«الأدب التفاعلي» بين الشرق والغرب

اللغز من التقليدي إلى التكنولوجي

الأحجية أو الألغاز بمفهومها العربي والعالمي، ومنذ القدم، هي كلمات مستغلقة لفظاً ومعنى، أشبه بمشكلة تطرح وعقدة يجب التفاعل معها لفكها وحلها، وقد راق للناس ذلك، ليتجه الغرب للمحافظة على ألغازه الشعبية والذكية ليطورها تكنولوجياً، أما الشرق فقد أخفق في الاهتمام بها، وفي مقدمتها الصين، التي أعلنت يوماً أن الألغاز لن ترتقي إلى الأدب العظيم فأخذها الإهمال، وكذلك العرب، ظلت أحجيتهم في كلاسيكيتها الشفهية والمكتوبة كما كانت ولم يطوروها، لتبدو اليوم بدائية، وكذلك في الإمارات كانت الألغاز من الفنون الأدبية التفاعلية العريقة، فأين ذهبت أحجيتنا وأين هي أحجيتهم؟

الألغاز الشعرية أو النثرية من الآداب الفنية النشيطة في تفاعلها، حيث تداولتها جميع الشعوب، ويهمنا أن نبدأ بأنفسنا في جزيرة العرب وقبل الإسلام، كيف تناولها الناس وتخصص فيها الشعراء، المعروف بـ«فن الملاحِن» فكان أقدم نصوصها ما كان بين شاعرين من شعراء المعلقات هما امرؤ القيس وعبيد بن الأبرص، فقد روي ما كان بينهما من ألغاز شعرية حتى تفاعل الناس معها زمناً، على الرغم من أن البعض ينكر هذا المصدر بأنه ليس لهما، لكن يقال إن عبيد الأبرص وجه لغزاً لأمرئ القيس يقول: كيف معرفتك بالأوابد؟ (أي غرائب الكلام ودواهيه)، فرد امرؤ القيس: قل ما شئت تجدني كما أحببت، فقال عبيد بن الأبرص:

ما حيةٌ ميتةٌ قامت بميتتها درداء ما أنبتت سناً وأضراساً.
ليجيبه امرؤ القيس:
تلك الشعيرةُ تسقى في سنابلها فأخرجت بعد طول المكث أكداسا.

ويستمران في السؤال والجواب عن كل ما في الطبيعة من ريح وسحب ونجوم وموت وخيول وأمنيات.. فكان شعراً ملغزاً يتفاعل سؤالاً وجواباً بذات الوزن والقافية.

ويطلق على هذا النوع صفة «الأدب التفاعلي» لأن أصحابه كانوا يترددون على سوق «عكاظ» أثناء اجتماعهم السنوي جنباً إلى جنب مع الشعراء، ومن أشهر من مارسه من النساء هند بنت الخس الإيادية، وهي سيدة كانت توصف بأنها من أهل الدهاء والجواب العجيب، وقد تم الحكم عليها أمام الشعراء في أبيات ونثريات وصفية في أحجيات مبهمة تصف من خلالها الخيول والجمال وكل شيء يتم سؤالها عنه، ليكون جوابها حاضراً ومميزاً وغريباً.

من هناك بدأت المنازلة اللغوية العربية التي تتطلب براعة التفكير والتفاعل معها من أجل حلها، سواء كانت حسابات دقيقة أو فكرية أو مسميات، ليستمر هذا الأدب التفاعلي حتى بعد الإسلام، فالعرب في الأصل كما هو مذكور أمة لسانية، لنجد هذا النوع من الأدب ورد في ألغاز المتنبي وكذلك الزمخشري من خلال كتاب «الأحجية في الشعر العربي» للبقلي، ودون أن نغفل الشهير ابن الفارض في مصر.. ولمن أراد الاطلاع هناك كتاب للدكتور محمد علوان سالمان بعنوان «فن الألغاز عند العرب»، سواء كان شعراً أو نثراً أو قصة قصيرة.

هذا الفن التفاعلي تناوله الغرب والشرق مثلنا ويعدانه ثقافة وفولكلوراً مهماً لا يستغنى عنه، بوصفه مصدراً من مصادر المتعة سواء في فنلندا وهنغاريا وهولندا وفرنسا وإيطاليا إلى آسيا والفلبين وإندونيسا.. وغيرها، وقد برز في بدايات القرن الـ20 باحث أمريكي يدعى آرتشر تايلور وهو من أوائل المتخصصين في الفولكلور الأمريكي والأوروبي، وعميق الاهتمام بتاريخ الأمثال والألغاز و«البيبليوغراف»، ودرس اللغات الرومانسية والأدب الشفهي بدقة، حتى استطاع في بدايات القرن العشرين أن يوثق اللغز مفككاً وواضحاً في كل هذه الثقافات المذكورة بتفاصيلها، والأهم أنه بنى الدراسات الكاملة عن تاريخ الأحجية الشعبية نثراً وقصة واختبارات للذكاء لتفعيله من جديد.

حاول الباحثون الغربيون قبل الحرب العالمية الثانية إزالة هذا الأدب التفاعلي من سياقاتهم الاجتماعية بوصفه شعبياً لا حداثياً، وما منعهم من ذلك سوى صعود (الأنثروبولوجيا) علم الإنسان والسلوك البشري، خاصة بعد الحرب العالمية الثانية، ليلجؤوا من جديد إلى هذا الأدب الاجتماعي التفاعلي ويدخلوا في دراسات واسعة النطاق عن الأحجيات من أوروبا إلى الشرق وإفريقيا المهملان نسبياً.

ومع الحفر المعرفي وتقارب التفاصيل في «الميثولوجيا» (علم الأساطير)، والسلوك الحالي أخذهم الاهتمام لتفعيله تكنولوجياً من خلال ألعاب الفيديو، بعد دراسة تاريخ الأحجية الثقافي ومدى تواصله مع الإنسان قروناً وتأثيره في فكره ونمط حياته، فكان من الأهمية استعادة الألغاز من جديد وبكل أشكالها المصنفة، من أرقام وحروف وقصص.

المتتبع لأدب اللغز الشعبي في البحر المتوسط قديماً ودخول الخرافة فيه لتشفير القاعدة الاجتماعية ووضعها في نقطة الخيال والانطلاق منها إلى مفاهيم المتعة واللعبة الفكرية، وأيضاً الروس وثقوا هذه المادة وبشكل علمي، فالأحجيات الروسية تدخل في الأمثال الأدبية وتفاعل معها الروس قروناً طويلة وأصبحت من التقاليد ومن ضمن السياق الاجتماعي، لذا كانت فهرستها وتعريفها وتصنيفها ضرورية جداً، وفي الصين تم إهمالها فبرأيهم لا يرقى أدب الأحاجي إلى الأدب العظيم.

وإن عدنا للوراء قليلاً، نجد في أوروبا القرون الوسطى إجمالاً اتخاذ اللغز شكلاً أدبياً، فكان ذلك تحت تأثير الأدب العربي الأندلسي، لتزدهر عندهم الأحجيات العربية وكذلك العبرية من خلال ما قرأنا من ألغاز شعبية كتبها ودونها الشاعر الأندلسي موسى بن عزرا، ولكن الأقدم من تلك النصوص، ألغاز شعرية تفاعلية مسجلة كنصوص على الألواح الطينية في مدرسة بابل ببلاد النهرين، وهناك أيضاً نصوص «سنسكريتية» هندية، باتت اليوم مرتبطة بالألغاز الإنجليزية، ففي ظل استعمارها للهند ترجمت تلك النصوص وتداولتها وفسرتها، ووصفت بأنها أحجيات شعرية، وهذا ما دفع الباحث الأمريكي آلان دوندس لتحديث مفهوم الأحجيات بتشكيله مِنحة فولكلورية حديثة لتؤثر من جديد في العالم، فعل دوندس ذلك بعد أن درس الفولكلور ووضع منهجاً لتحليله من مقاربات ونظريات من حيث المنظور الدولي، في كل المجموعات الفرعية من أحجيات وحزورات وبعض النكات.

هذا الامتداد الطويل بين الاستمرار والانقطاع وحسب ما ورد لنا في التدوين، ومنذ أن تحدث أرسطو في اليونان ووصفها قائلاً: «الألغاز الجيدة توفر لنا الاستعارات المُرضية» نجد أن التطور كان واضحاً من الشفهي إلى المادي الملموس إلى التعليمي المدرسي فالتجاري والآن التكنولوجي، لتظل الأحجيات متداولة بشكل معلوماتي أدبي والأهم المتعة، فما كانت لتشغل الذهن بشكل فعال سوى الأحجيات الشرقية والعربية التي أهملت وظلت شفهية كما هي، ما جعلنا نقوم باسترداد هذا الأدب التفاعلي بأنواعه وأشكاله الكهربائية والإلكترونية والورقية ومسابقات.. من خلال ذات الوسيلة (التخمين) لهذا الغموض الأدبي الفولكلوري الأسطوري الشعبي البعيد.. والنتيجة كما هي إما الخسارة وإما الربح، وثقافة عريقة بحاجة إلى تمعُّن وتطوير؛ لأنه جزء لا يتجزأ من تاريخنا الشخصي والجماعي.

الأحجية في الإمارات
كانت الأحجية في الإمارات فعل الشعراء الأذكياء، وهم قلة، وأهل الحجا (بكسر الحاء) وتعني أهل الذكاء والحكمة والإبداع والفن مع براعة وتمكن، ليتبارى الناس في حَلّهِا وجمعها، ومن أشهر من صنعها الشاعران الإماراتيان المعروفان راشد الخضر وسالم الجمري، وكانت لها مسميات خاصة، كـ«الغطو» و«الريحاني» و«الدرسعي» مع حسابات وحروف.. ورغم توثيق كل ذلك من حيث الأسلوب والتقديم والأمثلة، إلا أنه تم إهمالها تكنولوجياً كبقية شعوب الشرق ولم تعد تلقى رواجاً بين هذا الجيل الذي شكلته الحداثة واللغات الدخيلة، وكذلك على المستوى التجاري لم تجد الأحجية الإماراتية لها مكانة، كما هي نظيرتها في الدول المتقدمة.

وعلى سبيل المثال، كان «الريحاني» يرمز إلى كل حرف من حروف الهجاء باسم كائن من الكائنات، من جماد وحيوان فيبدأ بنفس الحرف، وكان بالإمكان تسويق هذا اللغز تجارياً على الورق أو الشاشات التكنولوجية وبرمجتها وبيعها، فالهدف الأساسي موجود في كل أحجية عالمية وهو إعمال العقل لفك العقدة، بوصفها الحياة عقدة ومعنى، والترويج لهذه الألعاب التي كانت تعيش على التباري الرقمي والأبجدي يصلح لطلاب المدارس ولجلسة الأصدقاء وللأسرة في إجازاتها، بوصفها ألعاباً تفاعلية بعد أن كانت أدباً تفاعلياً.

تبقى اللغة في الأحجية صناعة، ولغز «الدرسعي» قائم على الحروف الهجائية الرابطة كل حرفين ببعضهما والناتج عنهما إنابة كل حرف عن الحرف الآخر، ولمعرفة المقصود، يصبح الدرسعي لغزاً يعوَّل على برمجته، وكذلك فن الريحاني، والغطو، كلها تدخل ضمن الحروف المجزأة كأي عقدة بحاجة إلى تخمين وذكاء ومهارة للتناوب عليها لعباً وبشكل مكرر كما هي ألعاب الفيديو اليوم التي هي في الأصل أدب شعبي، ومن الضروري البحث في اللغز الإماراتي القديم وأسلوبه المتطور لتمكينه، فما الأحجيات القديمة سوى نصوص جريئة وفكرة منسوجة ولعبة تورية شفهياً وكتابياً وحركياً نابعة من ثقافتنا ومنذ ولادتنا وعليه اليوم أن يكون تكنولوجياً، وإلا ستتراجع أكثر.

20
في القرن الـ20 برع الشاعر الإماراتي راشد الخضر في الألغاز، ومنها: (سِرْ سَل عنه يا طير سر سال... بو معصمين وجيد وحيول)

1859
شهد هذا العام اختراع لعبة المتاهة، وهي من الآداب التفاعلية الحركية التي تقتضي نباهة في مسارات هندسية ودائرية لا يجب الضياع فيها، تحولت من رسم إلى متاهة حقيقية.

1979
اخترع الأمريكي هوارد غارنز في هذا العام لغزاً أشبه بأرقام وجداول ومربعات يسمى «سودكو»، وهي لعبة شعبية تفاعلية ذكية تحظى بإقبال حتى اليوم بعد أن تحولت من ورقية إلى تكنولوجية.
 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات