ثقافات متعدّدة وجوهر إنساني واحد

لم يجسد معرض الشارقة الدولي للكتاب فحسب مقولة الفيلسوف الهندي «رادها كريشنان» إن «الإنسانية في جوهرها واحدة وإن تنوعت وتعددت ثقافاتها» بل نجح في صهر هذه الثقافات في بوتقة واحدة وتقديمها للعالم الذي يجتمع مبدعوه تحت مظلة المعرض في مشهد يمنح القيم الإنسانية الكثير من الألق، بل ينفض غبار الكثير من الأفكار الطارئة التي ألمت بهذه القيم. المعرض يقدم فرصة لا مثيل لها لتعزيز الحوار الثقافي بين الشعوب والدول المشاركة لتبادل الأفكار والمعارف وتيسير التفاهم والتحاور والذي يشكل المدخل الأكيد لتعميم ثقافة التسامح.. فمن خلال المدونة الثقافية والإبداعية، وبواسطة ترجمتها من لغة إلى أخرى، نتعرف إلى «الآخر»/‏ الغريب/‏ الضفة الأخرى، ونكتشف الجوامع، ونتعلّم أبجديات الحوار والقبول والتعايش والتسامح، ونتبادل المعارف، ونؤمن بالتنوع الذي يُثري التجربة الإنسانية والحضارية.

تطهير فكري

الدكتور محمد حمدان بن جرش أمين عام اتحاد كتاب وأدباء الإمارات، يرى أن الثقافة أصبحت جسر عبور للوصول إلى الآخر المختلف وفهم أفكاره والتعرف على إبداعه وفهم القيم الإنسانية المشتركة والتعاون عبر العلوم والفنون والآداب لخدمة الجنس البشري والإنسانية وهذا ما يجعل الكتاب يحقق المعرفة والسعادة ويعزز إنسانيته ويطهر فكره من براثن الوحشية والسلبية.

وأضاف: يبدو واضحاً أن سؤال العلاقة مع الآخر سيبقى في مركز الاهتمام دائماً في الحضارة الإنسانية، ومن دون تقديم إجابات موضوعية حول هذا السؤال فإن الفوضى والاضطراب سيبقيان كعنصرين ثابتين في اللوحة من حولنا، وخصوصاً مع صعود أزمة الهويات، والتي تعصف اليوم في أكثر من منطقة من العالم، حيث تسود ثقافة الإقصاء، وينتفي الحوار بين الأفراد والجماعات، ما يجعل العنف هو الشكل المسيطر في العلاقات، وهو عنف يؤجل فعلياً انتقال المجتمعات والدول إلى وضع تنموي أفضل.

وقال: هناك ثقافة حقوقية نمت - بعد أن مرت البشرية خلال تاريخها الحديث، وعلى أقل تقدير خلال القرون الأربعة السابقة، بمنعطفات كثيرة - فرضت التسامح كنمطٍ مهمٍ في العلاقات التي تسود ضمن المجتمع الواحد، ما يحمي خصوصية الهويات الموجودة، ويفسح المجال أمام الحوار البناء، وتلافي استيقاظ العنف، وهو ما يحمي المجتمعات من انفجارات لا معنى لها.

تناغم

من جانبه يرى فرناندو ليل اوديراك رسام وكاتب مكسيكي يشارك المرة الأولى في دولة عربية، أن الثقافة تعزز التناغم والأخوة وتمنح قدراً من السماحة وتفهم وتقبل الآخر، مشيراً إلى أن دور المعرض محوري في ما يتعلق بمد جسور التواصل وفتح المجال للتعاون وبناء اتصال معرفي حول الحضارات والثقافات وتعزيز التفاعل الإيجابي لضيوف المعرض مع المنجز الإنساني ونشر ثقافة التسامح والسلام كقيمة حضارية.

ويعكس المعرض وفق ماورا مولاسي من دار نيو ايرا للنشر قيمة التسامح الحقة بين مختلف الدول والجنسيات المشاركة من جهة ويكرس قيم التعايش السلمي والتفاهم المشترك والحوار الإيجابي بين الشعوب من جهة أخرى، ويترجم معنى التسامح بشكل خاص ينفرد به.

محاربة التطرف

جاء الأدب والمنتَج الإبداعي بتجلياته المختلفة كما يقول الكاتب والناشر جعفر العقيلي ليُصلح - ما أمكن - ما تفسده الحروب والصراعات التي ترافق مسيرة الإنسان على الأرض منذ فجر التاريخ. فالثقافة التي تمثل البنية الفوقية في كينونة المجاميع، تتخذ من الأفكار فضاءً لحضورها وفاعليتها، لهذا لا يمكن تقييدها بالجغرافيا، أو محددات اللغة، أو تباين المستويات - أيّاً كان نوعها - بين شعب وآخر أو بلد وآخر.

الأفكار لها أجنحة، تنقل الثقافة، تعبر المسافات وتجتاز الفيافي، بحثاً عن المشترَك الإنساني لتعظيمه، وتوقاً إلى رتق سوء الفهم الذي تصنعه السياسة وممارسات التهميش والإقصاء وادعاء التفوق والتطهير العرقي. لهذا حين نقرأ نصاً مترجماً سرعان ما نتفاعل مع مضمونه الإنساني والمشاعر التي يبثها من حزن وفرح وألم ومعاناة وإحباط وأمل.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات