حصن الفهيدي.. صرح مجد معتّق برائحة الأسلاف

شامخاً بأبراجه العملاقة شاهداً على عظمة الأجداد، تفوح من جنباته رائحة الأسلاف العطرة، كأن حبات رمله مفضية بالأسرار في أذنك، ها هنا كانوا، نظموا بقطرات العرق حصناً هو أول حبة لؤلؤ في عقد إنجازات آل مكتوم. حصن الفهيدي، الذي تحول في النصف الثاني من القرن الماضي إلى متحف وطني، خلية نحل لا تهدأ طوال اليوم، يتوقف الزوار عند بوابته العتيقة يتأملون سحر الماضي، يتهادون في ساحته يتحسسون الذكريات الجميلة، هذا مدفع وقف خلفه نفر من حرس المدينة القديمة.

وهذه بئر تناوبت على دلوها الأيادي السمراء، وذاك برج طالما أطلق البوق ساعات اللزوم، ما كان لحصن الفهيدي أن يترجل عن مكانته الرفيعة، وهو الذي لا يزال يقوم بدوره التاريخي، حاضناً حياة المدينة القديمة بكل تفاصيلها، ويحتاج الزائر لأيام حتى يلم ويستمتع بما يراه من مجسمات لحرف وشخصيات تكاد تنطق وتحكي ما كان.

معلومات تاريخية

يعود إنشاء حصن الفهيدي أحد أقدم الآثار في مدينة دبي إلى العام 1787. ليكون قلعة دفاعية ومقراً للحاكم، ومع التوسع العمراني بعد ذلك واتساع دبي لتشمل منطقة الشندغة وبر ديرة، تنوعت استخدامات الحصن وتعددت، إذ تحول في فترة إلى سجن للخارجين على القانون، وفي فترة أخرى استخدم كمستودع للذخيرة، ومن يتأمل في موقع الحصن سيعرف أنه كان يمثل قلب المدينة القديمة ومركزها للانطلاق نحو بناء المدينة الحديثة.

وجاءت توجيهات المغفور له الشيخ راشد بن سعيد ليأمر بترميم الحصن وإعادة تنشيطه واستخدامه كمتحف وطني، يضم مختلف الآثار المكتشفة في مدينة دبي، هكذا تحول الحصن العتيق إلى حضن كبير يضم بين أضلاعه نبض الحياة. في عام 1971 وبالتحديد 12 مايو تم افتتاح المتحف بمعروضات أثرية وتراثية كانت معظمها إهداءات من المواطنين، ومع زيادة الاكتشافات الأثرية بدأت بلدية دبي بدراسة توسيع المتحف، واضعة نصب عينيها أهمية الحفاظ على شكل ومادة المبنى التاريخي وحمايته من أي تشويه، وعليه تم تجهيز أجنحة تحت الأرض بعمق ثلاثة أمتار ونصف مرتبطة بالحصن الذي خضع بدوره لأعمال صيانة وترميم.

واستهلت البلدية أعمالها بترميم الجدران الداخلية والخارجية، مستخدمة مواد أولية وخامات أصلية من النوع نفسه المستخدم في بناء الحصن، وقد تم افتتاح المتحف بشكله الجديد عام 1995 بديكورات وأساليب عرض متنوعة دخلت فيها التقنية الحديثة مثل المؤثرات الصوتية والإضاءة.

إحساس الزائر

لم تكن هذه المرة الأولى التي نزور فيها حصن الفهيدي ومتحف دبي، ومع ذلك لم نستطع تحييد إحساس الزائر لأول مرة، تلك هي عظمة المكان النابض المتجدد، يأخذك في كل مرة إلى حيث غفلت عيناك وحواسك في زيارة سابقة، تقف في ساحة الحصن تراقب الوجوه في الصور على الجدران، انبهار على وجوه الكبار، ودهشة الاكتشاف على محيا الصغار، لكن هيبة المكان لا ترضى إلا أن تلهمك صورة حقيقية.

حيث الصغار يلهون في الساحة وحول الحصن، إلى وفود جاءت تلتمس حاجتها لدى الحاكم، إلى صفحة رمل وبيوت علت براجيلها، ومع ذلك، فإن المتخيل في ساحة الحصن، ينقلب إلى شخوص مجسدة في أجنحة المتحف، ها أنت تحادث الحداد وتسأله إن كان انتهى من صنع فأس، امرأة تحمل سلة من الخوص على رأسها تكاد أن تصطدم بها فتجفل محاذراً، رجل يقود بعيره تكاد شفتاه تلقي عليك السلام، آيات من الذكر الحكيم تتناهى إلى سمعك فتأخذك قدماك إلى حيث يجلسون أمام المطوع، وولد شقي يتكئ على ركبته ويختلس النظر، يدس عينيه في خطاب يقرأه رجل عجوز، حارات وأزقة، متاجر وأصحاب مهن، كأن الأجداد لا يزالون في حصن الفهيدي يمارسون حياتهم، ويحكون لنا الأسرار.

قائد وشعب

من جهتها أكدت كلارا فانسي - سائحة إيطالية، أنها زارت عشرات من القلاع والحصون والمساجد والمعالم التاريخية والدينية في الإمارات، لكن أعجبني في هذا المكان المرافق والمقتنيات التي تروي حكاية شعب وقائد وماض وحاضر.

فيما يقول موريسيو - زائر إسباني: أذهلني حصن الفهيدي بما يحتويه من لوحات معبرة عن ماضي مدينة دبي وتاريخ، بما في ذلك المهن المختلفة التي كانت سائدة في حقبات مختلفة، وشخصياً استمتعت بما شاهدت اليوم، وفي الغالب الأمر يحتاج إلى زيارة أخرى لهذا المكان الجميل.

كلمات دالة:
  • حصن الفهيدي،
  • متحف،
  • بئر،
  • مجسمات،
  • دبي
طباعة Email
تعليقات

تعليقات