عالية في إذن سامعها تلفت الذهن والأذن معاً.

الأمر الرابع.. مما يحسب لسمو الشيخ حمدان بن محمد في ذلك حداثة سنّه بحيث استطاع أن يكون بمثل هذا المستوى الشعري المتميّز في هذه السن التي عادة ما تكون رفيقة البدايات، لكن من يقرأ شعر سموه دون أن يعرفه يتصور أن هذا الشعر لشاعر أكبر من تلك السن بكثير، وهذا ما يعطي انطباعاً بأن في مقتبل الأيام لا بد أن تنعكس الخبرة وطول التمرس على طابع شعره، حيث لا شك سيتطور إلى مستوى أفضل لكون أن للزمن دوراً في صقل قريحة الشاعر وإجلاء موهبته وتميزها بمعنى أنه ينتظر سموه مستقبل شعري أبعد وأهم وأكثر اتساعاً من حاضره؛ لأن الخبرة ومرور الوقت يصقلان الموهبة في ذلك.

الأمر الخامس.. أن طريقة إلقاء سمو الشيخ حمدان بن محمد لشعره ذات صفة مميزة بحيث يمتاز الصوت بمقومات القوة والفصاحة وإعطاء الكلمات حقها من مساحة النطق بما يكاد يجسد للمستمع دلالات المعاني والمفردات بشكل واضح وجلي بحيث يضفي حسن الإلقاء وطريقته على القصيدة ميزة أكبر من مجرد قراءتها.

الأمر السادس.. أنه تبرز في شعر سمو الشيخ حمدان الموهبة القوية لأنه لا يمكن للمطلع أن يفسّر هذا التمكّن السريع والعمق الشعري المتاح بهذه الصورة المشاهدة، إلا أن تكون الموهبة قد لعبت دورها فيه بشكل فاعل لأنني أعتبر أن شعر سموه له مستوى متميّز، وهذا لا شك راجع إلى فعل الموهبة وتأثيرها فيه ومن ثم تأثير ما اكتسبه من خلال اطلاعه وقراءاته، وإن كان باب المستقبل مفتوحاً كما قلت لمزيد من التطور والتمكن والإجادة والتميز الشعري.

وسمو الشيخ حمدان بن محمد على حداثة سنّه قد اكتسب مهارته الشعرية وطبع بصمة موهبته واطلاعه على جبين شعره، بحيث إنك حين تقرأ له تشعر بأنك تقرأ لشاعر متمكّن في حاضره وينبئ مستقبله بمستوى أفضل من الإجادة والتطور.

وأمامنا اليوم من شعر سموه قصيدة جديدة تعبر عن ذات الميزات التي ذكرناها في مقدمة هذه القراءة وتحتوي على ذات الخصائص التي أشرنا إليها بحيث جاءت القصيدة على أكمل وجه شعري وأحسنه، تفوح بوطنيتها وحب قيادتها، متمثلة في الحديث عن المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، وصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي «رعاه الله»، وصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، وما لهم من دور كبير في صياغة شخصية الشاعر وتتلمذه على نهجهم ومبادئهم، وما كان بينهم من اكتمال الصفات والخصائص التي يعجب بها الشاعر سمو الشيخ حمدان ويسجلها عنهم في هذه القصيدة التي يشكلون محور مناسبتها وموضوعها..

وتلفت القصيدة نظر المطلع من بداية عنوانها، حيث يعطي العنوان نظرة تأملية أراد الشاعر إيصالها إلى القارئ بداية (خمسين عاماً قبل وبعد) أي كيف كنا قبل خمسين عاماً وإلى ما وصلنا إليه بعد خمسين عاماً.. أي أن للشاعر الصادق الأحاسيس والمشاعر في مدح وطنه رغبةً جامحة تدعوه وتستفزه لهذا الأمر والغاية، كما يتضح من البيت الأول والرغبة هي المشاعر الفياضة التي تدفعه بقوة لمدح وطنه الذي ذكره بهذه الصيغة العامة في مدح الوطن عموماً دون أن يخصصه بشعب معين حتى يعم علاقة كل شاعر بوطنه.. والرغبة عادة ما تكون مرتبطة بالعاطفة والوجدان دون العقل، وجاء في الشطر الثاني بما يكمل العاطفة من إعمال العقل والفكر فقال (فالتنتخي فكره وتلقى من هجوسي معتصم) فالقلب يناسبه الرغبة والعقل يناسبه الفكر والهاجس، ولكن الشاعر لم يشأ أن يفصل العقل عن محيط عاطفته فربطه بها بقوله (وللهاجس هيام) لأن الشعر وليد العاطفة والمشاعر وإذا خلا منهما ضعفت ذائقة الجمال والرقة فيه:

للشاعر فْـ مدح الوطن رغبه وللهاجس هيام

          فالتنتخي فكره وتلقى من هجوسي معتصم

يغني الشاعر للوطن منذ بداية قصيدته من خلال مدحه الذي يكون وليد رغبة عارمة وفكر بلغ حد الهيام (أي شدة الغرام) أي أن المشاعر والفكر اتحدا لدى الشاعر مع بعضهما ليكونا دافعاً للشاعر للتغني بالوطن ومدحه:

البحر لامواجه إلى ثارت الاعاصير احتدام

         وانا كذلك هاجسي في ذكر داري يحتدم

ويصور الشاعر نفسه عندما يأتي أمامه ذكر الوطن وانفعاله وتفاعله بسبب ذلك.

(احتدام) أي تلاطم وهو تصوير بليغ إذ شبه انفعالاته وتحرك أحاسيسه عند ذكر بلاده بأمواج البحر المتلاطم أثناء الأعاصير .. أي أنه يحدث له شعورياً مثل ما يحدث للبحر حين تهب عليه العاصفة ولم يجعلها إعصاراً واحداً وإنما جعلها أعاصير ليبين عن مدى قوة تأثيرها:

يا دارنا دار الكريم اللي حكم شعبٍ كرام

          تسـتاهلين نقـدّرك يا دارنـا دار الكــرم

ثلاثة أوصاف ذكرها الشاعر في هذا البيت: وصف الدار بالكرم، ووصف المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، بالكريم، وصف شعب الإمارات بالكرام، وجميعها من مادة واحدة، وفي نظر الشاعر أن الدار التي تحتوي على هذه الأوصاف أهل لأن تكون محل تقدير ليس من الشاعر وحده وإنما كما قال (تستاهلين نقدرك) بصيغة الجمع أي من جميع الناس، وهذا أبلغ وأقوى:

وقد ذكر الشاعر في بيت واحد مفردة داره أربع مرات: (يا دارنا.. دار الكريم.. يا دارنا.. دار الكرم) وذلك لمدى محبته لداره وطيب ذكرها في لسانه.

على جماجم من نوى حدّك من عيال الحرام

         تأسّـست دوله ورفّت رايه و ثبّـت حكُـم

ويشير الشاعر إلى واقعة تأسيس الدولة، حيث رفت رايتها منذ ذلك التاريخ وتثبت الحكم فيها ويبين من ذلك ما تخطته الدولة في ذلك الوقت من مكائد المغرضين للنيل منها، ولكنها انتصرت وصمدت وثبت حكمها ورفت رايتها عالياً.

ويتضح من ذلك تبرم الشاعر من محاولة الأعداء الإضرار بقيام الدولة الوليدة وردة فعله تجاههم في قوله (على جماجم من نوى حدّك من عيال الحرام)، حتى أنه أطلق عليهم لذلك مسمى عيال الحرام من شدة ضيقه وتبرمه منهم، حيث يصور أنه من رحم هذه المحاولات لإجهاض الحلم ولدت دولة الاتحاد وثبت حكمها.

وقوله (ورفت رايه) فإن في ذلك كناية عن قوة الدولة وصلابتها ووأد محاولاتهم حتى أحالت رؤوسهم إلى جماجم مفصولة عن أجسادهم.

وينظر الشاعر إلى أن هذه الدولة ولدت قوية مُحطِمةً كيد الأعداء منذ بدايتها رفت رايتها عالياً في سماء العزة والكرامة وتوطدت دعائم الحكم فيها:

حام الفلاحي زايد وزايد تعرفينه لا حام

        حر ٍ مخاليبه تطش الدم وتقص العظم

وعبر الشاعر عن حماية المغفور له الشيخ زايد بن سلطان لهذه الدولة منذ نشأتها بقوله (حام الفلاحي زايد). أي حرسها ودافع عنها وحام في سمائها.. ولا شك أن الدار كما يشير الشاعر تعرف زايد حق المعرفة إذا حام أي قام بحمايتها واتخذ أسبابه في ذلك.

(حام الفلاحي) نسبة إلى الجد الأعلى لآل نهيان وهو بو فلاح مؤسس القبيلة.

(وزايد تعرفينه لا حام) بمعنى أنه ليس بمجهول الحال وإنما هو مشهور بتلك القوة والنخوة، وأنه على ذلك منذ أسلافه الأوائل ولذلك نسبه إلى جده الأبعد بو فلاح.

وصوّره في ذلك المشهد بأنه كالصقر حيث وصفه بالحر، وهو أشد الصقور فراسة بالصيد وأقواهم مخالباً. إذا نشبت في جسد الفريسة فغر الدم منها (طش) أي تدفق بقوة. ولم يكتفِ بإهراق الدم وحده وإنما أضاف إليه تكسير العظام أي حطم العدو وأفقده قدرته وحياته.. واستعمل في ذلك صيغة المضارع (تطش وتقص) للدلالة على أنها كانت ولا تزال في الحاضر والمستقبل كما كانت سواء بسواء، وهذا كله وصف لقوة المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، ومكانته وعزيمته، وهو بالتالي وصف لقوة دولته بين الأمم.

(حرٍ مخاليبه) تعبير عن صفة القوة والبأس والشجاعة فيه.. وهذا يمكن أن يتحقق فيما لو ذكر الشاعر الأسد مثلاً، فلماذا يا ترى ذكر الشاعر الحر هنا، وذلك لأن الحر في نظري يجمع بين صفتي العلو والقوة في آن واحد، وهاتان الصفتان متحققتان في الحر الذي وصف المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، به، بينما تتحقق في الأسد صفة القوة فيه دون العلو.

تواضعه بين البشر وهو من اعلاهم مقام

           خلاّه يكبر في عيون ملوك عصره والخدم

ورغم هذه الشجاعة والقوة إلا أنه يصفه بجانبها بشدة التواضع الجم بين الناس وعلو مقامه بينهم، ولم يقتصر تواضعه على مواطنيه فقط وإنما عم الناس جميعاً لذا عبر عن ذلك بقوله (تواضعه بين البشر) ذلك التواضع الذي بسببه ارتفع قدره في عيون ملوك عصره حتى غدا كبيراً لديهم.. وهذا أبلغ وأدل على المقصود من لو ذكر الناس بدل الملوك.

ولا شك أن التواضع في قادة الإمارات ونسلهم سجية معروفة فيهم منذ أسلافهم، ويكفي أن نستدل من هذه القصيدة على تواضع قائلها سمو الشيخ حمدان بن محمد الذي كتب القصيدة باسمه المجرد (حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم) بعيداً عن أي لقب، وذلك ما ينبئ عن شيء كبير من التواضع الذي تربى عليه في بيت والديه ومجلس والده العامر .

هذا هو الماضي وحاضرنا ومستقبل مدام

       هذا حكيم أمّة محمد من عرب والاّ عجم

بمعنى أن هذا التواضع الذي اتسم به المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، ليس بجديد وإنما هو إرث من أسلافه لذلك قال (هذا هو الماضي)، وما عليه حاضرنا فقال (وحاضرنا) وللأجيال القادمة فقال (ومستقبل مستدام) فانظر إلى ما يعطيه الشاعر للتواضع من ميزة عالية بحيث جعل مبدأ السمو والرفعة انطلاقاً منه، ويصف المغفور له الشيخ زايد بن سلطان بأنه حكيم أمة الإسلام جميعاً من عرب ومن عجم.. وفي عشرة أبيات متتالية كرر الشاعر مفردتي (خمسين عام) اثني عشر مرة جمع فيها المكارم والمناقب التي تحققت خلال هذه المسيرة الطيبة ورصدها في هذه الأبيات ليبين للقارئ حجم الإنجازات والمفاخر والمكارم التي حرصت الدولة على احتضانها وتحقيقها لتبرز بين الدول دولة متميزة رفيعة المستوى من كل جانب فيما يبهر الناظر لها.

خمسين عـامٍ لا نهـون وْلا نـذل وْلا نضـام

           الخيل تسرج والسلاح يثور رفرف يا علم

يقول الشاعر خمسون عاماً ونحن نعيش في عزة وكرامة لا ذل ولا هوان ولا ضيم لدينا من أسباب القوة من الخيل المسرجة والسلاح المعد ما ندافع به الشر عن أنفسنا والذي كان من نتيجته أن رفرف علمنا بحرية في سمائنا.

وخمسين عام وْكل عام نقول هذا خير عام

             فالحمد لله والشكر على ما فاض مْن النعم

ويذكر الشاعر بأنه كل عام يمر علينا يكون أفضل وأخير من سابقه، وهذا إشارة من الشاعر إلى التطور الذي تشهده الدولة في حاضرها من تطور وازدهار، ولا يكاد الشاعر يقف بالفخر عند هذا الحد حتى لا يعد ذلك غروراً منه، لذلك أردف في الشطر الثاني يحمد الله على نعمه الكثيرة علينا وعلى ما أفاض به منها.

وخمسين عام الشايب يسولف بها على الغلام

             قبل التطوّر كيف كانت دارنا ذيب وْحـزم

يرى الشاعر أمام عينيه أو أنه يطلب من كبار السن ممن لحقوا على شيء من الماضي الصعب أن يحكوه لأبناء الجيل الحاضر ليعرفوا ما كان عليه أسلافهم من صعوبة وشظف في الحياة، وكيف أنهم رغم الشدائد كانوا مثالاً للدفاع عن أرضهم فكانوا كالذئب والحزام لها ضد المعتدين، وأنه بفضل الله وتوفيقه تطورت الحياة إلى ما نشاهده اليوم فيها من نعم وإنجازات.

وخمسين عامٍ للتسامح والأمل لا للخصام

             وخمسين عامٍ نبني أمّـه تفتخر بين الأمـم

يذكر الشاعر بأن خمسين عاماً مرة من التسامح ونبذ الخصام نبني فيها أمة نفتخر بها بين أمم الأرض.

وخمسين عام وْنورنا يرهب خفافيش الظلام

            وخمسين عام وحن لنا في عالي القمّه قـدم

ويصف نورنا خلال هذه الأعوام الطويلة بأنه لا يزال يعم الفضاء ويهزم الخفافيش التي تتستر في الظلام، وأن موقعنا ما زال في عالي القمم.

وخمسين عام الصف الاوّل صفّنا خلف الإمام

            اللي بعـدله ينصـف المظـلوم لا منه ظُـلم

خمسون عاماً مرت كما يشير الشاعر وموقعنا في الصف الأول خلف الإمام، أي خلف القائد العادل الذي ينصف المظلوم من ظالمه دون خوف ولا مداراة، ويقصد بذلك المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، ومن بعده صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة «حفظه الله».

وخمسين عام وزايد مشيّد لنا فوق الغمام

             أمجـاد تحكي عن تـراث آبائنـا منذ القـدم

ويرجع الشاعر الفضل في ذلك إلى أهل الفضل أنفسهم دون نقصان إذ يقول إنه من خلال هذه الأعوام من عمر الدولة والشيخ زايد يبذل جهده في تشييد معالم المجد، لنا فوق هام السحاب هذه الأمجاد التي ورثها من أسلافه حيث تستحق أن تروى عن الآباء للأحفاد.

خمسون عاماً كما يشير الشاعر وركب نهضتنا يحدو مسيره نحو العلياء التي هي مقصده وهدفه في تحقيق مزيد من الأمجاد التي لا تقف عند حد.. وعبر الشاعر عن ذلك بتعبير جميل كما ورد في هذا البيت.

وخمسين عامٍ ركب نهضتـنا له العليا مرام

             قد تنفطم الأمجـاد لكن مجـدنا ما ينـفطم

ويفتخر الشاعر بما تحقق في دولته من إنجازات وتطور وإبداع، فإن ذلك كله يؤدي إلى أن يفتخر به أيما فخر، ولا شك أنه يحق له ذلك، حيث إننا لسنا بجديدين عليه فنحن أصحابه وأهله من أب وأم.

وخمسين عام وروسنا تفخر على روس الأنام

             كن الفخر أبٍ لنا عن جد والطولات أُم

هنا الفخر هنا الطموحات الكبيرات العظام

             هنا الفكر هنا العمل هنا الوفـا هنا الحزم

هنا تعلّم كيف تحقيق الطموحات الجسام

             هنا يحقّـق حلمه المبدع الى منّه حلم

وبعد أن انتهى الشاعر من تعداد مظاهر تطور الدولة وخدماتها وبناء الإنسان وفكره فيها وما تحقق على أرضها من إنجازات كبيرة مبهرة انتقل بعد ذلك إلى رسم لوحة جميلة محفوفة بنشوة عارمة من الفخر وتصوير ما حدث في دولة الإمارات في غضون خمسين عاماً ماضية بأنه يفوق الخيال ويتعداه بمراحل ولا يكاد العقل يصدقه لولا أنه واقع معاش، فيقول الشاعر هنا الفخر أي حقيقة الفخر الصحيح وهنا الطموحات الكبيرة وهنا الفكر والعمل والوفاء والحزم وهنا المجال الواسع والتشجيع الدائم للمبدع على أن يحول حلمه إلى حقيقة.

هنا بدايات الولا والتوعـيه والالتحام

         هنا نهايات التشرذم والطريق المنقسم

ويشير الشاعر بشيءٍ من المعنى الذي يقف عليه المتمعن من أن ما تحقق من الولاء ولمّ الشمل واجتماع الصف كان بفضل تأسيس دولة الإمارات التي ضرب شعبها مثالاً حياً بولائه لقيادته.. وهنا ولدت التوعية بأهمية هذا الولاء لتحقيق البناء والازدهار حتى الالتحام ورد العدوان كانت بداياته من هذه الأرض.

هنا توحّـد مجـتمع كان يعاني الانقـسام

        وبفضل زايد أصبحوا ما بين خال وْبين عم

والشاعر مفعم بحب المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، لأنه يراه صاحب الفضل فيما تحقق لهذه الدولة من نجاح وسؤدد حتى أنه يرجع له الفضل في توحد شعب الإمارات بعد ما كان يعاني من الانقسام وأصبحوا اليوم شعباً واحداً ما بين عمٍّ وخال.

هنا يكون النصر من حظ الفعل ليس الكلام

        هنا يكون الوعـي فـارس والتـخاذل منهزم

وفي هذا شيء من الحكمة التي تجعل النصر يعود في أساسه إلى الفعل وليس مجرد الكلام.

هنا المواطن والوطن حب وتفاني وانسجام

        هنا المواطن والقـياده والتـكاتـف والهمم

والشاعر يرسم هنا بكلماته عقداً من المكارم التي يراها أمام عينيه يتزين صدر الدولة بها من درر الحب والتفاني والانسجام وتلاحم الشعب والقيادة والتكاتف وتوحد الهمم.

هنا هنا هنا هنا هنا هنا إلى الامـــام

        هنا هنا هنا هنا هنا هنا إلى القمــم

هنا هنا هنا هنا هنا هنا كف السـلام

         هنا هنا هنا هنا هنا هنا دق الخشـم

وأرى أن الشاعر قصد أنه لو أراد ذكر جميع هذه المحامد والإنجازات لطال به المقام دون قدرة على حصرها، فاستعاض عن ذلك برسم مفردة هنا وتكرارها 24 مرة في بيتين فقط ليتيح لذهن القارئ مجالاً لاستجلاء كثير من تلك المنجزات التي زخر بها تاريخ الدولة وتميز بها بين الدول.

وينتقل الشاعر بعد ذلك إلى الحديث عن مشهد آخر في هذه القصيدة وهو أنه من خلال معايشته القريبة لأبيه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، وصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ووقوفه على كثير من مميزات الاحترام والتقدير بينهما بشكل بات معروفاً لدى جميع الناس، من خلال مواقف مشاهدة بينهما تسجلها لهما القلوب والمشاعر في شكل رضا عام عن جمال هذا السلوك والعلاقة المتينة والمعاني الطيبة بينهما التي استطاع الشاعر أن ينقلها من واقعهما، ويوظفها هنا بشكل أدبي راقٍ وجميل وشفاف بقدرة وإمكانية شعرية فائقة ونجتزئ من تلك المواقف التي سجلها الشاعر عنهما في البيتين التاليين:

يقول أبو خالد لأبو راشد عسى عمره دوام

        خمسين عامٍ يعزف الابداع وبأحلى نـغم

ويقول ابو راشد لأبو خالد هذا اللي يوم قام

        قامت معاه الأرض والتاريخ ردّد والنِّعِم

يدعو صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد لأخيه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد بطول العمر، ويبهره فيه أنه طوال الخمسين عاماً وهو يعزف في دولته ألحان الإبداع والجمال في كل إنجازاته، ويرد عليه سمو الشيخ محمد بن راشد بقوله هذا الذي إذا تحرك تحركت معه الأرض وردد له التاريخ تزكية له بقوله والنعم. أي نعم هذا الرجل المؤمل للقيادة ويقصد بذلك صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان.

قصيدة ذات وزن ومستوى أدبي رفيع ورائعة للشاعر سمو الشيخ حمدان بن محمد سواء من ناحية صياغتها ولغتها أو مضامينها ومعانيها أو من حيث صورها أو من حيث موضوعها ومناسبتها، لأن موضوعها الحديث عن دولة الإمارات في بداية تأسيسها وفي يومها الحاضر وامتداداً للحديث مدح ثلاثة من قيادييها وزعمائها المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، مؤسس الدولة وبانيها، وصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، وصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، فإن الحديث عن هذه القامات المتميزة في تاريخها يتطلب أن يكون الحديث عنهم من خلال نص شعري يناسب هذه الشخصيات المهمة في ذاتها وإنجازها وأدوارها، ولا يمكن أن يكون النص الشعري الذي يتناول الحديث عنهم أقل عن ذلك، إذ يجب أن يتماشى الجانبان معاً على ذات المستوى والوتيرة والقدر وإلا كان خللاً في هذه المعادلة الشعرية، ولكن سمو الشيخ حمدان بن محمد بمقدرة فائقة ومستوى شعري متميز استطاع أن يقارب بين هذه الخطوط معاً في قصيدته وكأفضل قصائده وتتجلى مكانة سمو الشيخ حمدان بن محمد هنا في حسن اختيار الكلمات والمعاني والمضامين التي استطاع أن يبرزها في هذا الثوب من الأناقة والحسن والجمال والتميز الملفت بحيث اعتبر هذه القصيدة هدية سموه للساحة النبطية، أبرز الشاعر فيها بقدرة وإمكانية وثقة وسعة ثقافية كل ما أراد إبرازه من دقة الصياغة الشعرية وتميز المضامين وإشراق الصور وجمالها بما يتناسب وشخصية الممدوحين فيها، بحيث كانت القصيدة معبرة تعبيراً دقيقاً ووافياً عما أراد الشاعر إبرازه من كل تلك الخصائص والصور والمعاني الجميلة والزخم الشعري الأخاذ، بحيث تمكنت ريشة الشاعر من رسم ملامح هذه الصور والمميزات بكل جلاء ووضوح وتفاصيل..

هذا النص الشعري المميز الذي يحسب للشاعر كما أن نفَسَ الشاعر كان واضحاً فيها بحيث استغرقت ملحمته أربعين بيتاً، وهو نفس محسوب للشاعر؛ حيث إن قصيدة بهذا الحجم الذي تحدثنا عنه من إبراز صورها واختيار معانيها ودقة صياغتها تحتاج إلى مساحة واسعة لا تقل عن هذه المساحة التي عليها القصيدة، ثانياً أن ثلاثة رجال من هذا الحجم من التميز والنجاح لا يكفيهم إلا عدد من الأبيات مناسب للحديث عنهم، خاصة وأنت تتحدث عن مثل المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، وصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، وصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، أطال الله في أعمارهم، ثالثاً أن تمكن الشاعر لا يسمح له بأن يختصر مساحة القول الممدودة في مثل هذه المناسبة المهمة لديه ولدى القراء عامة.. لقد جاءت قصيدة الشاعر مكتملة البناء الشعري بحيث أطلت على الساحة الشعرية، وهي في هذا الثوب من الجمال مكتنزة بمظاهر هذا الحسن الأدبي، حيث تحدث الشاعر فيها عن رموز الوطن وقادته ذلك الحديث الجميل المبهر، متزينة بتلك النفائس من الصور والمعاني والصياغة بكل مهنية وحرفنة.. ولا شك أن الساحة ستنشغل بهذه الهدية الثمينة التي سيظل عطرها فواحاً لدى الشعراء النبطيين والتي اعتبرها وثيقة من وثائق الشعر النبطي الإماراتي التي ستشغل الساحة بالحديث عنها وإبراز مزاياها وتميزها فهي تستحق ذلك.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات