الخريطة الثقافية العربية

قدرات العالم العربي الإبداعية

منذ بدء الحضارات التي أخذها الانشغال بتكوينها الجغرافي والمعماري والاجتماعي والثقافي وحتى اليوم، فإن ما أصابه المجتهدون على وجه البسيطة كان شديد التنوع ويقع في خانات عدة لتتوزع القدرات في رقع جغرافية متمايزة في امتدادها، فتحظى بعض الدول أو الأقطار وعبر حدودها المرسومة بتفوق حقل إبداعي معين عن سواه، سواء في الدول الأوروبية التي لم تعد تنافس فيما بينها بل تناقش هذه الوحدة الثقافية ومدى تنوعها الإبداعي المشترك خاصة في الألفية الجديدة، فماذا عن عالمنا العربي؟

الإبداع الجغرافي العربي

هل تغيرت الخريطة الثقافية في العالم العربي بعد كل تلك الحروب والنكسات والإنجازات والتحولات التي مرَّت بها بعد أكثر من نصف قرن، وبالتحديد منذ ثمانينيات القرن الفائت، في قدرات أبناء هذا العالم وإبداعاتهم الجديدة على الخريطة الثقافية، والتي هي خريطة حضارية لما تملك من منتج ثقافي فكري تاريخي وآثاري أكثر من كل جغرافيات العالم الجديد، لنكتب اليوم عما بقي على حاله أو بقي في الصدارة أو التشكيل الجديد الذي حدث وعما كانت عليه في وجهاتها المتباينة بين فقر وثروة، وبين الدعم واللادعم... وهل باتت ملموسة في تلك القدرات المختلفة والمنتجة؟ خاصة أن بعض الدول مهما كانت فوق أرض قلقة أو مستقرة، باتت تعتني باستراتيجياتها بعيدة المدى الداعمة للثقافة وبشكل كبير، فلا بد أنها حققت بعض الإنصاف للمبدعين فيها، وأصبح المكان الجغرافي بمعناه البعيد إما مقراً لاستمرارية المنتج الثقافي، أو انقطاعه وزواله.

رؤى متجددة

المتتبع للمسيرة في أوطان العرب الناطقة بلغة الضاد أنها في تغير ورؤى متجددة، وأفكار أخذت تنمو عبر ظروفها المعاشة في داخلها وخارجها، وفي السنوات الأخيرة القليلة ظهرت قدرات إبداعية هائلة بسبب الهجرات الأخيرة من إجبارية واختيارية، وكذلك بسبب الحروب الداخلية في بعض المدن العربية، ليتداعى الزمن وتتغير المصائر الإنسانية، وتتراجع بعض الجغرافيات العربية الثقافية عن الحفر المعرفي كما السابق، وبالمقابل يخرج أدب المهجر من جديد، وأدب الحروب إن جاز لنا التعبير، وتراجم تعبر عن حياة العربي خارج أرضه، كما خرجت بالمقابل جوائز كبرى تقديرية وجديدة في أقطار عربية متقدمة اقتصاديًا، ليتجاوز مفهوم ما يجري لدى البعض بنرجسية وإصرار على مفهوم الغلبة الثقافية له وليس للآخر بمنافسة لا معنى لها، فالثقافة ليست مخاصمة أو نزاعاً، ولا أرقامًا أو بروزاً أو تباري، بقدر ما هي سلام وقبول وتعبير بكل أشكاله الفكرية الشعرية السردية والفنية والموسيقية والمسرحية والأدبية.. وجدت من أجل الجمال والإنسان.

الألفية الجديدة

نلاحظ أنه وفي الألفية الجديدة ورغم ما جرى لبلاد الرافدين (العراق) من نكسات، فإن الإنتاج الشعري لا يزال فيها بارزًا، وهذا لا ينفي عدم وجود الإبداع الشعري في أقطار عربية أخرى، إلا أن العراق لا يزال متفوقاً في الشعر تحديدًا حتى يومنا هذا مقارنة بغيره، وكذلك إن اتجهنا إلى المغرب العربي، رغم بروز الرواية والشعر والمسرح فيها، إلا أن المساحة الجغرافية الثقافية الأكثر تفوقًا في الدراسات النقدية، وربما كان لتأثير الثقافة الفرنسية النقدية دور، ولإطلالتها على ثقافة البحر المتوسط، بالطبع لا يوجد في هذه الخريطة الثقافية الجديدة إحصاءٌ رقمي واضح، لكن بمراجعة الجوائز التقديرية والحضور المؤسساتي والنشاط الثقافي فإن الصورة أمست أكثر وضوحًا.

دول الخليج والجوائز

وعلى الرغم من أن موريتانيا لا تزال بلد الشعر وذواقته، وكذلك السودان في حضورها الثقافي وأرض اليمن التي يتنوع فيها الإبداع، تأتي دول الخليج العربي في العقود الأخيرة في المقدمة بتأسيسها جوائز مهمة من حيث القيمة والسمعة والتحفيز، ساعدت من فاز بها من المبدعين والمفكرين العرب، ودفعت بهم للحصول على التفرغ والتحرر الوظيفي، والشعور بقيمة تقديرية للمزيد من العطاء، وباعتراف الفائزين أنفسهم ومن كبار الكتاب.

السرد

إذا تطرقنا إلى مصر فهي بلا شك حضارة قائمة بحد ذاتها وفيها ما لا يحصى من أصناف الأدب كالمسرح والفنون والآداب والموسيقى والفكر والحراك.. ما يكفيها بحد ذاتها كجغرافيا مستقلة لها من التراكم التاريخي ما يؤهلها بالامتداد، لكننا في موضوعنا اليوم نجد أن مصر لاتزال في الطليعة الروائية مقارنة ببقية الأقطار، ويبقى فيها الإنتاج الأكبر بحكاياتها الثرية المتنوعة؛ التاريخية والصعيدية والريفية والقاهرية، ناهيك عن الحارات والشعبيات وتوفيرها قوة إبداعية ومساحات سردية واسعة، فلم تتراجع حتى اليوم، وبدليل المنتج السينمائي رغم تأخره عن القرن الماضي، فلايزال في الطليعة العربية بسبب الرواية النشطة وزخم الحكايات والرؤى والقضايا المطروحة.

أبحاث فكرية

أما في بلاد الشام من لبنان وسوريا والأردن وفلسطين، فإنها تمتاز عن غيرها من الأقطار العربية، بأنها أخرجت الكثير من المفكرين والباحثين، فهي مازالت تمتاز عن غيرها بهذا الأمر رغم وجود الإبداع المسرحي والإعلامي والشعري والروائي والبصري.. إلا أن رسالة الأكاديمي المفكر والباحث والفيلسوف هي الأكثر دقة وموضوعية، وما ساهم أو ساعد على ذلك هو الفسيفساء الاجتماعية الإثنية والعرقية المتنوعة ضمن الجغرافيات الصغيرة المتنافسة فكرًا وحضورًا، التي تكتب إبداعها وفكرها وبحثها باللغة العربية، لتسهم في القطاف إلى آلاف الأيدي العربية.

تكامل

إن ما يجري في الخريطة الثقافية العربية من ثبات أو تغيير، ليس سباقاً، فمن الطبيعي أن تختبر الحياة قدراتها فينا من خلال تجاربنا معها، وبالتالي هي قدرات تكاملية جميلة، لا تنافسية، على الرغم من تشويه البعض لهذا الاختلاف الجمالي ضمن اللغة الواحدة، والذهاب إلى الحديث بعنصرية تبرز فيها الطائفية والنقصان والفصيلة، من حيث إن كل إقليم ملكية فكرية، فيما يكرس اختلاف الجغرافيا جمالاً وبريقًا طبيعيًا في توزيعها الخصوصي والشمولي، فالجغرافية مسألة تكاملية حتى في أبعادها الثقافية والتنويرية، وليست ميداناً للحرب، وبالطبع هي ليست غلبة للكبار ولدول معينة بوصفها ذات باع كما يحلل البعض، لأننا على يقين بأن هناك استراتيجيات ثقافية قامت في بلدان صغيرة نجحت في أن تتميز عالميًا، ومهما تم تكريس أسماء لا علاقة لها بالإبداع والأدب، إلا أن هذه الظاهرة هشة ولا يمكن لها الاستمرار أمام ميادين فكرية إبداعية ثقافية زاخرة بالفكر والحداثة القائمة على الفلسفة الإنسانية.

شراكة

يبقى الاحترام لجميع النماذج وبشراكة مكتملة من خلال المبادئ الأساسية، حماية للتنوع الثقافي وضماناً لما هو مشترك لخدمة الوعي، والسعي لتحقيق أهداف التنمية الثقافية المستدامة، وإجراء إصلاح جماعي عميق للخريطة الثقافية العربية، شرط ألا تنزوي المؤسسات في حدودها الشكلية، ويبقى التنوع الثقافي مصدر سلام لا نزاع بدءاً من الفن إلى حرية التعبير والانفتاح، بهدف نشر المعرفة ورغبة منا بأن نلامس أنفسنا مع العالم دون نزاع أو سيادة شعبية أو منافسة بائسة.

2003

في هذا العام تأسست جائزة «ابن بطوطة لأدب الرحلة»، بهدف تشجيع التأليف والبحث في أدب السفر والرحلات المعاصرة، برعاية الشاعر الإماراتي محمد أحمد خليفة السويدي.

1982

تأسست في الأردن جائزة عبد الحميد شومان» بحقولها المتعددة، العلمية منها والطبية والأدبية والإنسانية والزراعية، وهي جائزة عربية عريقة توسعت وتطورت كثيراً عن تاريخ تأسيسها.

2015

تأسست في هذا العام جائزة «آسيا جبار للرواية» بهدف التشجيع على كتابة الرواية العربية والأمازيغية والفرنسية، ليشمل الإبداع كل لغات الإبداع في الجزائر.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات