«البيان» سألت أدباء من أجيال مختلفة وأقطار عدّة

كتابة الشعر والرواية معاً شروطٌ صعبة أو آفاقٌ رحبة؟

هل الانتقال في الكتابة من حقل إلى آخر دليل على الثراء والسيطرة على أدوات الكتابة الإبداعية؟ وبماذا يمكن أن نفسر نزوع شعراء إلى كتابة الرواية، وروائيين لكتابة القصيدة. وهل لهذا الطريق شروط تحكم نهاياته، فإما النجاح والتألق، أو الوقوع في خطأ التجربة؟

سؤال قد تبدو الإجابة عنه يسيرة، إذ إن هذا الأمر ليس بجديد في الأدب، فهناك شعراء أوروبيون كتبوا الرواية أيضاً إضافةً إلى الشعر، وفي عالمنا العربي، انسحبت صفة الكاتب أكثر من صفة الشاعر على عدد كبير من الشعراء بوصفهم مبدعين لفنون أدبية أخرى أيضاً.

هذه القضية المطروحة دائماً على النقاش، وتحاط غالباً بالإجابات المتباينة، شكلت محور التحقيق الذي شاركنا فيه قرّاء «البيان» على منصتي «فيسبوك» و«تويتر»، حيث رأى 51% من المتابعين على «تويتر» أن لا حدود للإبداع، بينما ارتفعت نسبتهم على «فيسبوك» إلى 57%، أما المتابعون الذين اعتبروا أن لكل كتابة شروطها، فقد كانت نسبتهم أقل بشكل طفيف، وكانت 49% على «تويتر» و43% على «فيسبوك».

لكن التساؤل هنا، هل نزوع الشعراء نحو كتابة الرواية معناه اعتزال الشعر؟ أو بلغة أخرى، هل هذا معناه تراجع الشعر الذي هو ديوان العرب لتصبح الرواية هي ديوان العرب؟

 

يؤكد القاص الإماراتي إبراهيم مبارك أن امتلاك الشاعر أو الروائي ناصية الكتابة وإبحاره فيها بتمكّن، يمنحه الثقة بتقديم إمكانياته الإبداعية والفنية بأساليب وطرق شتى، وعلى الخصوص الشاعر صاحب الروح الوثابة، والمحلق دائماً خلف الفكرة والكلمة والقصيدة، فالشعر لديه العزيمة أن يقول: أنا مع تحدي كل شيء، أنا الذي قدم القصيدة والشعر الذي يأخذ من اهتمام الناس والمجتمع الكثير.

ويضيف مبارك قائلاً: هذا جزء من رؤية الشاعر نحو كل شيء، وعند نجاحه وتفوقه في صياغة القصيدة، فإنه يجرب أن يقدم قدراته ونفسه من خلال الفنون الأخرى، وهنا يتشابه مع بعض كتاب السرد والرواية الذين يعتقدون أيضاً أن لديهم القدرة على أن يقدموا أفكارهم من خلال القصيدة والشعر.

إن تجربة أن يطرق الشاعر باب الرواية شيء جميل وعمل مفتوح للجميع، وقد طرقه العديد من الشعراء وحققوا نجاحاً جميلاً. لكن لا بد من القول إن الكتابة في الرواية والسرد تحكمها بعض الأدوات وتتحكم فيها عملية البناء، وأيضاً الوقت المبذول في بناء النص الروائي، بينما القصيدة هي زهرة الوقت تأتي مثل ومضة برق وكأنها إلهام يحل عليك في لحظته. وهنا تبدع القريحة الشعرية والتخيلية للشاعر ليقتنص ويسرجها في إطاره الشعري وبرواز الإبداع، ثم تولد القصيدة سريع.

ولو أخذنا للشعراء الذين كتبوا الرواية أو جربوا الكتابة السردية وقدموا روايتهم الأولى بنجاح كبير، أستطيع أن أقدم مثالاً واحدا من الإمارات، ألا وهو الشاعر أو أمير الشعراء من شاعر المليون الأخ الصديق عبد الكريم معتوق، حيث قدم روايته الأولى التي حققت إقبالاً وتفاعلاً لافتين، لكن بحكم أنه شاعر مهم من الإمارات، فضل أن يقول: «إنني قادر على الكتابة السردية، وإنجاز روايته. ولكن الشعر يبقى بيتي وسكني وحبي».. إذا لا عجب أن يكتب الشاعر الرواية، والراوي القصيدة.    

 

الشعرية والأدب

ويعتبر الشاعر اللبناني شوقي بزيع أن تقدم الرواية في الساحة الأدبية نشراً وتوزيعاً وجوائز، لا يعني أبداً اضمحلالاً للشعر، لأن الرواية قد تكون متصلة بالطبيعة المدينية للعصر، بينما الشعر هو ريف الحياة، وهو أبوابها المفتوحة على الماضي الذي تم خسرانه.ويوضح قائلاً: الرواية تقرأ مرة واحدة أو اثنتين في أحسن الحالات، أما الشعر فيجدد نفسه مرة بعد مرة من دون أن يُستنفد.

قد يتراجع الشعر كفن مستقل، لكن الشعرية منبثة في أنواع الأدب جميعها، في الرواية والقصة والسرد والمسرحية واللوحة والموسيقى والنحت، وكل فن بلا شعر هو فن متخثر وآيل إلى زوال. وحتى الشخصيات الروائية الكبرى هي شخصيات شعرية بامتياز، فقد كان الروائي اليوناني نيكوس كازانتزاكيس يقول: «روح زوربا هي عصف شعري يمشي أمام العالم». بينما قال هنري ميلر: « إن الشاعر هو كريستوف كولومبوس الشاب»، أو هو على حد قول والت ويتمان: «ضياء نادر عصي على الوصف، يضيء الضوء نفسه متجاوزاً الإشارات كلها والأوصاف واللغات».

 

لا موضة في الأدب

من جهته، لم يجد الشاعر والروائي الفلسطيني المقيم في الإمارات سامر أبوهواش ظاهرة كتابة الشعراء للرواية ممارسة مستغربة أو هجينة، ويقول: رغم أنها قد تبدو مستجدة في المنطقة العربية،  فإن العديد من الروائيين أو المشتغلين بالنثر بما في ذلك الكتابة المسرحية في العالم، كتبوا الشعر في مرحلة ما من حياتهم، وأذكر على سبيل المثال لا الحصر إرنست همينغواي ووليام فوكنر وجاك كرواك ووليم بوروز وتشارلز بوكاوسكي وجورج أورويل وغيرهم كثر. ويتابع قائلاً: لعله من المألوف أن تكون بداية معظم الكتاب حول العالم مع الشعر، فمنهم من يستمر بهذا الفن ويعرف به ومنهم من ينتقل إلى فنون أخرى، ومنهم من يجمع بين الشعر والنثر بمقادير متفاوتة من النجاح.

ولعل المثال الأنصع على ذلك هو وليم شكسبير الذي لا يقل أدبه المسرحي أهمية عن إرثه الشعري. وفي التجربة الحداثية عندنا، يمكن أن نذكر محمد الماغوط الذي كتب النثر مسرحاً ورواية ومقالة بقدر ما كتب الشعر. في نهاية المطاف، فإن التجربة نفسها، عندما تخضع لحكم الزمن والاستمرارية، هي التي تحدد مدى وحجم تأثير تجربة ما واستمراريتها.

وقد رأينا في النثر العربي الكلاسيكي تجاوراً كبيراً بين الشعر والنثر ولعل من أبرز تجاربه كتاب «طوق الحمامة» لابن حزم الأندلسي الذي جمع بين هذين المستويين من التعبير الأدبي بصورة ليس فيها شيء من الهجنة أو التنافر. يحق للكاتب إذن أن يجرب، والحكم في النهاية للقارئ. والتجربة تؤكد أنه لا مكان للموضة في المنتج الأدبي الحقيقي.

فإن وجدنا شاعراً ما "يجرب حظه" في كتابة الرواية، أو العكس، من باب اللحاق بالركب، فهذا أمر مفهوم، أما أن يستطيع فرض نفسه في أي فن من فنون الكتابة، فهو المستحيل بعينه، والزمن كفيل بغربلة الصالح من الطالح، وما يشكل إضافة حقيقية أو يكون مجرد تمرين أو لحاق بالموضة، لكنني في النهاية مع جميع التجارب، سواء داخل فن الرواية نفسه، أو داخل فن الشعر، ولا أعتقد بوجود نمط روائي أو شعري واحد، والبقاء دوماً للأكثر صدقاً وإبداعاً.

 

سؤال مستغرب

الشاعرة والروائية الجزائرية ربيعة جلطي تستغرب طرح السؤال حيال تعدد الأساليب والأنماط الأدبية لدى المشتغلين في عالم الكتابة في الساحة الثقافية العربية، وتقول: لا نرى الأمر ذاته لدى الغرب. على سبيل المثال، في أمريكا اللاتينية وأوروبا هذا الأمر ليس مثاراً للسؤال والنقاش.. أغلب الكتاب روائيون وشعراء وصحافيون، فيديريكو غارسيا لوركا كان روائياً وشاعراً، غابرييل غارسيا ماركيز كان صحافياً وقاصاً وروائياً.. وقس على ذلك عشرات الروائيين كتبوا الشعر، إذاً لماذا هذه الأصوات المشككة التي علينا أن نبنيها في ذواتنا، لكي نفصل ما بين الإبداع، ونضع بين أصنافه حدوداً وجدراناً؟!طبعاً حين تكتب، سيكون لديك معرفة حقيقية بتقنيات الرواية وكتابتها. في تجربتي الخاصة، دائماً أشعر بأن ثمة ما ينبغي أن يحكى.

بالنسبة للرواية، جاءت برغبة ملحة قبل الشعر، لكن كما نعلم أن الشغل على كتابة الرواية هو تعب وسفر ودخول الى المكتبات، والحديث مع الناس والبحث في تاريخ وتفاصيل المدن والأمكنة، والعمارة وهندستها وهندسة الحدائق وأشجارها. كل مدينة أو مكان تقصده لتكتب عنه، ينبغي أن تصل إلى معرفة عنه أكثر مما يعرفه القارئ. لذلك هو عمل يتطلب تفرغا، وكان الأمر بالنسبة لي صعباً مع مسؤولية الاهتمام بالأسرة والأطفال، ومتابعة الدكتوراه. كنت وفية للرواية، وتركتها ليتسنى لي الوقت الكافي للخوض فيها،

وكنت كلما اردت ان أكتب رواية جديدة أتفرغ لها، وأنسى كل ما يحيط بي ليست سهلة وليست آنية وهي مختلفة. القصيدة تتبعك في حياتك اليومية حتى لو كنت في سن متقدمة، أما الرواية فهي هي ثقافتك ومعلوماتك وما تمتلئ به وما تبحث عن معرفته أصلاً.

 

«ديوان العصر الحديث»

الروائية اللبنانية المقيمة في القاهرة لنا عبدالرحمن تؤكد أن ظاهرة الانتقال الإبداعي من الشعر إلى الرواية، ازداد حضورها منذ أواخر القرن الماضي. ونجد العديد من الأسماء لمبدعين تحولوا من كتابة القصيدة إلى السرد الروائي، في المقابل لا نجد ربما إلا أسماء معدودة لروائيين يختارون التعبير شعرياً.

وتضيف قائلة: ثمّة عدة تأويلات لهذه الظاهرة ومنها التفاعل الإبداعي بين كل الفنون، وحاجة المبدع إلى أكثر من أسلوب تعبيري ينسجم مع ما يدور داخله من تساؤلات وجودية. الرواية اعتبرت من قبل النقاد «ديوان العصر الحديث» لأنها قادرة على أن تضم بين دفتيها أكثر من نوع إبداعي يشمل القصيدة، والسينما والفن التشكيلي، إلا أن ثمة أفكاراً تحضر أحياناً عند المبدع وتحتاج إلى قالب معين لاحتوائها، ويكون أكثر تمثيلاً وتعبيراً عنها، في مثل هذه الأحوال يلجأ الشاعر إلى فن السرد ليكتب روايته، لأن ما يحتاج إلى قوله والتعبير عنه يفوق القصيدة أو القصة القصيرة.

لعله من المهم أيضا أن لا نغفل عامل الثورة العلمية والتكنولوجية التي منحت المبدع روافد كثيرة معرفية وثقافية زاخمة، يضاف إلى هذا ما يحدث في العالم العربي من حروب وثورات وانقسامات وتشظيات تجعل من اللحظة الشعرية تتسم بالضبابية وغموض النبؤة، مقابل سردية الرواية القادرة على البوح والاسترسال بالمكاشفة.

 

 

تساؤلات متشائمة

عدد من التساؤلات تنضح منها علامات التشاؤم حيال واقع الشعر، طرحتها الشاعرة والإعلامية البحرينية بروين حبيب حين استهلت كلامها بالقول: في السنوات الأخيرة بزغت أسماء روائية ملأت سماء المشهد الثقافي، وحجبت الكثير من الشعراء الذين كانوا نجوماً.. وأضافت: شيء ما جعل الشعر يقف تحت ظلال الرواية، وأعتقد أني كنت مخطئة حين كتبت بإصرار أن الشعر بخير، وأنه سيد الفنون كلها! صحيح أن لا قانون يمنع الشاعر من خوض تجربة السرديات الطويلة، لكن هل ما قام به شعراء القرن العشرين كان تجديداً أم بداية نهاية الشعر بالتخلص من الأوزان والأقفال والقضبان والخروج نحو الفضاءات التعبيرية الحرة؟ أليست الرواية اليوم هي أكثر الفضاءات الأدبية شساعة واحتضاناً لكل الفنون التعبيرية كتابة؟وتابعت بروين تساؤلاتها قائلة: ما معنى أن يطوي شاعر مرموق صفحة تاريخه الشعري وكأنه مخذول بقارئه وناشريه ومناصري الشعر، ويكتب رواية ينافس بها أصحاب «الحرفة» الجديدة، مجتهداً بكل علاقاته في الأوساط الثقافية للبروز على قائمة الروائيين؟

 

فوضى غير خلاقة

ويقول الروائي العراقي وارد بدر السالم: لا يوجد خطأ في محاولة تبادل الأدوار الأدبية في الكتابة بهذا الجنس أو ذاك. فالحياة الثقافية الآن انفتحت على معطيات مباشرة، بما وفرته إلكترونيات العصر الحديث من سرعة وانتشار وتثاقف واتصالات وتبادل معرفة نوعي؛ مثلما وفرت فرص الاطلاع الكثيرة على مستجدات النوع الأدبي والثقافي والمعرفي، وبالتالي النوع الفني في الكتابة الأدبية المتطورة دائماً.

لذا ليس غريباً أن يلجأ الشاعر إلى كتابة الرواية، فالسرديات هي التجارب الحياتية في اجتماعياتها الواسعة التي تداخلت فيها والشاعر جزء من متطلبات الحياة، فهو فرد يعيش في هذا الخضم المتداخل من الهم اليومي أما الكتابة الشعرية التي تقلّصت إلى حد كبير فعادت بطريقة ثانية في منافذ «سوشال ميديا» وأنواع مواقع التواصل كمغذّيات نفسية يلجأ الشباب إليها والموهوبون، وحتى مدعي الكتابة، عندما انتهى عصر الرقابة وصارت الكتابة حرة ومباشرة، وبات من السهل أن تكتسح مسميات وتسميات (شعرية) فضاءات «تويتر» و«أنستغرام» و«فيسبوك»، لذلك ستجد هناك فوضى شعرية غير خلاقة، وربما تكون سرديات الرواية أقل فوضى بسبب الاحتكامات الفنية الصارمة في مثل هذا النوع من الكتابة. وعليه سيكون عدم توازن في هذه الناحية بين الفنين الشعري والروائي.

 

قضايا مزيفة

ومن القاهرة، يقول الشاعر إبراهيم المصري: ثمة قضايا ثقافية أو إبداعية أعتبرها قضايا مزيفة كقضية «هذا زمن الرواية» التي يترتب عليها بالطبع موت أو على الأقل خفوت أية أشكال إبداعية في الكتابة كالشعر والقصة القصيرة، مع أن الأمر في حقيقته وفي الواقع تجاورُ الأشكال الإبداعية وسيبقى كذلك، ومن القضايا المزيفة أيضاً أن شعراء يكتبون الرواية، فأين يكمن الخطأ بالضبط في أن شعراء يكتبون الرواية أو روائيين يكتبون الشعر، ما هذه المشروطية المُسبقة التي تُلزم إنساناً ما حقلاً إبداعياً لا يتجاوزه، ما هذه المشروطية إن لم تكن شروط الإبداع ذاته في أي شكل من الأشكال الروائية أو الشعرية أو القصصية، وماذا لو أخطأ شاعر في كتابة رواية وفشلت تجربته أو فشل روائي في كتابة الشعر؟ ماذا سيحدث؟إن الكتابة في أصلها فعل فردي، وهي اختيار حر، وبهذا المعنى فليكتب من شاء ما يشاء، ففي النهاية الإبداع هو المقياس وسقف التجارب كلها.

 

عالمان متداخلان

أما الروائية والشاعرة اللبنانية سارة الزين فتؤكد أن الرواية والشعر عالمان متداخلان كثيراً ومختلفان جداً في آن. ولعله ليس من اليسير المفاضلة بين الشعر والرواية. وتوضح رأيها بالقول: الواقع يشير إلى أن أغلب الشعراء يدخلون عالم الرواية، بعد أن يقضوا وطراً مع الشعر، وتأويل ذلك عندي يعود إلى أن القواعد التي يقوم عليها الشعر العربي تجعل الأديب بعد فترة، يميل إلى عالم أكثر اتساعاً وحرية في التعبير، كي يفرش تجربته بعيداً من قيود الوزن والقافية والروي والإيقاع وغيرها.. ثم إن الشاعر بعد فترة نضوج تجربته يحتاج فضاء طلقاً يتسع لعمق رؤاه الوجودية. أما عن الشروط والنهايات والنجاح أو الوقوع، فأذكر هنا كلاماً للروائي العالمي ماريو فارغاس يوسا في كتابه «رسائل إلى روائي شاب»: «إن الكاتب الحقيقي لا يكتب ليعيش، بل يعيش ليكتب»، أي أنّ الكتابة إذاً ما لم تكن موازية للحياة بالنسبة إلى صاحبها فلن تقدم إضافة إلى الأدب.

أما عن المفاضلة بين الشعر والرواية، فالأمر صعب وخطير، منذ فترة اعتزلت كلّ شيء وعشت بضعة أيّام أكتب فيها روايتي الجديدة، أعيش فيها علاقة توحّد مع الأبطال والشخوص والأحداث، أدخل سجني الانفرادي طوعاً وشوقاً، وكنت أراقب الشعر من بعيد يتلصص عليّ بثوبه الملكي من حين الى آخر، ويتنصت على خيانتي له مع الرواية، ولكني لم أعطه وقتها إذن العبور، فقد أحكمت الرواية قبضتها علي في تلك الفترة. وبعد أن انتهيت من الكتابة، تمنّع عنّي الشعر طويلًا، لم تكن استمالته من جديدٍ سهلة، تطلّب الأمر منّي وجعاً وتعباً كي أرضيه.

 

انتقال طبيعي

يقول الروائي العراقي المقيم في الإمارات شاكر نوري: أعتقد ان انتقال الأدباء بالكتابة من حقل إلى آخر أمر طبيعي. فلطالما كان الكتاب الأوائل من متعددي المواهب والاختصاصات. ثم إن الادب يعبر عن فكرة وربما هذه الفكرة التي يريد الكاتب أو الشاعر التعبير عنها لا يمكنه ذلك عبر قصيدة أو رواية.

ومن هنا تأتي فكرة الانتقال بين الأجناس الأدبية. كثير من الشعراء خاضوا كتابة الرواية ولكنهم لم يتحولوا الى روائيين، إلا من بدأ في كتابة الجنسين منذ البدايات الأولى مثل الكاتب ابراهيم نصر الله الذي يجمع بين كتابة الشعر والرواية في آن واحد. وبالنسبة للشعراء الاخرين، فأقول إن في قلب كل واحد منا رواية منهم من كتبها ومنهم من لم يكتبها. المهم في كل ذلك ما أهمية الرواية أو القصيدة التي كتبها هذا الروائي أو هذا الشاعر.

على سبيل المثال الشاعر الفرنسي شارل بودلير كتب رواية واحدة، ولكنه لا يذكرها في سيرته وكذلك إدغار آلن بو أو والت وايتمان كتبوا روايات، ولكنها ليست ذات أهمية كبيرة في مجمل إبداعاتهم. ربما التجريب هو الذي يقودهم الى ذلك أو محاولة التعبير عن فكرة لا يجدون لها المجال في ابداعهم الرئيسي في الرواية أو الشعر.

ويضيف نوري: هناك من يكتب الشعر خارج متن الشعر أي يتخلل رواياته كثافة الشعر واللغة، وهذا ما مارسه الكاتب الفرنسي سانت إكسوبري صاحب رواية «الأمير الصغير». الإبداع هو المهم في نهاية المطاف، وإلى أي حد أثرت هذه الرواية أو هذه القصيدة في مجرى الإبداع الأدبي. وهناك النص المفتوح الذي يمارس كتابته كثير من الكتاب الذين يمزجون بين الأجناس الأدبية كافة في نص واحد. وهذا كما أعتقد موضوع آخر بحاجة إلى دراسة وإشباع ورؤية.

 

جريس سماوي: لكلٍّ منّا حلم رواية

يقول الشاعر ووزير الثقافة الأردني الأسبق، جريس سماوي: ما نشاهده اليوم في العالم العربي من تحول كثير من الشعراء إلى كتابة الرواية، أعزوه إلى ضيق بعض الشعراء بمساحة الشعر، وأنا لا ألومهم هنا، ففي كل واحد منا حلم رواية، فالراهن العربي مليء بالتفاصيل وتفاصيل التفاصيل، بحيث إن الشكل الأدبي الذي أطلق عليه في ما مضى اسم (ديوان العرب)، أقصد الشعر، ربما يقصر عن أن يعبر من خلاله الشاعر عن كم المشاعر والإرهاصات والغضب ربما الذي يعتمل في داخله.

إن تداخل الأشكال الأدبية الحديثة واشتباكها جعل القارئ أحياناً يدرك مدى هشاشة الخطوط الفاصلة بين الأنواع الأدبية وخصوصاً بعد ازدهار القصيدة المتحللة من الوزن والقافية والتي أطلق عليها قصيدة النثر، إذ انداح الحد الفاصل بين الشعر والنثر، فمثلاً ماذا نرى في نصوص سليم بركات الشعرية المنثورة؟ هي نص أدبي رفيع وراقٍ ولا يضيره أن القارئ ربما يحتار في تصنيفه بين النثر والشعر والسرد. لقد كان الشعراء في ما مضى موسوعيين وكتبوا إضافة إلى الشعر المقال الصحفي والقصص والنقد والمسرحيات والرواية أحياناً، وما نراه اليوم من نزوع الشعراء نحو كتابة الرواية يدخل في إطاره الاعتيادي.

لا غرو أن الشعر يتراجع ليس في العالم العربي فقط بل في العالم، أقصد في عدد المتلقين والجمهور ومبيعات الكتب، لكن أنا أرى أن الشعرية في ازدهار وتنامٍ، فالشعرية دخلت الى لغة الرواية والمسرح والى السينما أيضا. لقد سيطرت الشعرية على لغة الراهن الأدبي في الانواع الأدبية الأخرى.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات